إمام الحلو يطرح رؤية للعقد الاجتماعي الجديد: من الحرب إلى الدولة الوطنية

 

 

القاهرة  : سماح طه

طرحت قوى ميثاق القاهرة، في أولى منتديات «تجديد العقد الاجتماعي في السودان»، رؤية سياسية وفكرية حول مستقبل الدولة السودانية ومسارات الخروج من الحرب، قدمها المهندس إمام الحلو في ورقة بعنوان «العقد الاجتماعي: من الحرب إلى الدولة الوطنية».

وتناولت الورقة جذور الأزمة السودانية، ومسارات إنهاء الحرب، وإعادة بناء الدولة على أسس المواطنة والديمقراطية والتوافق الوطني، إلى جانب تصور لإدارة المرحلة الانتقالية وإعادة تأسيس النظام السياسي ومؤسسات الدولة.

من الثورة إلى الحرب

واستهل الحلو ورقته بالتذكير بوثيقة «العقد الاجتماعي الجديد» التي قدمها حزب الأمة القومي في مارس 2020، باعتبارها مشروعاً إصلاحياً لمعالجة أوجه القصور التي ظهرت خلال المرحلة الانتقالية التي أعقبت ثورة ديسمبر.

وأشار إلى أن انقلاب 25 أكتوبر 2021 أجهض مسار الانتقال، قبل أن تقود تداعيات الأزمة إلى اندلاع الحرب في أبريل 2023.

ووصف الحلو الحرب بأنها انتقلت من نزاع بين طرفي انقلاب 25 أكتوبر إلى حرب مدن، ثم حرب أهلية، وصولاً إلى حرب بالوكالة، مع احتمال اتساع نطاقها إقليمياً، محذراً من آثارها على وحدة السودان وتماسكه الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، ومن تنامي التدخلات الخارجية بما يهدد استقلال القرار الوطني.

ثلاثة مشاريع للدولة

وفي قراءته لطبيعة الصراع الراهن، طرح الحلو تصوراً يقوم على وجود ثلاثة مشاريع لنماذج دولة أيديولوجية تتنافس في السودان؛ مشروع الجيش لبناء «دولة العسكر الأوتوقراطية»، ومشروع الحركة الإسلامية لاستعادة «دولة المشروع الحضاري»، ومشروع الدعم السريع لتأسيس «دولة السودان الجديد».

ورأى أن هذه المشاريع الثلاثة، وفق تصوره، لا توفر أساساً لتحقيق السلام والاستقرار والتنمية، لأنها لا تستند إلى شروط بناء «الدولة–الأمة»، القائمة على وجود وعي قومي مشترك يجمع بين الدولة باعتبارها كياناً سياسياً، والأمة باعتبارها كياناً ثقافياً واجتماعياً.

وانتقل الحلو إلى نقد تطور الدولة السودانية منذ الاستقلال، معتبراً أن البلاد ورثت بنية دولة استعمارية لم تنجح النخب الوطنية في إعادة تأسيسها على قاعدة اندماج وطني مستدام، وأن سلسلة الانقلابات العسكرية والأيديولوجية أسهمت في إعاقة تطور الوعي القومي والثقافة السياسية اللازمة لاستيعاب الديمقراطية وتوطينها.

دولة المواطنة وأمة المواطنة

وفي مقابل ذلك، طرح الحلو ما وصفه بفرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة السودانية على أساس عقد اجتماعي جديد، يؤسس لـ«دولة المواطنة وأمة المواطنة»، ويقوم على المساواة في الحقوق والواجبات، وتعزيز الاندماج الوطني وإدارة التنوع العرقي والجهوي والثقافي والنوعي والجيلي ضمن هوية وطنية جامعة.

وشددت الورقة على ضرورة نبذ اختزال الهوية الوطنية في الانتماءات الإثنية، والاستفادة من التعدد والتنوع باعتبارهما من مصادر قوة السودان، مع ضمان حقوق مختلف الانتماءات الدينية والثقافية وتعزيز الانتماء الوطني.

كما اقترحت تعزيز التعاون والتكامل الاقتصادي والأمني والاستراتيجي بين دول إقليم حوض النيل، ضمن رؤية تستهدف دعم استقرار السودان ومحيطه الإقليمي.

أربعة تحديات مصيرية

وحددت الورقة أربعة تحديات مصيرية تواجه القوى السياسية والمدنية السودانية، تتمثل في تحقيق السلام العادل والشامل، وإدارة مرحلة انتقالية راشدة، وبناء دولة وطنية حديثة، ودعم الأمن والسلم والتكامل الإقليمي.

وأكد الحلو أن وقف الحرب يمثل أولوية، لكنه لا يساوي بالضرورة تحقيق السلام الشامل والنهائي، داعياً إلى استراتيجية متكاملة لمعالجة أسباب الحرب وآثارها، وإشراك مختلف أصحاب المصلحة، بمن في ذلك الضحايا والنازحون واللاجئون.

كما دعا إلى الاستفادة من آليات الحقيقة والمصالحة والعدالة الانتقالية وجبر الضرر ومنع الإفلات من العقاب، باعتبارها جزءاً من معالجة آثار الحرب وإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع.

جبهة مدنية ومائدة مستديرة

واقترحت الورقة تشكيل اصطفاف مدني جديد يضم التحالفات والتنظيمات السياسية والمدنية الداعية إلى وقف الحرب والتحول المدني الديمقراطي، إلى جانب القوى المجتمعية من الإدارة الأهلية والطرق الصوفية والهيئات الدينية والمؤسسات الإبداعية والرياضية.

وبحسب التصور المطروح، يتطور هذا الاصطفاف إلى جسم مدني متماسك بهيكل منتظم وبرنامج واضح وقيادة خاضعة للمساءلة، ويضع ميثاقاً يحدد المبادئ الدستورية والسياسية الملزمة لمكوناته.

كما دعت الورقة إلى عقد مائدة مستديرة سودانية يشارك فيها أصحاب المصلحة من المدنيين والعسكريين، بإسناد إقليمي ودولي، بهدف وضع استراتيجية قومية لوقف الحرب وإنهائها، وإدارة المرحلة الانتقالية، وبناء الدولة الوطنية ونظام الحكم الديمقراطي التعددي.

ملامح الدولة والنظام السياسي

وتضمنت الرؤية عدداً من المبادئ، من بينها تأمين وحدة السودان وسيادته، وإقامة دولة مدنية ديمقراطية قائمة على الحرية والعدالة الاجتماعية، واعتماد المواطنة أساساً للحقوق والواجبات، واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية.

كما طرحت نظاماً سياسياً ديمقراطياً تعددياً يقوم على اللامركزية الفدرالية، واستراتيجية قومية للسلام، مع التأكيد على التزام المؤسسة العسكرية بالقرار المدني وأداء مهامها الدفاعية وحماية النظام الديمقراطي.

وتدعو الرؤية إلى بناء جيش وطني مهني موحد بعقيدة عسكرية وطنية، ينأى عن السياسة والنشاط الاقتصادي، ويخضع للسلطة المدنية.

مؤتمرات قومية للقضايا الكبرى

ودعت الورقة إلى معالجة القضايا المصيرية والاستراتيجية عبر مؤتمرات قومية متخصصة، بدلاً من حسمها بصورة ثنائية أو فوقية، مشيرة إلى أن قضايا مثل علاقة الدين بالدولة وصناعة الدستور الدائم تحتاج إلى آلية جامعة لتحقيق التوافق.

واقترحت عقد مؤتمرات قومية للسلام، والدستور، والإصلاح الأمني والعسكري، والاقتصاد، والعلاقات الخارجية، والثقافة، والتعليم، والخدمة المدنية والبيئة، بمشاركة الخبرات السياسية والأكاديمية والمهنية ومكونات المجتمع المدني والأهلي، على أن تشرف عليها مفوضيات قومية مستقلة.

انتقال سياسي ينتهي بدستور دائم وانتخابات

وفي ما يتعلق بالمرحلة الانتقالية، طرحت الورقة برنامجاً يبدأ بإجراءات عاجلة لإدارة الدولة، وإجازة دستور انتقالي يؤسس لحكم ديمقراطي انتقالي قائم على التفويض الشعبي والرقابة التشريعية، وصولاً إلى حكومة انتقالية قومية.

وتقترح الرؤية أن تنتهي المرحلة الانتقالية بإجازة دستور دائم عبر استفتاء شعبي، يعقبه إجراء انتخابات على مراحل تبدأ بالمستوى المحلي ثم تنتقل إلى المستوى القومي.

ساطع الحاج: الحرب ليست نتيجة مباشرة لانقلاب 25 أكتوبر

وفي التعقيب على الورقة، أكد ساطع الحاج الاتفاق على ضرورة تجديد العقد الاجتماعي، داعياً إلى تنظيم دورات ومنتديات نقاشية حول الورقة قبل الانتقال إلى اعتمادها.

وقال إن القوى الموجودة في ميثاق القاهرة يمكن أن تتبنى الورقة وتطرحها للنقاش، مع إدخال ما يلزم من تعديلات عبر حوار واسع حول القضايا التي أثارتها، وصولاً إلى صياغة مشتركة.

وفي ما يتعلق بأسباب الحرب، اختلف الحاج مع اختزال اندلاع الحرب في تداعيات انقلاب 25 أكتوبر، معتبراً أن الانقلاب كان أحد العوامل التي سرعت قيام الحرب، وليس السبب الوحيد في اندلاعها.

ودعا إلى توسيع النقاش حول جذور الحرب وأسبابها، وعدم اختزالها في حدث سياسي واحد، بما يتيح فهماً أوسع للأزمة ومسارات معالجتها.

 

فيصل بسير: الورقة إطار عام والنقاش يجب أن يستمر

واقترح الأستاذ فيصل بسير تنظيم سلسلة من المنتديات لمناقشة مشروع «العقد الاجتماعي الجديد»، معتبراً أن الورقة المطروحة تمثل إطاراً عاماً يمكن البناء عليه وتطويره من خلال نقاش أوسع.

وقال إن الدعوة إلى اعتماد الورقة بصورتها الحالية قد تغلق باب النقاش حول عدد من القضايا التي تحتاج إلى مزيد من الحوار، معتبراً أن الأفضل هو استكمال المسألة عبر مجموعة من المنتديات المتخصصة التي تتيح مشاركة أوسع للقوى السياسية والمدنية والمجتمعية.

وشدد على أن الهدف ينبغي أن يكون الوصول إلى صياغة أكثر شمولاً للعقد الاجتماعي، من خلال حوار مفتوح يتيح تطوير الأفكار وإضافة ما تراه المكونات المختلفة ضرورياً لبناء توافق حول مستقبل الدولة السودانية.

حسن بشير: لا نغرق في التفاصيل.. والاقتصاد محور التعافي

ودعا البروفيسور حسن بشير إلى عدم الغرق في تفاصيل الورقة، والنظر إليها من خلال تحديد أبعادها الرئيسية، بما يساعد في تطويرها بصورة أكثر شمولاً وارتباطاً باحتياجات الدولة والمجتمع.

وأوضح أن النقاش ينبغي أن يستصحب الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والإعلامية، مشيراً إلى أن تحديد هذه الأبعاد يساعد في بلورة مفهوم أكثر وضوحاً للعقد الاجتماعي وأولوياته.

وربط بشير بين العقد الاجتماعي وبين مرحلة ما بعد الحرب، مشيراً إلى ضرورة الانتقال من التفاهمات السياسية إلى إعادة الإعمار والتعافي واستعادة الدولة ومؤسساتها.

واعتبر أن البعد الاقتصادي يمثل محوراً أساسياً في هذه العملية، لأنه القادر على تحويل التفاهمات السياسية إلى نجاح ملموس ينعكس على حياة المواطنين.

ودعا كذلك إلى استصحاب دور المنظمات الدولية والإقليمية، خصوصاً في مجالات التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار ودعم المؤسسات، ضمن رؤية وطنية تحدد الأولويات وتوجه الدعم الخارجي لخدمة مشروع إعادة بناء الدولة.

خبير قانوني: علينا أن نعيد النظر في مفهوم الدولة وتأسيسها

وأشاد المحامي والخبير القانوني، عضو المجموعة السودانية للحقوق والحريات، بالجهد المبذول في إعداد الورقة، معتبراً أن الخوض في قضايا الدولة والعقد الاجتماعي يمثل مدخلاً مهماً لنقاش فكري وسياسي أوسع.

وأبدى اختلافه مع بعض الطروحات الواردة في الورقة، خصوصاً ما يتعلق بتوصيف دولة المهدية باعتبارها نموذجاً للدولة الوطنية، داعياً إلى مزيد من التدقيق في المفاهيم والتوصيفات التاريخية والقانونية المرتبطة بنشأة الدولة السودانية وتطورها.

وأكد أن النقاش حول العقد الاجتماعي لا ينبغي أن يتوقف عند الصياغات النظرية، وإنما يحتاج إلى مراجعة المفاهيم الأساسية المتعلقة بالدولة والمواطنة والهوية.

الصادق: النقاش يبدأ من سؤال «هل الدولة موجودة؟»

وفي السياق ذاته، ذهب الصادق إلى أن النقاش حول العقد الاجتماعي ينبغي أن يبدأ من سؤال أساسي: هل الدولة السودانية موجودة بالفعل وفق المفهوم الذي يجري الحديث عنه، وكيف تأسست؟

وتناول مراحل تكوين الدولة السودانية، رابطاً تأسيسها بالإجراءات الدستورية التي سبقت الاستقلال ومرحلة الحكم الذاتي، وما أفرزته تلك المرحلة من مؤسسات تشريعية.

وتجدر الإشارة تاريخياً إلى أن السودان حصل على الاستقلال في 1 يناير 1956، بعد إعلان البرلمان الاستقلال في ديسمبر 1955، فيما دخلت البلاد الاستقلال من دون دستور دائم، واعتمدت لاحقاً دستوراً انتقالياً.

وفي هذا الإطار، ركز الصادق على دور الجمعية التأسيسية، قائلاً إن مهمتها الأساسية كانت وضع الدستور، معتبراً أن فهم هذه الخلفية الدستورية ضروري قبل الانتقال إلى مناقشة شكل الدولة والنظام السياسي والعقد الاجتماعي الجديد.

نحو نقاش أوسع للعقد الاجتماعي

وأظهرت المداخلات التي أعقبت تقديم الورقة اتفاقاً واسعاً على أهمية فتح نقاش حول العقد الاجتماعي، مع اختلاف المتحدثين في طريقة التعامل مع الورقة، وفي تفسير جذور الحرب، وفي طبيعة الدولة السودانية وتاريخ تأسيسها.

وبينما دعا ساطع الحاج وفيصل بسير إلى استمرار النقاش عبر منتديات متخصصة وعدم إغلاق الباب باعتماد الورقة بصورة نهائية، ركز حسن بشير على ضرورة تحديد الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإعلامية للعقد الاجتماعي وربطها بإعادة الإعمار والتعافي.

أما المداخلات القانونية والتاريخية فدفعت باتجاه مراجعة مفهوم الدولة وتأسيسها، وما يرتبط بذلك من مفاهيم الدستور والمواطنة والهوية.

وفي ختام النقاش، برز اتجاه نحو التعامل مع ورقة «العقد الاجتماعي: من الحرب إلى الدولة الوطنية» باعتبارها أرضية أولية للحوار والتطوير، لا صيغة نهائية، بما يتيح إخضاع أفكارها لمزيد من النقاش والمراجعة بمشاركة أوسع من القوى السياسية والمدنية والمجتمعية والخبراء.

دعوة لدور دولي ضاغط وداعم

وفي ما يتعلق بالمجتمع الدولي، دعا الحلو الأسرة الدولية والإقليمية إلى استخدام أدواتها السياسية والدبلوماسية والاقتصادية للضغط على الدول والشركات التي يقول إنها متورطة في تأجيج الحرب، والعمل على وقف إمدادات السلاح والدعم السياسي والمالي للأطراف المتحاربة.

وطرح كذلك دوراً دولياً في مرحلة ما بعد وقف الحرب، يركز على دعم الاستجابة الإنسانية وتسهيل الوصول الإنساني والمساهمة في برنامج للإسعاف الاقتصادي وإعادة الإعمار، ضمن ما وصفه بـ«مشروع مارشال سوداني».

واختتمت الورقة بالدعوة إلى النظر إلى الأزمة الراهنة باعتبارها فرصة لإعادة بناء الدولة السودانية على أسس حديثة، وإقامة «دولة المواطنة وأمة المواطنة»، عبر عقد اجتماعي جديد يكون نتاجاً لمشروع فكري وسياسي سوداني، منفتحاً على الخبرة الإنسانية، ومتجاوزاً تراكمات الاستبداد والإقصاء، ومستفيداً من التطور التكنولوجي والمعرفي في بناء المؤسسات والسياسات العامة.

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى