مهلة الاندماج أو التصفية: كيف تحوّلت “إعادة هيكلة” المصارف السودانية إلى معركة بقاء بالحد الأدنى؟

 

عمر سيد احمد
باحث في الاقتصاد السياسي السوداني وخبير مصرفي ومالي مستقل

Email:o.sidahmed09@gmail.com

أمهل بنك السودان المركزي غالبية المصارف العاملة في البلاد، من أصل نحو 38 مصرفاً، حتى نهاية عام 2026 لتوفيق أوضاعها، عبر واحد من ثلاثة خيارات لا رابع لها: زيادة رأس المال، أو الاندماج مع مصارف أخرى، أو الدخول في تصفية إدارية تحفظ حقوق المودعين. القرار، الذي كشف عنه مسؤول بالبنك المركزي، طلب عدم ذكر اسمه، لقناة “الجزيرة”، يندرج في إطار خطة أوسع لإعادة هيكلة جهاز مصرفي أنهكته سنوات من التضخم والحرب، لكن قراءة الأرقام الفعلية لهذه الخطة تكشف أنها أقرب إلى عملية إنعاش طارئة منها إلى إصلاح بنيوي حقيقي.

من “الأسلمة” إلى “بازل 3”: مسار إصلاح توقف مرتين

لم تكن هذه أول محاولة لإعادة هيكلة القطاع المصرفي السوداني. فبعد ثورة ديسمبر 2018، وبالتنسيق مع صندوق النقد والبنك الدولي، تبنّت الحكومة الانتقالية حزمة إصلاحات طموحة تحضيراً لإعادة اندماج السودان في النظام المالي العالمي، عقب رفع اسمه من قائمة الدول الراعية للإرهاب. شملت هذه الحزمة التحول من نظام مصرفي إسلامي أحادي إلى نظام مزدوج يفتح المجال أمام البنوك التقليدية، والسعي لتطبيق معايير لجنة بازل للرقابة المصرفية (Basel III) بنسب كفاية رأسمال تتراوح بين 8% و10%، إلى جانب معالجة تشرذم القطاع عبر اندماج قسري أو اختياري يقلّص عدد المصارف من 38 إلى أقل من النصف، وصولاً إلى تبني معايير مجموعة العمل المالي لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب (FATF) لاستعادة خطوط المراسلة مع البنوك الدولية.

غير أن هذا المسار اصطدم بعقبتين متتاليتين: انقلاب أكتوبر 2021، الذي دفع مؤسسات التمويل الدولية لتجميد المساعدات الفنية والمنح المخصصة لإعادة الهيكلة؛ ثم حرب أبريل 2023، التي عرّضت مصارف الخرطوم لنهب واسع وتدمير للمقار والسجلات، وتسببت في تآكل حاد للقيمة الحقيقية لرؤوس أموالها تحت وطأة التضخم المفرط وانهيار الجنيه. وفي أبريل 2026، رفضت وزارة الخزانة الأمريكية، بحسب مصادر مطلعة، طلباً قدمته محافظة البنك المركزي خلال اجتماعات الربيع في واشنطن لإعادة دمج المصارف السودانية في النظام المالي العالمي، مشترطةً إنهاء الحرب وتشكيل حكومة مدنية انتقالية أولاً.

وفي هذا السياق، كان البنك المركزي قد أصدر في 31 ديسمبر 2025 “خطة التعافي والتحول الاستراتيجي (2026-2030)”، وهي خطة خمسية تضم ستة أهداف استراتيجية وثلاثين هدفاً عاماً ومئة وخمسين مبادرة وهدفاً تشغيلياً، تسعى لنقل الجهاز المصرفي من “مرحلة الصمود” إلى “مرحلة التعافي”. وإلى جانب خيارات الرسملة والاندماج والتصفية، تتضمن الخطة ضوابط مؤقتة تمنع جدولة خسائر الحرب دون موافقة مسبقة، وتحظر توزيع الأرباح خلال فترة إطفاء هذه الخسائر، إلى جانب مساعٍ لاستعادة البنية التحتية الرقمية عبر إعادة تشغيل المحوّل المالي القومي (شركة EBS) ومشروع الهوية الرقمية “سوداباس”.

الرقم الذي يفضح المسافة: من 100 مليون دولار إلى أقل من 17.5 مليون

لكن المنشور رقم 4/2026 الصادر عن البنك المركزي في 17 فبراير 2026 يضع هذه الخطة الطموحة أمام اختبار صعب. فقد حدد المنشور حداً أدنى لرأس المال المدفوع قدره 140 مليار جنيه سوداني للمصارف التجارية والرقمية (و230 ملياراً للمصارف التنموية والمتخصصة). عند صدور المنشور، وبمتوسط سعر في السوق الموازية بلغ نحو 4500 جنيه للدولار، كان هذا المبلغ يعادل نحو 30 مليون دولار. أما في سبتمبر الجاري، فقد تجاوز سعر الدولار 8000 جنيه، ما خفّض القيمة الدولارية للحد الأدنى إلى أقل من 17.5 مليون دولار، قبل حلول الموعد النهائي لتوفيق الأوضاع.

هذا الرقم يقل عن رأس مال بنك مجتمعي صغير (Community Bank) في الولايات المتحدة، وهو مستوى لا يغطي حتى تكلفة تشغيل شبكة اتصالات مصرفية حديثة، ناهيك عن قدرته على منافسة نظرائه إقليمياً أو بناء علاقات مراسلة مع مؤسسات مالية خارجية.

وحين توضع هذه القيمة في مقابل ما كانت تستهدفه خطط الإصلاح بعد ثورة ديسمبر – وهو الوصول برأس مال البنك التجاري إلى ما بين 50 و100 مليون دولار كمعيار إقليمي أدنى – تتكشف الفجوة الحقيقية: البنوك السودانية لا تقترب اليوم حتى من الحد الأدنى المطلوب سابقاً، إذ لا يبلغ الحد الأدنى الحالي سوى نحو ثلث الحد الأدنى المستهدف سابقاً (50 مليون دولار)، ونحو سُدس حده الأعلى (100 مليون دولار).

 

أثر عملي: عاجزة عن تمويل شحنة أسمدة

لهذا التراجع تبعات مباشرة على وظيفة البنوك الأساسية. فلو افترضنا مصرفاً يقف رأسماله عند الحد الأدنى تماماً (أقل من 17.5 مليون دولار بسعر يتجاوز 8000 جنيه للدولار)، فإن ذلك يعني أن سقف التمويل النظري للعميل الواحد سيقل عن 3.5 مليون دولار إذا حُدد بنسبة 20% من رأس المال، وعن 4.4 مليون دولار إذا حُدد بنسبة 25%. وهو مبلغ لا يكفي لتمويل شحنة كبرى من المدخلات الزراعية كالأسمدة والخيش، ولا لإنشاء صومعة غلال، ولا حتى لتمويل خط إنتاج متوسط في مصنع واحد.

أما على صعيد المنافسة الداخلية، فبينما كانت خطط ما بعد الثورة تستهدف اندماجاً واسعاً يقلّص عدد المصارف من 38 إلى أقل من النصف لخلق كيانات مصرفية كبرى، فإن عتبة الـ140 مليار جنيه التي حددها منشور فبراير 2026 تبدو مصممة أساساً لحماية البنوك القائمة من الإفلاس الجماعي، لا لدفعها نحو النمو أو الاندماج. والنتيجة أن السوق تظل مشبعة بعدد كبير من الكيانات الصغيرة والمتهالكة، تتنافس على الودائع المحدودة وتميل إلى المضاربات قصيرة الأجل بدل الاستثمار التنموي.

وعلى مستوى العلاقات الخارجية، فإن البنوك العالمية والمراسلين الدوليين يدرجون حجم رأس مال المصرف المتعامل معه ضمن معايير القبول، وتتراوح العتبات المتداولة في الممارسة بين 50 و100 مليون دولار. وهو ما يجعل حجم أي بنك سوداني اليوم غير مبرر اقتصادياً لفتح حساب مراسل من منظور أي مؤسسة مالية دولية – بصرف النظر عن العقبات السياسية القائمة أصلاً بسبب موقف الخزانة الأمريكية.

خلاصة: من “إعادة الهيكلة” إلى “أداة صمود بالحد الأدنى”

تكشف المقارنة بين طموحات ما بعد الثورة وواقع منشور فبراير 2026 عن معضلة حقيقية يواجهها البنك المركزي. فلو طبّق المعايير الدولية الصارمة كإلزام البنوك برأسمال لا يقل عن 50 مليون دولار، لخرجت أكثر من 80% من المصارف السودانية الحالية من الخدمة فوراً، إذ يعجز مساهموها عن ضخ هذه المبالغ نقداً أجنبياً في ظل استمرار الحرب.

لذلك اختار بنك السودان المركزي حداً أدنى لرأس المال يبلغ 140 مليار جنيه، بوصفه «جرعة إنعاش مؤقتة» تُبقي المصارف قائمة إدارياً وتقنياً، من دون أن تكفي لبناء قطاع مصرفي قادر على المنافسة أو تمويل التنمية. غير أن الأيام هزمت حتى هذه الجرعة قبل بدء تنفيذها؛ فقد تدهور سعر صرف الجنيه في السوق الموازية إلى ما يتجاوز 8000 جنيه للدولار خلال سبتمبر الجاري، فتآكلت القيمة الفعلية للحد الأدنى الجديد. وهكذا تحولت إعادة الهيكلة، تحت ضغط الحرب وانهيار العملة، من مشروع لبناء مصارف أقوى إلى محاولة لمنع الانهيار الجماعي للقطاع، فيما يُرجأ دوره التنموي والتنافسي إلى أجل غير مسمى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى