الجهوية والعنصرية

مؤيد الأمين

موجز:

بينما لا تزال الحرب تحصد المدنيين في دارفور وكردفان، يواصل الإعلام الإسلاموي تقديم رواية توحي بأن الحرب انتهت وأن الحياة عادت إلى طبيعتها. هذه الرواية لا تعكس الواقع بقدر ما تخدم خطابًا سياسيًا يحاول إعادة تشكيل وعي السودانيين.

——

نادرًا ما أكتب عن الجهوية والعنصرية، لأنني أعتقد أن الكتابة عنها بصورة مستمرة قد تعمق الأزمة بدلًا من حلها، وأن تجاهل الخطابات التي تسعى إلى صناعة الكراهية قد يكون أفضل من منحها مساحة جديدة. لكن ما يحدث الآن لم يعد شيئًا يمكن تجاهله، لأن الخطاب الذي نراه أمامنا يخلق جرحًا حقيقيًا يمكن أن يتحول إلى انقسام يصعب علاجه.

الإعلام الإسلاموي يتحدث هذه الأيام وكأن الحرب انتهت، وكأن المواطن السوداني عاد إلى حياته الطبيعية، وكأن البلاد تجاوزت الأزمة. لكن هذه الرواية تتجاهل عمدًا ما يحدث في دارفور وكردفان ومناطق واسعة من غرب السودان.

السؤال هنا بسيط: كيف انتهت الحرب بينما لا يزال السودانيون في غرب البلاد يعيشون آثار القتال والنزوح والقتل؟

المشكلة أن هذا الخطاب لا ينظر إلى السودان باعتباره بلدًا واحدًا. منذ استيلاء الإسلامويين على السلطة في عام 1989، ظل اهتمامهم السياسي والإعلامي مركزًا بصورة أكبر على مناطق محددة، بينما ظلت مناطق أخرى تعاني من الحروب والتهميش.

والأخطر أن قضية التسليح واستخدام المجموعات المسلحة والقبلية في الصراعات ليست جديدة. فقد استخدمت الأنظمة المتعاقبة والمجموعات السياسية المسلحة كأدوات لإدارة الصراع في دارفور وغيرها، بينما كان المواطن هو من يدفع الثمن.

وعندما جاءت ثورة ديسمبر وبدأ مسار سياسي مختلف، جرى فتح الطريق أمام السلام ووقف الحرب والبدء في معالجة آثارها، ووقعت اتفاقيات السلام، وبدأ الحديث عن إعادة الإعمار ومعالجة جذور الأزمة.

لكن المسار الانتقالي واجه محاولات متعددة لإفشاله، وظهرت توترات وصراعات في مناطق مختلفة من البلاد، بينما استمرت القوى التي تضررت من التغيير في محاولة إعادة إنتاج نفوذها.

واليوم، نشاهد الإعلام الإسلاموي يقدم رواية مختلفة تمامًا: انتصارات متواصلة، وحسم للحرب، وقصص بطولية، وإعلان متكرر عن قرب النهاية، بينما يتم تجاهل معاناة مناطق أخرى من السودان.

 

لماذا؟

لأن الحرب بالنسبة لهذا الخطاب لا تُقاس بمعاناة كل السودانيين، وإنما بما يحدث في المناطق التي يشعرون أنها قريبة منهم، بينما يصبح ما يحدث في الغرب خبرًا ثانويًا.

وهنا يجب أن يكون السؤال واضحًا: هل السودان بالنسبة لهم هو المناطق التي لم تصل إليها الحرب، أم أن دارفور وكردفان جزء من السودان أيضًا؟

المطلوب من السودانيين ألا يصدقوا أي رواية لمجرد أنها تكرر يوميًا، وألا يتعاملوا مع الخطاب السياسي باعتباره حقيقة لمجرد أنه جاء في صورة خطاب ديني أو عاطفي أو حماسي.

علينا أن نقرأ ما يحدث بعين التحقيق، وأن نسأل عن المصالح، وعن مصادر المعلومات، وعن الوقائع على الأرض.

فالهدف من كشف هذا الخطاب ليس تعميق الجهوية والعنصرية، وإنما منع استخدامها لتقسيم السودان.

ولهذا فإن العودة إلى مطالب ثورة ديسمبر تظل ضرورية: حرية، سلام، وعدالة. كانت تلك المطالب في جوهرها مشروعًا لبناء دولة لا تفرق بين مواطن وآخر بسبب المنطقة أو القبيلة أو الانتماء السياسي.

إذا كنا نرفض الجهوية والعنصرية، فعلينا ألا نواجههما بالصمت فقط، بل بكشف الخطابات التي تنتجهما وتعيد نشرهما.

كل السودان يجب أن يكون حاضرًا في الوعي السوداني. لا شمال بلا غرب، ولا وسط بلا دارفور، ولا دولة مستقرة من دون سلام وعدالة للجميع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى