الوزارة تعمدت اخفاء المعلومات وغيرت طريقة إعلان نتائج الشهادة               

المدارس الحكومية.. إذا المؤودة سئلت

ابتسام حسن

لم تعد أزمة التعليم الحكومي في السودان مجرد تراجع عابر فرضته ظروف الحرب، بل بدأت ملامحها تتشكل على نحو أكثر وضوحاً، مع انحسار تدريجي لدور المدرسة الحكومية واتساع مساحة التعليم الخاص، في مشهد يضع ملايين الأطفال أمام سؤال مصيري يتعلق بحقهم في التعليم ومستقبلهم الأكاديمي والاجتماعي.

فالحرب، التي فاقمت انهيار العملية التعليمية، لم تصنع الأزمة من العدم، وإنما كشفت عن اختلالات قديمة في بنية التعليم الحكومي، وعن تراجع التمويل، وتدهور البيئة المدرسية، وأوضاع المعلمين، إلى جانب تنصل متدرج من مسؤولية الدولة عن واحدة من أهم وظائفها الأساسية.

وقبل الحرب، ظل شعار «مجانية التعليم» حاضراً في الخطاب الرسمي، غير أن هذا الشعار تآكل منذ سنوات، بينما أخذ المجتمع نفسه يتحمل بصورة متزايدة كلفة تشغيل المدارس، في وقت كانت الحكومة تتوارى خلف مقولة إن التعليم شأن محلي وليس مسؤولية مركزية، لتجد المحليات نفسها تعود إلى المجالس التربوية طلباً للدعم، وهي مجالس يمثل أولياء أمور الطلاب عمادها الأساسي.

ومع اندلاع الحرب، اتسعت الفجوة بصورة أكثر قسوة، إذ تشير تقديرات اليونيسف إلى أن أكثر من ثمانية ملايين طفل أصبحوا خارج المدرسة، فيما لم تعد نحو نصف مباني المدارس تعمل كفصول دراسية، في وقت تكشف فيه البيانات الميدانية حجم الضرر الذي أصاب المؤسسات التعليمية والمعلمين والطلاب.

وتؤكد بيانات لجنة المعلمين حجم الضرر ميدانياً؛ ففي بياناتها عن مناطق من دارفور وكردفان تظهر نسب مرتفعة للمدارس المتضررة أو المدمرة، بينما تشير بيانات اللجنة إلى أن عدد المدارس المتوقفة أكبر من الأرقام التي أعلنتها وزارة التربية والتعليم.

وترى اللجنة أن هناك إهمالاً للتعليم الحكومي، وتعتبر ضعف التمويل، وتأخر مستحقات المعلمين، وتدهور البيئة المدرسية، وفرض الرسوم، عوامل مباشرة في تراجع التعليم الحكومي.

وقد أعلنت الحكومة قرارات لمعالجة بعض هذه القضايا خلال عام ٢٠٢٦، لكن المشكلة الأساسية تظل في التنفيذ والتمويل الفعلي على الأرض، إذ إن القرارات وحدها لا تعيد مدرسة تهدمت، ولا توفر معلماً غادر مهنته، ولا تضع كتاباً مدرسياً على مقعد طالب، ما لم تتحول تلك القرارات إلى موارد وإجراءات ملموسة داخل المدارس.

تراجع تدريجي

المؤشرات المتراكمة تدفع إلى قراءة المشهد باعتباره تراجعاً تدريجياً للتعليم الحكومي، وليس مجرد آثار مؤقتة للحرب. فعندما تتراجع المدرسة الحكومية من حيث التمويل والبيئة التعليمية واستقرار المعلم، بينما يتمدد التعليم الخاص، فإن خريطة التعليم نفسها تبدأ في التغير اجتماعياً واقتصادياً، وتصبح القدرة المالية للأسرة عاملاً أكثر حضوراً في تحديد فرص الطفل في الوصول إلى التعليم والاستمرار فيه.

والطلاب الذين لا تستطيع أسرهم تحمل تكلفة التعليم الخاص يصبحون الأكثر عرضة للتسرب والانقطاع عن الدراسة، خصوصاً أن أكثر من ثمانية ملايين طفل، وفق اليونيسف، هم بالفعل خارج التعليم. وأي تراجع إضافي في التعليم الحكومي يعني عملياً تضييق البدائل أمام الأسر محدودة الدخل، ودفع أعداد أكبر من الأطفال إلى خارج العملية التعليمية.

تهديد حق الأطفال

قال الناطق الرسمي باسم لجنة المعلمين السودانيين سامي الباقر إن موقف اللجنة من التعليم الحكومي يقوم على أن التعليم الحكومي مسؤولية أساسية للدولة، وإن استمرار هذا المسار يهدد حق قطاعات واسعة من الأطفال في التعليم.

وطالب الباقر، في تصريح لـ«أفق جديد»، بتوفير التعليم العام بصورة مجانية وآمنة، وعدم تحميل الأسرة تكلفة عجز الدولة عن تمويل المدارس، وقال إن موقف اللجنة يعكس حقيقة تراجع الدولة عن تمويل التعليم.

وترى اللجنة، حسب سامي الباقر، أن حجم الإنفاق الفعلي وأوضاع المدارس والمعلمين لا يتناسبان مع مسؤولية الدولة تجاه التعليم، وقال إن لجنته تطالب بتخصيص ٢٠٪ من الموازنة للتعليم العام، وانتظام أجور المعلمين، وسداد المتأخرات، وإيقاف الرسوم التي تعيق وصول الطلاب إلى المدارس.

كشف المستور

وجاءت نتيجة الشهادة الثانوية للعام ٢٠٢٦ لتكشف فارقاً واضحاً في نسب النجاح بين أنواع المدارس، إذ بلغت نسبة النجاح في المدارس الخاصة ٧٤٫٩٪، مقارنة بـ٦٨٫٥٪ في المدارس الحكومية، بفارق بلغ ٦٫٤ نقاط مئوية، بينما بلغت نسبة النجاح في مدارس اتحاد المعلمين ٦٤٫٤٪.

وهذه النسب، في حد ذاتها، لا تثبت أن نوع المدرسة هو السبب المباشر في الفارق، لكنها تظل مؤشراً مهماً يستحق القراءة، خصوصاً في ظل التفاوت في الموارد والبيئة التعليمية وأوضاع المعلمين بين المدارس المختلفة.

والأهم من ذلك أن وزارة التربية والتعليم أعلنت العدد الكلي للجالسين للامتحان، والبالغ ٥٥٨٬٨٣٧ طالباً وطالبة، لكنها لم تعلن توزيع هذا العدد بين المدارس الحكومية والخاصة واتحاد المعلمين، رغم أن هذا التفصيل كان متاحاً في نتائج سابقة.

وتعتبر لجنة المعلمين السودانيين عدم إعلان أعداد طلاب المدارس الخاصة والحكومية مسألة مهمة، لأن عدد الطلاب بحسب نوع التعليم يكشف بصورة مباشرة حجم التعليم الحكومي مقارنة بالتعليم الخاص، ويتيح للمجتمع قراءة اتجاهات التعليم ومعرفة ما إذا كانت المدرسة الحكومية تتوسع أم تنكمش.

وفي نتيجة سابقة، أعلنت الوزارة أن عدد الطلاب الممتحنين بلغ ١٠٦٬٣٤٦ طالباً من المدارس الحكومية، مقابل ٣٨٬٥٠١ طالب من المدارس الخاصة. أما في نتيجة عام ٢٠٢٦ فقد غاب هذا التفصيل، كما غابت تسمية مدارس الأوائل، وهو تغيير في نمط عرض المعلومات يحتاج إلى تفسير.

وقال الناطق باسم اللجنة: «نحن في اللجنة نرى أن نشر هذه الأرقام حق للمجتمع، خصوصاً في ظل المؤشرات المتزايدة على تراجع التعليم الحكومي واتساع التعليم الخاص».

أزمة المعلم

وأوضح الباقر أن تأثير إضرابات المعلمين ساهم في إضعاف التعليم الحكومي، مؤكداً أن الإضراب نتيجة لأزمة المعلم وليس سبباً لها.

وقال إن المعلم الذي يعاني ضعف الأجر وتأخر المستحقات وتدهور بيئة العمل يحتاج إلى معالجة أسباب الأزمة، وليس التعامل مع الإضراب باعتباره أصل المشكلة.

وحذر من أن استمرار تجاهل هذه المطالب يدفع المعلمين إلى ترك التعليم الحكومي أو البحث عن مصادر دخل أخرى، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على استقرار المدارس وعلى انتظام العملية التعليمية.

وأوضحت لجنة المعلمين موقفها من مستقبل التعليم الحكومي، واتهمت الحكومة بالعمل على التخلص التدريجي من التعليم الحكومي عبر إضعاف تمويله، وعدم معالجة أزمة المعلمين بصورة كافية، وترك المدارس في أوضاع متدهورة، والتوسع في الرسوم، بينما يتوسع التعليم الخاص.

وطالبت اللجنة الدولة بتحمل مسؤوليتها كاملة عن التعليم العام، عبر توفير تمويل كافٍ، ومدارس آمنة، ومعلم مستقر يحصل على أجر مُجزٍ بصورة عادلة، وتعليم مجاني متاح لكل طفل سوداني.

أسباب التراجع

ويرى تربويون أن تراجع المدارس الحكومية تقف وراءه أسباب متعددة، يأتي في مقدمتها تراجع السياسات الحكومية تجاه الإنفاق على التعليم، وهو ما يظهر، بحسب إفاداتهم، من خلال ضعف الميزانية المخصصة للتعليم، والتي لا تتجاوز ١ أو ٢٪ من الميزانية العامة للدولة.

وينعكس ضعف الإنفاق بصورة مباشرة على البنية التحتية للمدارس، وعلى توفر الإجلاس والكتاب المدرسي، كما يؤدي ضعف الرواتب إلى قلة وجود المعلمين واستقرارهم في المدارس الحكومية.

وجاءت الحرب لتعمق هذه الأزمة، إذ جرى تجفيف عدد كبير من المدارس الحكومية أو دمج عدد من المدارس في مدرسة واحدة، بسبب تهدم بعض المدارس، أو استغلالها كثكنات عسكرية، أو استخدامها دوراً للإيواء، إلى جانب أسباب أخرى تمثلت في قلة التلاميذ والطلاب أو نقص المعلمين.

وقالت الخبيرة التربوية درية محمد بابكر إن هناك إهمالاً متعمداً للمدارس الحكومية، وأضافت أن ذلك «واضح»، مشيرة إلى أن المدارس الحكومية أصبحت تعتمد في تسييرها على جيب المواطن المغلوب على أمره، وكذلك على الحكم المحلي، في حين كان ينبغي أن يكون الصرف على التعليم مركزياً.

وأوضحت أن مصير الطلاب الذين لا يستطيعون اللحاق بالمدارس الخاصة «يعتبر مصيراً مجهولاً»، وغالباً سيكون الفشل حليفهم، مبينة أن هؤلاء الطلاب هم في الغالب من الفقراء والنازحين الذين شردتهم الحرب ولا يستطيعون الالتحاق بالمدارس الخاصة، وهم الكتلة الأكبر.

وأشارت درية إلى أنه لا توجد أدنى مقومات للعملية التعليمية، قائلة: «لا معلم، لا كتاب مدرسي، لا إجلاس، ولا بيئة تعليمية جيدة تساعد على التحصيل الأكاديمي».

وأكدت أن الحكومة تتنصل من دورها باعتبارها الراعي الأول للتعليم الحكومي، وقالت إن التعليم «تمت خصخصته بهذه الشواهد الماثلة أمام أعيننا، لصالح مؤسسات التعليم الخاص».

وأضافت أن تفوق المدارس الخاصة على المدارس الحكومية في امتحانات الشهادة السودانية ليس إلا دليلاً على هذه الخصخصة، بينما لا توجد، في بقية المراحل، إحصاءات دقيقة يمكن الاستناد إليها، إلا أن التفوق الظاهر للتعليم الخاص على العام، بحسب تقديرها، يأتي كمحصلة طبيعية لكل ما سبق.

ونوهت إلى أن ذلك يمثل مؤشراً خطيراً جداً، معتبرة أنه يقصد به «تصفية التعليم الحكومي».

وأوضحت أن عدد الطلاب الذين امتحنوا من المدارس الخاصة مقارنة بالحكومية أقل، حيث بلغ عدد الجالسين لامتحانات الشهادة، حسب الإحصائيات الرسمية، نحو ٥٥٩ ألف طالب، لكن نسبة النجاح بلغت في المدارس الخاصة ٧٤٫٩٪، بينما بلغت في المدارس الحكومية ٦٨٫٥٪.

وترى درية أن هذه النسب تؤكد تفوق التعليم الخاص، وهو ما يستدعي، في تقديرها، المراجعة والمعالجة الجادة من القائمين على أمر التعليم في البلاد.

إلى أين؟

بين مدرسة حكومية تتراجع مواردها، ومعلم تتأخر مستحقاته، وبيئة تعليمية تتدهور، وأسر تتحمل بصورة متزايدة أعباء يفترض أن تقع على عاتق الدولة، يقف ملايين الأطفال أمام مستقبل تعليمي غامض.

الحرب أغلقت مدارس، ودمرت أخرى، وحولت بعضها إلى مراكز إيواء أو مواقع عسكرية، ودفعت المعلمين والطلاب إلى النزوح، لكنها في الوقت نفسه أظهرت هشاشة نظام كان يعاني قبل الحرب من ضعف التمويل وتراجع الاهتمام الرسمي.

وفي المقابل، يواصل التعليم الخاص التوسع في الفراغ الذي يتركه التعليم الحكومي، لتصبح القدرة الاقتصادية للأسرة، بصورة متزايدة، عاملاً فاصلاً في تحديد من يستطيع مواصلة تعليمه ومن يجد نفسه خارج المدرسة.

وهنا لا تبدو القضية مجرد منافسة بين مدرسة حكومية ومدرسة خاصة، وإنما تتعلق بالسؤال الأوسع حول مسؤولية الدولة عن التعليم العام، وحول ما إذا كان التعليم سيظل حقاً عاماً متاحاً لكل طفل، أم يتحول تدريجياً إلى خدمة ترتبط بقدرة الأسرة على الدفع.

وفي بلد يواجه فيه أكثر من ثمانية ملايين طفل خطر البقاء خارج المدرسة، فإن استمرار تراجع التعليم الحكومي لا يعني فقط تراجع مدرسة أو مؤسسة، وإنما يفتح الباب أمام أزمة اجتماعية وتعليمية طويلة الأمد، سيكون الأطفال الفقراء والنازحون أكثر من يدفع ثمنها.

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى