حوار حول وطن ..الراعى وتعهداته فى مسارات التفاوض والحوار

قراءة تحليلية فى تجارب السودان التاريخية

د.أبوبكر حمد

تشير التجارب العالمية والإقليمية إلى وجود نمط تنظيمى وإطار مؤسسى لعمليات الحوار والتفاوض يتمثل فى تعيين “راعى” يسانده “شركاء” فى إدارة تلك العملية. وعادة ما يقوم الشركاء بالتوافق وتحديد الطرف الذى ستوكل إليه مهمة رعاية الحوار أو التفاوض. ووفقًا لتلك التجارب، فإن عملية التفاوض عادة ما تفضى إلى تحقيق جملة من الأهداف الاستراتيجية “المخرجات” أبرزها على سبيل المثال: إعلان وقف إطلاق النار، تنفيذ عمليات الدمج والتسريح، و دفع الحوار نحو تمكين القوى الفاعلة فى المجتمع من إدارة شئون الدولة بكفاءة.

وبالنظر إلى التجربة السودانية نجد أنها شهدت خلال السبعين عامًا الماضية أربع حالات رئيسية (عبارة عن تفاوضين وحوارين). وعلى خلاف التجارب العالمية التى تشهد حضور شركاء متعددين منذ الانطلاق، تميزت الحالات الأربع فى السودان بغياب الشركاء فى التفاوض أو الحوار، والاكتفاء بوجود راعٍ منفرد، حيث انفردت الولايات المتحدة الأمريكية بهذا الدور لأسباب متعددة، وتتجلى تفاصيل هذه المراحل الأربع فيما يلى:

المرحلة الأولى: التفاوض الأول (عام 1972)

نجح الراعى فى جمع أطراف النزاع وممثلى الحكومة فى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، وتمخض اللقاء عن اتفاق لوقف إطلاق النار وعودة الأطراف إلى أرض الوطن. واقترن ذلك بتعهدات مالية مخصصة للتنمية تواكب عمليات الدمج والتسريح، وتهدف إلى رفع قدرات أبناء المناطق المتأثرة وبالأخص جنوب السودان.

وحدث بعد ذلك انضمام أطراف جديدة كشركاء تحت مظلة الراعى مثل: الكويت، السعودية، والإمارات. كما دخلت الإدارة الأمريكية بشكل مباشر فى مجالات التمويل والتدريب العسكرى، وتقوية الجيش والدمج والتسريح. وصاحب ذلك طفرة تنموية تمثلت فى تشييد فندق هيلتون، ومصنع النسيج، ومصنع سكر كنانة فى الشمال، ومصنع سكر ملوط فى الجنوب، وغيرها من المشروعات التنموية. إلى جانب ذلك -وبالتعاون مع مصر- تم الاتفاق على زيادة عدد المنح الدراسية للطلاب القادمين من جنوب السودان فى الجامعات المصرية.

المرحلة الثانية: حوار (عام 1976)

جاء هذا الحوار بعد سلسلة من المحاولات الانقلابية العديدة التى تعرضت لها الدولة، حيث انخرطت قوى سياسية فى حوار بدأ خارج البلاد وانتهى داخل السودان (فى بورسودان)، مستظلاً بنفس الراعى، وحدثت تنمية بعد هذا الحوار، حيث ظهر شركاء جدد مثل: كوريا واليابان، وتجسد ذلك فى تأسيس مصنع لإطارات السيارات، وبناء فندق قصر الصداقة الجديد، وإنشاء مصنع نسيج جديد. بالتزامن مع ذلك، انطلقت مرحلة الإنتاج الفعلى للبترول عبر شركة “شيفرون” الأمريكية وشركات أخرى (بعد أن بدأت الاستكشافات منذ الستينيات)، حيث فاقت التكاليف الإجمالية للوصول إلى مرحلة الإنتاج حاجز المليار دولار.

وتم توجيه نحو 500 مليون دولار لصالح مشروع “قناة جونقلى” فى جنوب السودان، وذلك بالتنسيق مع مصر بناءً على اتفاقية مياه النيل لعام 1959 التى تقضى بتوسيع القناة لمسافة 360 كيلومترًا؛ وتم إنجاز 240 كيلومترًا منها، قبل أن يتم إلغاء الاتفاقية وتعود البلاد إلى مربع الحرب مجددًا. وقد أدى ذلك إلى تعطل عمليات توصيل البترول عبر الأنابيب وتوقف الأنشطة التجارية وتدهورت العديد من المشروعات الأخرى، رغم أنها كانت فى أصلها ضمن تعهدات الراعى.

المرحلة الثالثة: تفاوض (عام 2005)

شهدت سنة 2005 محطة تفاوضية جديدة تخص الجنوب، وتضمنت وقفًا لإطلاق النار ودمجًا وتسريحًا للقوات، بوجود نفس الراعى والتزاماته وتعهداته. فى هذه المرحلة جاءت الأمم المتحدة -عن طريق الراعى- وعقد مجلس الأمن الدولى اجتماعات خارج مقره الرئيسى، وتعهدت الأمم المتحدة بالتزاماتها المتعلقة بالدمج والتسريح، وبناء منظومة الحكم الفدرالى التى نصت عليها الاتفاقية كأول دستور فدرالى فى السودان يؤسس ويرسخ لدعائم الفدرالية. وقد بدأت التكلفة المالية لهذه التعهدات من 1.1 مليار دولار لتصل وتستقر عند 6 مليارات دولار. وترافق هذا المسار مع تشييد مشروعات بنية تحتية ضخمة شملت الطرق والجسور والسدود، وتطوير الموانئ لتصدير اللحوم وغيرها من المشروعات التى انطلقت بعد تفاوض 2005.

المرحلة الرابعة: الحوار الوطنى (ما بين 2014 و2016)

امتد هذا الحوار من عام 2014 وحتى أواخر عام 2016 تحت إشراف نفس الراعى وتعهداته، حيث التزم الراعى خلال مجريات هذا الحوار بتقديم قروض لإدخال السودان فى المنظومات المالية العالمية عبر تسوية المتأخرات المالية التى تعهد بها والتى بلغت 1.350 مليار دولار؛ وتم تقسيمها على النحو التالى: 120 مليون دولار فى شكل منح، ومليار و150 مليون دولار فى شكل “قرض تيسيرى” طويل الأمد. واستندت هذه التحركات إلى خمسة مسارات بالتوازى مع جهوده، حددت بوضوح المضامين والأسس التى ينبغى أن يقوم عليها الحوار، وإضافة خلاصة تلك المسارات إلى مخرجات الحوار، ضمن التعهدات العامة والالتزامات أثناء الحوار، وكان من بينها التزامات بإعفاء من الديون بمجرد سداد المتأخرات.

ما سبق يقودنا إلى أن ضرورة الاستعداد الكافى -فى إطار أى حوار جديد- عبر طرح مشروعات أكبر حجمًا، فالبلد الآن خارج لتوه من حرب، وعليه يجب تحديد: المشروعات الإسعافية وتقدير تكلفتها، وتكلفة إعادة الإعمار، وتكلفة تحقيق الاستقرار المستقبلى، إذا لا بد من وضع هذه التقديرات بوضوح أمام الراعى حتى يتسنى له -أثناء بحثه عن شركائه- معرفة حجم الاحتياجات، لأن صرف هذه المبالغ سيتم فى النهاية من خلاله.

إشكاليات الالتزام بالتعهدات الدولية

أفرزت محطات الحوار السابقة تحديات وإشكاليات واضحة فى مدى التزام الأطراف بتنفيذ التعهدات، ويتضح ذلك جليًا فى الآتى:

فى تفاوض 2005: كان هناك تعهدات من دول مثل: النرويج، بريطانيا، والمجموعة الأوروبية تقضى بالإعفاء من الديون، إلا أن تنفيذ تلك التعهدات لم يتم، حيث تذرعت تلك الأطراف بتأجيل تنفيذ هذا التعهد لحين قيام الاستفتاء والاتفاق حول نتيجته. ورغم إتمام الاستفتاء وإعلان النتائج، لم يتم الإعفاء من الديون.

فى حوار 2016 وما بعده: تم وضع التزامات بالإعفاء من الديون التى بلغت نحو 50 مليار دولار فورًا بحسب مخرجات المسارات التفاوضية والحوارية. غير أن الأمر اصطدم بشروط وتعقيدات فرضتها المجموعة الأوروبية عمومًا (مثل التزامات بتوقيعات معينة مرتبطة بالمحكمة الجنائية الدولية وغيرها)، مما أدى إلى تعليق الإعفاء ومازالت معلقة حتى الآن. وبالمثل، فإن تعهدات دول مثل فرنسا بتقديم 5 مليارات دولار، ظلت معلقة ولم تشهد تنفيذًا فوريًا بمجرد وقوع الحدث، مما يعكس بوضوح أهمية البدء الفعلى والالتزام بالتعهدات قبل أو أثناء التوقيع لتجنب انتكاسة العملية السياسية.

الخلاصة والتوصيات

تتطلب المرحلة المقبلة ضرورة إرساء هيكل تنظيمى يضم “راعيًا وشركاء” لتغطية أربعة مصادر رئيسية لتدفق الأموال وهى:

المنح: تحديد المبالغ المالية المطلوبة لها بدقة.

الاستثمارات المباشرة: تأتى من الدول والشركات العالمية بشكل مباشر.

الاستثمارات المشتركة: تقوم على الشراكة بين رؤوس الأموال الأجنبية والمحلية.

القروض المباشرة: تتمثل فى اقتراض مباشر تقدمه الدول للحكومة بآجال مريحة وممتدة لعشرين أو ثلاثين عامًا.

يجب تحديد هذه المتطلبات والبحث عنها والالتزام بها قبل بدء الحوار؛ فالحوار فى نهايته يفضى إلى نتائج ومخرجات، وإذا لم تستند إلى وفرة مالية وآلية تنفيذية، فإنه سيفشل حتى لو حظى بموافقة 80% من الأطراف، نظرًا لأن توفير المال هو عصب الحياة وعصب العملية السلمية برمتها، لا سيما فى مرحلة ما بعد الحروب.

ويفضل أن تتولى هذه المهام مجموعة عمل متخصصة تكون خارج لجان الحوار ومزودة بتفويض مباشر وقوى من الحكومة للتحرك بكفاءة لتأمين المواقع التمويلية الأربعة المذكورة.

كذلك لابد من الانتقال من مرحلة الترميم والإسعاف المؤقت إلى الجاهزية بإرساء مشروعات ضخمة ومستدامة، مع وضع ميزانيات تقديرية دقيقة تغطى الجوانب الإسعافية، وإعادة الأعمار، والاستقرار المستقبلى، لضمان عدم ارتداد الدولة إلى الوراء أبدًا، والاتجاه قدمًا نحو الأمام لبناء دولة حديثة، صحية، معافاة، ذات نمو واضح ومرتكزة على حوار مدعوم ومسنود ماليًا بشكل أساسى يضمن استمراريتها ونجاحها.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى