القضارف.. الغلاء يدفع المواطنين إلى الشارع

أفق جديد

لم تعد أسعار السلع في مدينة القضارف مجرد أرقام تتغير على رفوف المتاجر، بل تحولت إلى عبء يومي يلاحق الأسر في الخبز والخضروات والزيت والذرة والمواصلات، ويدفع كثيرين إلى تقليص احتياجاتهم الأساسية أو الاستغناء عن بعضها.

وفي ظل تراجع قيمة الجنيه السوداني وارتفاع تكاليف النقل والإنتاج، خرج عشرات المواطنين، الأسبوع الماضي، إلى الشوارع في مدينة القضارف شرقي السودان، احتجاجًا على تدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع الأسعار.

وشهد حي “التضامن” في القضارف احتجاجات أُغلق خلالها طريق رئيسي بإطارات مشتعلة، بينما ردد المحتجون هتافات تندد بارتفاع الأسعار وتدهور ظروف المعيشة، وفق شهود ومصادر محلية. وقالت لجان مقاومة القضارف إن الاحتجاجات جاءت تعبيرًا عن الغضب والعجز عن توفير الاحتياجات اليومية، ودعت المشاركين إلى الحفاظ على سلمية التحرك وعدم المساس بالممتلكات العامة والخاصة.

ويكشف واقع الأسواق حجم الضغوط التي تواجه الأسر. وقال مواطن لـ”أفق جديد”: “المرتب لم يعد يكفي أيامًا قليلة. كلما ذهبت إلى السوق أجد أن السعر تغير، وأصبحت مضطرًا لشراء نصف الكمية التي كنت أشتريها من قبل. أكثر شيء يؤلمنا أن احتياجات الأطفال من الطعام والمواصلات والتعليم أصبحت فوق قدرتنا”.

وطبقًا لتقارير محلية فإن طبق السلطة بلغ 10 آلاف جنيه، وصحن الليمون 5 آلاف، بينما ارتفع سعر جردل البطاطس الصغير من 5 آلاف إلى 10 آلاف جنيه، وربطة الخضرة الصغيرة إلى 5 آلاف.

كما تحدثت التقارير عن ارتفاع سعر لتر الزيت من 15 ألفًا إلى 30 ألف جنيه، و”ملوة” الذرة من 40 ألفًا إلى 60 ألفًا، إلى جانب زيادة تعرفة المواصلات داخل الخطوط القريبة من ألفي جنيه إلى 3 آلاف جنيه، والترحيل الشهري للتلاميذ من 250 ألفًا إلى 400 ألف جنيه.

وأفادت ربة أسرة “أفق جديد” بالقول: “كنا نشتري الخضروات بالكيلو، الآن نحسب ثمن كل حبة قبل أن نضعها في الكيس. الزيت والذرة والخبز ارتفعت أسعارها، وأصبحنا نلغي أشياء من قائمة البيت حتى نستطيع توفير الأساسيات”.

ولا تقتصر الأزمة على الغذاء. فوفق التقارير المحلية نفسها، ارتفع سعر جوال الأسمنت من 60 ألفًا إلى 110 آلاف جنيه، فيما تأثرت حركة البيع في بعض محال مواد البناء وقطع الغيار بسبب تذبذب الأسعار، بالتزامن مع شكاوى من أزمة مياه وتذبذب التيار الكهربائي.

كما أفاد عامل يومية “أفق جديد”: “المشكلة أن الأسعار ترتفع كل يوم، لكن أجرتنا لا ترتفع معها. إذا عملت اليوم بمبلغ معين، قد لا يكفي لشراء احتياجات البيت والمواصلات. وأحيانًا أرجع من السوق وأنا أحمل أموالًا أقل مما كنت أحتاجه لشراء نصف المطلوب”.

وتأتي هذه الضغوط في وقت يواجه فيه الاقتصاد السوداني تداعيات الحرب المستمرة، بما في ذلك اضطراب سلاسل الإمداد وتراجع الإنتاج وارتفاع تكاليف النقل وصعوبة الحصول على النقد الأجنبي.

وفي سبتمبر الجاري، حذرت منظمة الأغذية والزراعة “فاو” من تراجع إنتاج المحاصيل في أجزاء من جنوب شرق السودان، بينها القضارف، بسبب نقص الأمطار والجفاف، وهو عامل يمكن أن يزيد الضغوط على الإمدادات الزراعية والأسعار.

كما ذكر مواطن بشأن الاحتجاجات لـ”أفق جديد”: “الناس خرجت لأنها تعبت من الغلاء. المطالب الأساسية هي أن نستطيع شراء الطعام ودفع المواصلات وتوفير احتياجات أطفالنا. لا أحد يريد الفوضى، لكن الناس تريد أن يسمع أحد صوتها”.

 

كما تحدثت مواطنة عن الخدمات: “ارتفاع الأسعار ليس المشكلة الوحيدة. عندما تكون المياه والكهرباء غير مستقرة، تضطر الأسرة أيضًا إلى دفع أموال إضافية للحصول على الماء أو توفير بدائل للكهرباء، وفي النهاية تتضاعف المصروفات”.

 

بينما قال تاجر لـ”أفق جديد”: “نحن أيضًا متضررون، السعر الذي نشتري به اليوم قد لا يكون هو نفسه غدًا، لذلك يصعب على التاجر تثبيت الأسعار، خصوصًا مع تغير سعر الصرف وتكاليف الترحيل. المواطن يرى السعر النهائي، لكنه لا يرى كل الزيادات التي حدثت قبله”.

كما قالت وكالة “رويترز” نقلًا عن برنامج الأغذية العالمي، إن الحرب دفعت الاقتصاد السوداني إلى مستويات شديدة من الاضطراب، في وقت يواجه فيه نحو 20 مليون شخص الجوع، بينما أدى نقص تمويل المساعدات إلى تقليص نطاق العمليات الإنساني.

وفي الأسواق المحلية، لا يتحرك السعر بمعزل عن سعر الصرف. فتراجع قيمة الجنيه يرفع تكلفة السلع المستوردة أو تلك التي تعتمد في إنتاجها أو نقلها على مدخلات مرتبطة بالعملات الأجنبية، قبل أن تصل الزيادة في النهاية إلى المستهلك الذي يواجه دخلًا لا يرتفع بالسرعة نفسها.

وفي القضارف، التي تعتمد قطاعات واسعة من سكانها على التجارة والزراعة والأعمال اليومية، تصبح هذه الزيادات أكثر قسوة عندما تتزامن مع ارتفاع كلفة المواصلات والطعام والخدمات الأساسية. ويعني ذلك أن الأسرة لا تواجه ارتفاع سلعة واحدة، وإنما سلسلة من الزيادات التي تتراكم من السوق إلى المنزل.

وقالت لجان مقاومة القضارف إن خروج المواطنين إلى الشوارع يعكس الغضب من عدم القدرة على تلبية الاحتياجات اليومية، وحذرت الأجهزة الأمنية من استخدام العنف أو الملاحقات بحق المشاركين، كما دعت المحتجين إلى المحافظة على سلمية التحركات.

وتأتي هذه الاحتجاجات في سياق أوسع من الضغوط المعيشية التي باتت تظهر في مناطق مختلفة من السودان، مع استمرار الحرب وتراجع الدخول وارتفاع أسعار السلع والخدمات. ولا تبدو المشكلة بالنسبة للأسر مرتبطة فقط بسعر سلعة بعينها، وإنما بالمسافة المتزايدة بين الدخل وتكلفة الحياة اليومية.

وبينما يبحث التجار عن وسائل لمواجهة تقلبات سعر الصرف وتكاليف النقل والإمداد، يجد المواطن نفسه أمام خيارات أكثر ضيقًا: تقليل الكميات، الاستغناء عن بعض المواد الغذائية، تأجيل العلاج أو التعليم، أو البحث عن مصادر دخل إضافية.

وفي نهاية المطاف، تختصر احتجاجات القضارف جانبًا من أزمة أوسع: حين يصبح شراء الخبز والخضروات والزيت والمواصلات معركة يومية، فإن الاحتجاج لا يبدأ بالضرورة من موقف سياسي، وإنما من حساب بسيط داخل منزل لم يعد دخله يكفي قائمة احتياجاته.

ومع استمرار الحرب وتراجع قيمة العملة وتآكل الدخول، يبقى السؤال الأهم بالنسبة للأسر ليس فقط كيف تنخفض الأسعار، بل كيف يمكنها الاستمرار في تأمين الحد الأدنى من الحياة في اقتصاد تتسع فيه الفجوة بين ما تكسبه وما تدفعه كل يوم.

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى