معاش الناس.. مُعاناة تتضاعف كل يوم

مغيرة حربية
“كل يوم يزداد حالنا سوءًا”. بهذه العبارة القاسية تشرح السيدة عواطف بابكر، ما آل إليه واقع أسرتها المعيشي جراء موجات الغلاء المتتالية وارتفاع أسعار الضروريات المتزايد، حتى لم يعُد بمقدورها تلبية جميع احتياجات البيت، فتلجأ، تحت وطأة الحاجة، لابتكار تدابير أخرى، منها تقليص مشترياتها الغذائية أو تغيير نمط ما اعتادت عليه الأسرة من مأكل ومشرب.
تقطن عواطف في منطقة كرري، شمالي أمدرمان، وهي ربة أسرة تتألف من سبعة أفراد، منهم خمسة تلاميذ في سن الطلب والدراسة. “نحمد الله أن المدارس متعطلة هذه الأيام”، تقول في حديثها إلى “أفق جديد”، وهي تحسب كلفة منصرفات اليوم الدراسي، والذي يبلغ 20 ألفًا لتعوض به يومًا معيشيًا في البيت. وتضيف أن تسيير اليوم يتطلب 50 ألف جنيه لأسرة متوسطة الحال، لكنها قلَّصت من شراء “اللحمة” كل يوم، واستبدلتها بالـ”معضمة” وقطعٍ من مرق الدجاج، رغم وعيها بخطورة استخدامها في الطعام. “لم نعُد نجلب الخبز للوجبتين اللتين نأكلهما خلال اليوم، فقد استبدلنا خبز الغداء بالكسرة، ويبلغ سعر الدقيق في الطاحونة 30 ألفًا لربع الذرة”. وتقول إن الخضار باهظ الثمن وإن إعداده مُكلف، لذلك فإنها تطبخ البامية المُجففة “الويكة”، ويبلغ رطلها 20 ألف جنيه، أو حساء المعضمة “الرشوشة”، وهي وجبة فقيرة لكنها تسُد الرمق وتُمشِّي الحال، مثلما تقول، مضيفةً أن ما كانت تصرفه خلال شهر لم يعد يكفي لأسبوعين.
وتقول إنتصار عيسى، وهي ربة منزل لا تزال نازحة بمنطقة الثورات في أمدرمان، إن تغييرًا شديدًا طرأ على حياتهم اليومية والمعيشية، فقد تغير شاي اللبن إلى شاي سادة، وأصبحت وجبة الفطور مقتصرة على العدس أو سلطة الأسود: “العشاء طعمية بي سلطة برضو. يوم الجمعة بس في وجبة عديل، قراصة ودمعة وزبادي، تحلية بعد الفطور تشيلنا لباقي الأسبوع”، تقول بأسى في حديثها لـ”أفق جديد”، ومن ثم تضيف: “الوضع صعب، نحن أفضل ألف مرة من غيرنا، لأننا بلا أطفال”. وتخبر أنها كانت تخبز الطعمية سابقًا في البيت، لكنها أبطلت هذه العادة لأن: “الزيت طار السماء، 14 ألف جنيه للرطل الواحد والعجين ببوظ عشان الكهرباء بتقطع. لو قلت أعملا في البيت بتشيل زيت وكهرباء. “بتعدّي إن شاء الله”، تقول آملة في تحسُّن الأوضاع.
وارتفعت أسعار السلع الضرورية لمستويات قياسية إثر التهاوي المريع للجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية الأخرى، مما أربك الأسر السودانية التي تعاني من ويلات الحرب وتداعياتها القاسية. ويتراوح سعر لبن البدرة بين 55 و40 ألف جنيه، فيما بلغ سعر الحليب 3.500 ألف للرطل، وارتفع كيلو العدس لـ10 آلاف جنيه، وكيلو السكر لـ10، ورطل الشاي لـ25 ألفًا، وبلغت قطعة الصابونة الواحدة 2.500 جنيه.
يقول إسماعيل، وهو صاحب محل للبيع بالقطاعي، إنه اضطر لإغلاق المحل ليومين خشية الخسارة بسبب تقلُّب الأسعار وزياداتها المتتالية. “تقلَّص رأسمالي الفعلي ولم يعُد بمقدوري جلب كثير من البضاعة”. ويضيف في حديث مع “أفق جديد”: “أصبحت كثير من الرفوف خاوية. نحن نخسر حقيقة ولا نربح”.
وكحال إسماعيل، يشكو عبد الكريم الجزار أن رأسماله تضعضع هو الآخر، ويروي في حديثه لـ”أفق جديد” أن عدد زبائنه تناقص لأكثر من النصف. يبيع عبد الكريم كيلو اللحم بـ48 ألف جنيه، مقسمًا إياه لأثمانٍ يُطلق عليها “مس كول”. “لا أحد يستطيع شراء ربع كيلو، لذا نبيع ثمن الكيلو بـ6 آلاف جنيه، ومع ذلك نخسر”. ويضيف: “لا إنتاج للخضار في هذه الأيام، وبلغ سعر كيلو الطماطم 16 ألف جنيه، لذلك فإن كثيرًا من الأسر لا تستطيع شراء الخضار، وباتوا فقط يعتمدون على العدس والرشوشة”.
وفي سوق 17 بالدروشاب شمال بحري، أصبحت حركة البيع والشراء قليلة، مقارنة بالفترات السابقة لارتفاع الأسعار، إذ أحجمت كثير من الأسر التي عادت من نزوح قاسٍ، عن الشراء واكتفوا بالضروريات الأساسية. وتقارن فاطمة بين فترة نزوحها في شندي وما آل إليه الوضع بعد عودتها للبيت. تقول فاطمة، وهي أم لثلاثة أطفال، إن فترة النزوح أفضل، فقد كنا ميسوري الحال قليلاً. “هنا لا نتلقى أي مساعدات رغم حاجتنا الماثلة”. وتضيف متحدثة إلى “أفق جديد”: “أقل مبلغ تشتري بيهو فول من الدكان هو 3 آلاف جنيه، لا يكفي لوجبة الفطور، أضيف عليه الماء المُسخَّن وأصنع منه “بوش” للأولاد. “الوضع في غاية الصعوبة”.





