عودة الهتافات القديمة.. مشهد لا ينقصه إلا البشير وقيقم

حيدر المكاشفي

(المدفع الرزام طلقاتو من صدرك يا جبل الضرا المافي سيل حدرك النار ولعا وإتوطا فوق جمرك لزام التقيلة والعاطفة دراجة وروني العدو واقعدوا فراجة).. هذا مقطع من الأغنية التراثية الحماسية التي ظل الفنان قيقم يلهب بها حماس الإنقاذيين في محافلهم الاحتفالية وجرداتهم الحربية، إلى جانب فنانين آخرين نذكر منهم شنان ومحمد بخيت، فقد كان للإنقاذ خلال عهدها المشؤوم، فنانون مخصوصون يحيون نهاراتها الجهادية، ويعطرون أماسيها الاحتفائية، وكان المخلوع البشير يتضرع في حلبة الغناء ويعرض ويرقص على أنغام إيقاع الدلوكة، ولم تمنعه حتى العملية التي أجريت له في الركبة من ممارسة الرقص، ولهذا كانت الكنداكات الثوريات يرددن بعد انتصار الثورة (تلاتين سنة بترقص..الليلة رقصتنا)، وكان للإنقاذ أيضا شعراء مختصون ينظمون فيها القصيد في مختلف ضروب الشعر وموضوعاته من غزل ونسيب وتشبيب ومديح ورثاء…الخ، ولعل من أبرزهم من قال: (شعارنا العالي بيرفع والعالم كلو بيسمع فلنأكل مما نزرع ولنلبس مما نصنع وهدفنا الواضح إنو أبدا في يوم ما بنرجع ولو داير زول يتجرأ ويهدد سيرنا ويمنع حندلي الغصن الأخضر ونعبي في لحظة المدفع)… إلى آخر القصيدة التي اغتاظ منها آخرون، فكتبوا يجارونها في الوزن والقافية ويناقضونها في المحتوى والمضمون، ومنهم ذاك الذي قال: (شعارنا العالي بيرفع والعالم كلو بيسمع كيف نأكل مما نزرع والزرع القام اتقلع كيف نلبس مما نصنع والمصنع ذاتو مشلع ومن وين نجيب القطن البلمع وبدل ما نتقدم بقينا بنرجع ولو داير زول يتوجع يجينا يشوف حالنا البفجع).. في يوم الجمعة الماضية وعقب الصلاة خرجت مجموعات هنا وهناك، وفي استعادة للطقس الإنقاذي المعروف في احتفالاتها واحتشاداتها، بتسيير المواكب المصنوعة التي يبرع فيها (مقاولي الأنفار) الذين تدفع لهم الأموال مقابل كل رأس يحضرونه للمشاركة، وكان ذلك مشهدا يعيد صورة الإنقاذ (الخالق الناطق)، ولم يفقد المشهد لتكتمل الصورة تماما إلا غياب البشير ليقود (العرضة والرقص)، والفنان قيقم ليلهب الحماس بأغنيته التي أوردناها في المقدمة، وقد تابعت فيديو مسجل صوت وصورة لجانب من المسيرة الرئيسة التي نظمها منسوبو النظام البائد ومؤيدو الحرب والمرتزقين من خرابها، للاحتجاج على منع البرهان من الحصول على تأشيرة دخول لأمريكا للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولم أكن متجنياً في وصفي لمن خرجوا في تلك المسيرة بأنهم من فلول النظام البائد ومؤيدي الحرب وضاربي دلاليكها، فقد كشفت الشعارات التي رفعوها والعنتريات التي هتفوا بها انتماءهم للنظام البائد، مستعيدين إرثه في الخطاب المتهور والأهوج والشعارات والهتافيات الموتورة التي أوردت البلاد موارد الهلاك، إذ توعدوا ترامب بالويل والثبور، حيث انشرخ حلقوم أحدهم بهتاف مؤداه (ترامب تحت الجزمة)، وتلك هي بضاعة النظام البائد المعلومة التي لا يحسنون سواها، فمن أين لجماعتهم أن يأتوا بغيرها، وهم من عاشوا في كنف النظام الساقط وترعرعوا سياسيا على يديه، وتشربوا أدبياته وتراثه في الهرش والنفخ من شاكلة (أمريكا روسيا قد دنا عذابها علي أن لاقيتها ضرابها) و (لن نذل ولن نهان ولن نطيع الأمريكان)، ولينتهي أمرهم أخيراً للارتماء في أحضانها، و(الحسوا كوعكم)، فإذا بهم هم الذين لحسوا أكواعهم، وغير ذلك كثير مما لا يتسع المجال لذكره من قاموس الهتر والنتر الفالصو الذي يتم على طريقة (انفخ ولو حملك ريش)، والمؤسف أن كل هذا العنف اللفظي المجاني لم يكن له أية مردود غير تردية البلاد في سلسلة من العقوبات والقطيعة والعزلة الدولية.. وعموما كان مثل هذا الخطاب الهمجي السوقي عاديا ومعتادا والذي كان يخول حتى لرئيس لجنة شعبية متواضعة بحلة مغمورة ومطمورة في صقع ناء من أصقاع السودان البعيدة أن يتوعد أمريكا بالويل والثبور وعظائم الأمور..

يبدو أن الفلول والبلابسة يملكون قدرة عجيبة على إعادة تشغيل الأسطوانات القديمة، حتى تلك التي أثبتت التجربة أنها لا تنتج سوى الضجيج والضوضاء، فما إن برزت أزمة رفض منح البرهان تأشيرة دخول، حتى بدأت بعض الأصوات تستدعي من أرشيف عهد الإنقاذ أشهر الهتافات والشعارات، وما تيسر من قاموس التحدي اللفظي الحلقومي الذي طالما كان بديلاً عن السياسة والدبلوماسية، ويا لها من عودة حنين إلى الماضي وكأن شيئاً لم يحدث. وكأن السودان لم يجرب هذه الوصفة من قبل. وكأن الهتاف والصراخ يومها نجح في تحسين علاقات الخرطوم بواشنطن، أو أوقف العقوبات، أو فتح أبواب الاستثمار، أو أعاد السودان إلى المجتمع الدولي، أو جعل العالم يهرول طالباً ود النظام، لا شيء من ذلك حدث بل حدث العكس حيث ظل الهتاف هتافاً بينما كانت البلاد تدفع الفاتورة.. كانت الإنقاذ بارعة في تحويل الأزمات السياسية إلى مهرجانات حماسية. كلما ضاقت مساحة المناورة السياسية اتسعت مساحة مكبرات الصوت. وكلما تعقدت العلاقة مع الخارج ارتفع صوت الشعارات. وإذا جاءت عقوبة أو إدانة أو ضغط دولي، كان الحل السحري جاهزاً (لن نركع)، والنتيجة لم تسقط أمريكا ولم تختفِ العقوبات ولم تتوقف الضغوط الدولية، ولم تتغير موازين القوى لأن بعضهم صرخ أمام الكاميرا بأن ترامب تحت جزمته أو كتب آخر إذا نفد سلاح البرهان سيستل من شاربه سيفاً، وكأن أمريكا تعمل بنظام الاستجابة للهتافات والشعارات، وكأن موظف التأشيرات عندما يسمع لن نطيع الأمريكان سيضرب كفاً بكف ويقول مذعوراً يا جماعة كان تعطوهم التأشيرة فوراً، لقد هزمونا في ميدان الشعارات والهتافات والضجيج.. إن إعادة تدوير شعارات الإنقاذ لا تصنع سياسة خارجية ولا تستعيد كرامة، إنها تصنع فقط ضجيجاً وكواريك وردحي لا قيمة له..

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى