حول عرض «حسنة بت محمود.. الشاهد الأخير»

 

السر السيد

إشارة:

لأن اللغة «الملفوظة» تحتل حيزًا كبيرًا في العرض مقارنةً بلغاته الأخرى، وبما أن العرض يقع ضمن دائرة (المونودراما)، سيتحرك مقالي هذا على ثلاثة مستويات هي: «النص الأساس»، و«نص العرض» (الاشتغال الدراماتورجي)، و«العرض».

عن النص الأساس:

كتبت النص الأساس، وبعنوان العرض نفسه، الفنانة تماضر شيخ الدين¹، متكئةً على رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح. وحاولت فيه، وبأسلوب أقرب إلى قصيدة النثر وإلى السرد، أن تحرر شخصية (حسنة بت محمود)، وتمنحها موقعًا وحضورًا لم تسمح لها الرواية بأن تكونه.

فها نحن نرى حسنة، كما جاء في النص، تقف في شارع مظلم خارج الرواية، كشاهد أخير؛ متوهجة الجسد وعالية الصوت، لتعيد تعريف نفسها، معلقةً على ما جاء عنها في الرواية، ومشيرةً في الوقت نفسه إلى ما ترى أن الرواية قد سكتت عنه. وهي، إذ تفعل هذا، لا تقف على تخوم الرواية فحسب، بل تتحسس أجواء العالم الروائي للطيب صالح، وتبدو وكأنها تخرج مما يسميه الأستاذ محمد خلف² (المتن الروائي المفتوح للطيب صالح)، بما يشتمل عليه من أمكنة وشخوص وأحداث وفضاء اجتماعي وسياسي وثقافي.

فهي، جاعلةً من قتلها ود الريس، بوصفه حدثًا مفصليًا، (مرايا) ترينا عبرها هشاشة مجتمع ود حامد، من خلال تعرضها لبعض رموزه، كالراوي وود الريس وبت مجذوب، ولمن أسمتهم رجال الحي وأسمتهن نساء الحي، كاشفةً عن نظرتهم ونظرتهن إلى المرأة، وفي الوقت نفسه عن ملامح بروز مقاومة نسوية بدأتها نعمة عندما تمردت على والدها وأخيها فيما يتعلق بزواجها وتعليمها. كما تعكس هذه المرايا، بالمقابل، الجانب الآخر في ود حامد، كالحديث عن مصطفى سعيد، والإشارة إلى النساء الغربيات وإلى الراوي.

يتحدد ما تعكسه هذه المرايا من الطريقة التي ترى بها حسنة نفسها، كما يقدمها النص الأساس؛ فهي تبدو فيه وكأنها تراوح بين صورة واقعية، كما في نص الطيب صالح: امرأة مقموعة في مجتمع تقليدي/ يعيش حداثة منقوصة ومتهمة؛ يراها غريبة تزوجت غريبًا ورفضت ود البلد؛ مجتمع يصادر حقوقها الشخصية والعامة، كالحق في اختيار الزوج، ويرى فيها جسدًا يُشتهى، وغير ذلك من أشكال التمييز؛ وصورة تجريدية نراها فيها بملمح كوني، فهي امرأة من كل الاتجاهات، لها سواحل وشواطئ، بل هي مصطفى سعيد، فقد قالت: (مصطفى سعيد هو حسنة…. هو الآخر الذي ولدته امرأة صامتة دموعها صامتة …وفجيعتها صامتة).

أو قولها: (جاءني … ليفك طلاسم اللغة الأنثوية التي منحته الوجود.. هل قلت جاءني؟ لا بالطبع… أنا التي تبدت له).

هذه الهندسة بين الواقعي والتجريدي، التي ابتدعتها تماضر وهي ترسم صورة أخرى لحسنة، لا تبعد كثيرًا عن صورتها في الرواية. فإذا كانت الرواية تصور دومة ود حامد بوصفها مكانًا يراوح بين بنية اجتماعية محلية مأزومة وحداثة استعمارية منقوصة، فإن نص تماضر يصور حسنة وكأنها النقطة التي ينهار عندها توازن الخطابين معًا: خطاب القرية التقليدي، والخطاب الحداثي، أو فلنقل خطاب مصطفى سعيد الحداثي.

وإذا كانت حسنة في الرواية عبارة عن (شخصية) مقهورة ومحدودة الحضور في صفحات الرواية، فإنها في نص تماضر لم تعد شخصية، وإنما أصبحت صوتًا ضد الصمت، يتوسل بالتجريدي والوجودي والكوني، وهو يخاطب مجتمع ود حامد، أو القبيلة كما تسميهم؛ صوتًا، بدلًا عن شخصية حسنة، يؤسس حكاية حسنة وشهادتها.

أشير هنا إلى شاعرية النص، وطقوسية اللغة، والحضور الاحتفالي للجسد، حتى لكأنك تكاد تسمع الخصوبة، وهو ما ساعد كثيرًا في إمكانية تحويل نص شعري/سردي، وبهذه الكثافة الشاعرية، إلى عرض مسرحي.

 

نص العرض:

نعني بنص العرض كل ما ظهر من نص المؤلف على خشبة المسرح، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عبر الحذف أو الإضافة أو التقديم والتأخير لبعض المشاهد. وقد يتم هذا عبر الإعداد أو الاشتغال الدراماتورجي، مع الاختلاف الذي بينهما.

في هذا العرض، سيتبدى النص لا عبر الإعداد، وإنما عبر الاشتغال الدراماتورجي، الذي يعني، باختصار، قيام الدراماتورج، الذي قد يكون المخرج نفسه، كما في عرضنا هذا، بوضع العرض في سياقه النصي والثقافي والفكري والتاريخي؛ كما فعل الدراماتورج ربيع يوسف الحسن.

فقد عمد إلى تغذية النص الأساس باقتباسات مباشرة من الرواية، ومن أمثلة ذلك اقتباسه كلام زوجة ود الريس عندما زجرت النائحات بكاءً على ود الريس:

(ود الريس حفر قبره بيده، وبنت محمود بارك الله فيها، خلصت منه القديم والجديد).

وكلام محجوب:

(طلمبات الماء بدل السواقي، محاريث من حديد بدل محاريث الخشب، أصبحنا نرسل بناتنا للمدارس، راديوهات… أوتومبيلات، تعلمنا شرب الويسكي والبيرة بدل العرقي والمريسة لكن كل شيء كما كان).

وغيرهما من الاقتباسات المباشرة التي لم ترد في النص.

وعمل أيضًا على تغذية النص الأساس بما يعمق توطينه في بيئة البطلة، ومن ذلك استخدام لغة عامية ذات سمت تقريري، بالتزامن مع لغة النص الأساس الفصيحة والكثيفة الشعرية. كما أنه، وفي المنحى ذاته، استدعى بعض فنون البيئة من غناء ومديح ورقص.

ولكن، ومع هذا كله، لم ينجُ الدراماتورج تمامًا من تجريدية النص الأساس وكونيته؛ فقد جعل لحسنة امتدادًا في ثلاث شخصيات افتراضية من صنع الخيال، هي: نعمة، التي تزوجت الزين رغم أنف ود حامد كلها، ودخلت المدرسة رغم أنف أبيها، ورفضت المواصلة في التعليم رغم أنف أخيها؛ ونورة، بطلة الشاعر حميد في قصيدته «نورة».. نورة أخت كل الغلابة.. التي تحلم بي بيوت بنور ودش.. نورة المعطاءة؛ ونورا، التي صفعت الباب في مسرحية «بيت الدمية» لهنريك إبسن، معلنةً عن ميلاد حركة تحرير النساء، كما يرى البعض.

وهنا يلتقي نص الدراماتورج مع النص الأساس لتماضر في محاولة كليهما القفز على حسنة «موسم الهجرة إلى الشمال». فبينما عملت تماضر، في محاولة تحريرها من أسر الرواية، على منحها أجنحة تجريدية وكونية عبر استخدام لغة شعرية كثيفة، عمل ربيع على محاولة إبقائها في علاقات الرواية، ولكن مع وضعها في موقع المدافعة عن حقوق النساء الاجتماعية والسياسية.

لتصبح حسنة عند تماضر صوتًا نسويًا ضد الصمت الكوني، يتوسل بالطبيعة والأنوثة والطقس والخصوبة؛ وعند ربيع، مناضلةً ستصبح حكاية ترويها الأجيال، مع ملاحظة اتفاقهما على مصيرها الأخير، الذي هو الانتحار بعد قتلها لود الريس، وهو المصير نفسه الذي اختارته لها رواية «موسم الهجرة إلى الشمال»، بوصفه خيارًا يحفل به المتن الروائي للطيب صالح.

في العرض:

العرض من تأليف الفنانة تماضر شيخ الدين، وتمثيل الممثلة المتفردة أمنية فتحي، وموسيقى ومؤثرات صوتية الفنان علاء الدين السر، ومساعدا المخرج عاطف محمد الحسن وإيثار سفيان، ودراماتورج وإخراج ربيع يوسف الحسن.

قُدِّم العرض على مسرح اتحاد الأدباء والفنانين ببورتسودان، في يوم 8 مارس 2026م.

أنوّه إلى أنني قد شاهدت واحدة من البروفات الأخيرة للعرض، أما العرض الذي أقاربه الآن فقد شاهدته على يوتيوب.

تُفتح الستارة، ويجد المشاهد نفسه أمام مكان يتأسس كالآتي:

في يمين أعلى يسار الخشبة تظهر بوابة غرفة مصطفى سعيد، وفي وسط الخشبة نرى ثلاثة كراسٍ، مع العرض نعرف أنها ترمز إلى المحلفين الذين لا يظهرون حتى نهاية العرض. وفي أسفل يمين الخشبة نرى كنبة، وفي وسط يمين الخشبة نرى حفرة دخان، خلفها جردل به ماء. كما نلاحظ أن أرضية الخشبة مفروشة بالرمل.

ما نلحظه في هذا التأسيس، الذي يبدو للوهلة الأولى ثابتًا وساكنًا، هو أنه يؤسس لبيئة العرض، وسيأخذ دلالته المتحولة مع ظهور الممثلة واستخدام بقية عناصر السينوغرافيا من إضاءة وإظلام وموسيقى ومؤثرات.

هنا نشير إلى أن تأسيس المكان حمل بُعدًا وظيفيًا، أساسه التعريف بالمكان، كما أنه جاء داعمًا لمنح حركة الممثلة أبعادًا جمالية وعملية؛ فقد كانت تتحرك بخفة حول هذه الأمكنة، مع ملاحظة أن ثمة تحولات تحدث في المكان. وكمثال هنا، تحويل كراسي المحلفين لتشير إلى فضاء القرية، وكذلك الحبل الذي يشبه حبل الغسيل، الذي شُدَّ في المسافة من أسفل يمين الخشبة وحتى أعلى يسار الخشبة، بهدف إحداث حالة إيقاعية تنظم حركة وصوت الممثلة وهي تذكر نساء مصطفى سعيد البيضاوات بالاسم.

سنلحظ أن السينوغرافيا، خاصة فيما يتصل بالإضاءة والموسيقى والمؤثرات، كانت معبرة تمامًا عن مستويات كلام الممثلة، عبر مراوحتها بين اللغة العامية التقريرية واللغة الفصيحة الكثيفة الشعرية؛ حيث كانت الإضاءة تراوح بين ما يخلق جوًا من الغموض أو يعبر عن حالات حيرة وحزن، كما أن الأغاني جاءت لتعبر عن بيئة العرض وتحولات شخصية حسنة.

ولعل هذا ما يضطرني للقول إن السينوغرافيا، بعناصرها المختلفة، إضافةً إلى دورها العلاماتي، جاءت في أحيان كثيرة لتخفيف ما أسميه بـ(عبء التمثيل)، الذي سأفصل فيه لاحقًا.

يبدأ العرض بظهور الممثلة، وهي ترتدي زيًا أكثر ما يميزه أن له سطوة ما على الجسد، في إشارة أولى ربما إلى الموضوع الخفي للعرض، وهو الجسد، الذي هو هنا جسد أنثوي بوصفه حاملًا للهوية ومعبرًا عنها.

تبدأ الممثلة، وجسدها الملفوف بعناية، بعبارة صادمة ومركزية في العرض، هي:

(من يحاكم من؟ أنا حرة ..أنا حسنة بت محمود كتلت ود الريس انتقامًا لإنسانيتي.. كتلتو.. كتلتو)؛

ومن ثم تبدأ في دلق الماء على رأسها. الممثلة ذات الجسد الملفوف، والتي تظهر حافية القدمين على طول العرض، أو فلنقل عارية القدمين، تجعل صب الماء على الرأس، بعد الحديث عن القتل، مع الحفاء، أشبه بطقس ليس للتطهر، وإنما لرسم تقابل بين الموت والحياة، خاصة إذا أولنا أن الحفاء يشير، في بعض دلالاته، إلى الرسوخ، وفي الوقت نفسه إلى الهشاشة وفقدان الحماية، وهي الحالة التي يمكن أن نصف بها حسنة.

وثمة إشارة هنا ذات صلة بالماء الذي يتكرر الاغتسال به لأكثر من مرة، وأعني الإشارة إلى الرمل المفروش، الذي من دلالاته إبقاء الأثر، ولو مؤقتًا، كما أن من دلالاته أنه فضاء للاحتفال، وهو ما يعني أيضًا مراوحة دلالاته بين المحو والبقاء، في إشارة إلى الهشاشة أيضًا، مع ملاحظة أنه استُخدم في العرض كسلاح للإساءة إلى رجال ود حامد، عندما كشحت حسنة التراب على وجوههم، في إشارة إلى ألا فائدة فيهم، تمشيًا مع المقولة الشعبية (التراب في خشمك).

ستستمر حركة الممثلة وكلامها، ليس فيما يبدو تأكيدًا لقتلها ود الريس، وإنما لفضحها رجال ود حامد؛ إذ تبدو وهي تواجههم وكأنها تقول لهم: إنني لم أقتل ود الريس وحده، وإنما قتلت ثقافتكم وقتلتكم أنتم أيضًا.. جميعكم، بمن فيهم الراوي.. رجل واحد لم أقتله، هو مصطفى سعيد.

وبما أن العنصر المهيمن في العرض هو اللغة الملفوظة، كما أشرنا، وأن العرض يراوح بين أسلوبين في الكلام يتمثل فيهما ما أسميه (عبء التمثيل)، كان لزامًا على الممثلة، وهي تعيد بناء صورة حسنة وحكايتها، أن تستعيد بعض كلام رجال القرية، كمحجوب، محققةً في العرض ما يمكن تسميته بـ(العبور الجندري)؛ وذلك عندما لبست زي الرجال وتحدثت بلسان محجوب؛

ولعل هذا مما يحمل تأكيدًا على ما ذهبنا إليه من أن العرض برمته يقوم على سؤال: من يحاكم من؟ وهو السؤال الذي يمكن أن يُقرأ في العرض على النحو الآتي: من يملك الأجساد؟ من يملك جسدي أنا حسنة بت محمود؟ أنتم أم أنا؟

ولعل من جماليات العرض هنا، وهو يحاول أن يخفف من عبء التمثيل، أنه جعل جسد الممثلة، لا صوتها فقط، حاملًا لمقولات العرض، خاصة تلك التي احتشد بها النص الأساس بلغته الشعرية الكثيفة وطقوسيته؛ فتبدى الجسد في صور متعددة، كالمشي والهرولة والحبو والترنح والرقص والتحليق، مع ملاحظة أن هذه التعددية التي تبدت فيها صور الجسد لم تكن تتبدى كزينة أو عفو الخاطر، وإنما لها ما يبررها.

فمثلًا، الرقصة التعبيرية التي تصل حد التحليق جاءت مع عبارة تجريدية لا يمكن قولها إلا والجسد محلقًا، وهي عبارة: (مصطفى سعيد كان جنوبًا يحن إلى الشمال.. ولكني كنت امرأة من كل الاتجاهات.. الخ).

ورقصة أخرى مع الحبو جاءت مع عبارة (أنا حكاية ونورا حكاية)؛ والحبو جاء مع عبارة: (نورة أخت كل الغلابة).

ومن العلامات العميقة في العرض (حفرة الدخان)، التي وُظفت في التعبير عن الاحتفاء بالحياة، ممثلةً في الأمومة والإطعام.

في هذا العرض تتشابك النصوص: نص «موسم الهجرة إلى الشمال»، ونص «حسنة بت محمود.. الشاهد الأخير»، ونص قصيدة «نورة»، ونص «بيت الدمية». فقد قالت حسنة: (بنصفع أي باب)؛ وتتآزر معها المرئيات والمسموعات، لتبقى حكاية حسنة جيلًا بعد جيل، أو تساؤلًا كما جاء في النص الأساس: (وماذا ننتظر نحن أنصاف الأبطال في مجاهل الروايات… وأواخر فصولها غير تبني التساؤل واحتمالات الإجابة).

هذا عرض عصي على الفهم، بسبب أن النص الأساس جاء شعريًا، يتوسل السرد ويحلق على أجنحة كونية تجريدية، وهو ينطلق من حدث واقعي، هو جريمة قتل عادية في مجتمع تقليدي يعيش حداثة منقوصة؛ أو كما قال محجوب، وهو يعدد ظواهر الحداثة من مدارس بنات ومكننة وغيرها:

(لكن كل شيء كان كما هو).

وتبقى إشارتي الأخيرة إلى أن الممثلة القديرة أمنية فتحي قد بذلت جهدًا مضاعفًا في هذا العرض، فقد كان عبء التمثيل كبيرًا.

1/ تماضر شيخ الدين ممثلة ومخرجة سودانية شهيرة من أعمالها في التمثيل مسرحية بيت بت المنى بت مساعد ومسرحية دنيا صفا.. دنيا انتباه. ومسرحية وادي أم سدر وغيرها إضافة لأعمالها في الراديو والتلفزيون كما أخرجت للمسرح مسرحية كلام في الممنوع عن مسرحية حفلة على الخازوق.

  1. الأستاذ محمد خلف.. ناقد وقاص وعضو اتحاد الكتاب والسودانيين ويعد واحدا من صناع الحساسية الجديدة في النقد في السودان مطلع ثمانينيات القرن الماضي

*/كتاب المتن الروائي المفتوح.. فن القص السردي عند الطيب صالح. قسم النشر معهد إفريقيا.. الطابعون دار المصورات للنشر والطباعة والتوزيع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى