الرجاء العصي على النسيان.. قراءة في ثنائية الجسد والقصيدة

بقلم: يوسف الغوث

في المشهد الشعري العربي المعاصر، نادرًا ما تتحول الشراكة الوجودية بين المبدع وملهمته إلى نص قائم بذاته، يتجاوز عتبات الغزل التقليدي ليدخل في سياق المتاهة الصوفية وصراع الهوية والذاكرة.

تأتي تجربة الشاعر السوداني الراحل محمد مفتاح الفيتوري مع زوجته ورفيقة دربه الحقوقية المغربية الراحلة رجاء أرماز لتمثل نموذجًا فريدًا للانعطاف الأسلوبي والفكري في تجربة شاعر عاش حياته صاخبًا مأزومًا بالهوية الإفريقية، ومثقلًا بوعي الزنجية والرفض والتحرر السياسي، لينتهي به المطاف في جغرافيا مغربية هادئة وتحت ظلال أنثى أعادت صياغة وعيه بالوجود والموت والقصيدة.

إن رحيل رجاء أرماز وانضمام جثمانها إلى جوار جثمان الفيتوري في مقبرة الشهداء بالرباط لا يمثل مجرد نهاية تراجيدية لقصة حب عذري، بل هو إغلاق فني وفلسفي لواحد من أكثر الدواوين الإنسانية عمقًا في الأدب العربي الحديث.

لقد شكّل دخول رجاء أرماز إلى حياة الفيتوري في أواخر ثمانينيات القرن العشرين نقطة تحول كبيرة في وعيه الشعري.

فالشاعر الذي كان يملأ الفضاء بنبرته الهادرة وتراكيبه الحادة التي تشبه طقطقة العظام وثورة العبيد، انزاح فجأة نحو لغة باطنية صوفية يسكنها الحنين والأمان والسكينة.

وقد عبر هذا التحول لم تعد الأنثى في شعر الفيتوري مجرد قناع رمزي للوطن أو للحرية، بل غدت كينونة واقعية وملاذًا فلسفيًا من شتات المنافي والمطاردات السياسية.

لقد تجلى هذا البعد بأبهى صوره في نصه الوجودي الشهير «رجاء، لا تحفروا قبري»، حيث تحول اسم رجاء من دلالته اللغوية إلى دلالة وجودية، ليصبح النداء الموجه إليها هو بيان التمسك الأخير بالحياة في مواجهة شائعات الموت والعدم.

أما من الناحية الفكرية والثقافية، فلم تكن أرماز مجرد شاهد عيان على عبقرية الفيتوري، بل كانت شريكة في معركة الدفاع عن استقلالية الرمز الثقافي في وجه التوظيف السياسي والأيديولوجي… يظهر ذلك بوضوح في وعيها الحقوقي الصارم عندما وقفت سدًا منيعًا أمام المحاولات الرسمية التي رغبت في تحويل جثمان الفيتوري بعد رحيله عام 2015 إلى أداة للمصالحة السياسية المؤقتة عبر نقله إلى الخرطوم، متمسكة بقدسية وصيته الإنسانية التي تجاوزت حدود الجغرافيا الضيقة لتستقر في رحابة الأرض التي احتضنته نائيًا وغريبًا ومكرمًا.

ومن ثم فإن إصرارها على أن تدفن معه في القبر ذاته يحمل دلالة سيميائية عميقة تؤكد رغبتها في دمج الذاكرتين معًا، وصهر النص الإبداعي بحارسته في حيز مكاني واحد يرفض الانفصال حتى بعد الموت، لتظل تجربتهما معًا نموذجًا فريدًا لتلاقي مشرق العالم العربي ومغربه عبر بوابة الشعر والوفاء المطلق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى