حكاية من بيئتي (44) .. إنه التغيير

توطئة:
“التقدم مستحيل بدون التغيير، وهؤلاء الذين لا يغيرون أفكارهم لن يغيروا أي شيء”
جورج برنارد شو
لعله الرسم على واجهة فترينه الساعات الصغيرة، الذي يدعو هؤلاء القادمين والقادمات من وراء الحدود الشرقية، للجلوس إليه وملاطفته، لتزداد تلك الابتسامة الوضيئة على وجهه الطفولي الملامح، رغم أنه تجاوز الخمسين من عمره، قضى نصفها في هذا السوق، حتى بات جزءاً حميماً، وعلامة مميزة في الفرندة الكبيرة بالسوق الصغير وسط ذلك الحي المديني العتيق، فهو (الساعاتي) الوحيد.
(أواك). واواك.. (Iweki) باللغة الأمهرية تعني (مدرك). ينادونه بها، ولا يجرؤ أحد على نعته بالصفة الملازمة له كأحد ذوي الحاجات الخاصة، كونه أخرس، لكنه يسمع كل ما يدور حوله، ويطل في عينيه بريق خاص يدعوك للتعاطي معه. ويلقبه جاره العم (حسن) صاحب كشك الصحف بـ(الأستاذ)، يحادثه، ويمنحه فرصة الاطلاع على الصحف والمجلات، وتراهما يتداولان القضايا بحيوية، فهذا يقول ويقول، وهذا يومئ، وقد يكتب ما يصعب إيصاله بعينيه.
ـ (أواااااك)
النداء الثابت للسيدة (أنّات) حين تفرغ من تبضعها الصباحي، فيهرع إليها لمساعدتها على توصيل الأغراض إلى (العش) الذي لا يبعد كثيراً عن السوق. حينها يكون العم (حسن) قد خلفه في حراسة الطبلية، وشغل من يود استلام أو تسليم ساعته.
و(العش) ذلك البيت القديم المتماسك، ظلت تديره (أنّات) لأكثر من خمسين عاماً، تحوّل خلالها نشاطه القديم، ليصبح أشبه بـ(اللكوندة) الخاصة بأثنية محددة، أو بيت الضيوف الدائمين، رغم أن نزلاءه لا يبقون كثيراً، فهم يتبدلون بطريقة غير ملحوظة، وهو بمثابة المحطة يبقى فيها الشاب أو الشابة ريثما تكتمل إجراءات العبور إلى العالم الأول، أو أن تتهيأ لهم فرصة بناء الأسرة هنا. ومن النادر أن يعود الواحد منهم إلى الديار، مثلما فعلت السيدة (أنّات) قبل قرابة الأربعين عاماً، لكنها عادت مجدداً.
لم ير أحد (أواك) بعد الغروب، أو قبل الشروق، فهو يأوي كما العصافير الآيبة إلى شجرة النيم الضخمة طرف (العش). ومع غناء العودة تسمع بعض الأصوات، لكنهم يهجعون باكراً وفق النظام الدقيق جداً المتضمن عدم إزعاج الجيران. الأمر الذي ترتب عليه عدم انشغال السلطات بما يدور في (العش). بل حتى محاولة اللجان الشعبية مضايقة (السيدة) وضيوفها بحسبان أنها تجبي إيجاراً عالياً من كل فرد، تكسّرت عند تهديدات المالك الأصلي الملقّب بـ(أبو عرّام) حين وصله الأمر، فاكتفوا بالترويج إلى أنه يستغل الأجانب، ويقبض إيجاراً عالياً من السيدة (أنّات). وأبو عرّام.. واحد من أسماء الأسد.. أُطلق على أحد الفتوات الذي يخافه رجال البوليس في (…) تلك المدينة، وقد نجح في كسب قضية رفعها ضد السلطات، واشتهر اسمه.
أكثر من شفاتي وكنداكة من أبناء الحي أقسموا أنهم شاهدوا (أواك) في ساحة الاعتصام، يقوم بتوزيع قصاصات، وأن كثيراً من المثقفين من رواد كشك الصحف يتلقون عنه القصاصات، ويأتونه بالكتب التي يلتهمها في شغف، وقد يقطع قراءته فجأة ليدوّن شيئاً. وعندما اكتشف المُخبر (زُرقاني) الأمر، أقسم أن يسبر غور هذا الـ(أواك).
(زُرقاني) متسكع بلا عمل، وبلا أمل في المستقبل مثل أنداده، رغم أنه يتمتع ببنية متينة، ومظهر مقبول، أقرب للوسامة مع لون بشرته داكن صبغه بلقب (زُرقاني). لم يحظ بوظيفة ثابتة، فقد رفضته حتى الأجهزة الأمنية التي تبحث عن أمثاله من حملة جرثومة الحقد المجتمعي، كما رفضه أعضاء اللجنة الشعبية بعد أن رموه بالفسوق. وظل في عداء مع كل منسوبي النظام الحاكم، دون أن يكتسب صداقة المعارضين، لذا فضّل أن يعمل مخبراً للشرطة يسعى خلف الضعفاء من الجانحين والعاشقين، والداخلين لتوهم في عوالم المخدرات والمسكرات، يتسقط زلاتهم، فيحولها إلى ضمانات علاقة ابتزاز. وكان من بين ضحاياه إحدى ساكنات (العُش)، فأجبرها على اقتحام خصوصية (أواك) وسرقة بعض القصاصات منه، دون أن يشعر بها، وقد فعلت ليلة أن جاءت نوبتها لغسيل ثيابه.
دخل (زُرقاني) مع محتوى القصاصة الأولى في دوامة من الأسئلة، وظل يبحث عن طريقة يوظف بها هذه الغنيمة قدر الإمكان. وكان قد تلقى وعداً من ضحيته بتزويده في كل مرة بعدد من القصاصات. لكن.. ولدهشته ما إن التقت عيناه نهار اليوم التالي بعيني (أواك)، حتى أصابته رعشة جراء تلك النظرة الغريبة العابسة، وظهر على ذلك الوجه الطفولي الحزم والتحدي، ووقف من فوره ومشى نحوه، ووقف أمامه ماداً يمناه في إصرار. حاول (زُرقاني) مضاحكته ومماطلته، لكنه ظل على موقفه، فأدرك (زُرقاني) أن عينيه فضحتاه، فأخرج القصاصات من جيبه ومدها نحوه، فاختطفها (أواك) ومضى في هدوء وهو يعيد طيها، ودسها في جيبه.
تُرى.. كيف علم أن القصاصات قد وصلت إليه؟ تساءل في سره (زُرقاني) وهو يبتسم في خبث خفي، فقد تحوّط للأمر حين قام بتصوير القصاصات الست في جهازه المحمول ليتمكن من قراءتها لاحقاً، عساه يتمكن من فك شفرتها. أو أن يجعل منها مدخلاً للعلاقة بلجنة مقاومة الحي الذين ما كانوا مهتمين لأمر انضمامه لهم، بيد أنه خاف الرفض، لذا لم يتقدم لهم.
فتح هاتفه ليقرأ..
“الناس هنا طيبون جداً… متسامحون… لكنهم يجهلون الكثير.. من بينهم من لا يعترفون بأخطائهم، ولا يعجبهم أن يذكّرهم أحدٌ بها. يدّعُون الوعي.. لكنه في حقيقته وعي على مستوى العقل والتفكير والمعرفة فقط، وعي لا يتسق مع ممارساتهم.. تجد الواحد منهم يحدثك عن أمور الصحة حديث العارفين، لكنه يمارس ما يتنافى مع معرفته. ويشي سلوكهم البيئي بالهمجية في التعامل مع الموارد، ليس من فقرٍ كما أولئك وراء الحدود، لكنه الغرور المعرفي في مقابل الفعل السالب.
هنا ينقصنا الوعي المجتمعي، يرفض الجميع الآخرين، ويفعل كلٌ ما يحلو له دون مراعاة لمن حوله.
حين تلمس (أنّات) مثل هذا السلوك تنصب منصة للتعليم، يتلقاها الأولاد والبنات في شغف، ذلك أنهم في مرحلة إعداد للتعاطي مع العالم الأول، تُرى أين تعلمت كل هذا؟
إنها خبرة السنوات، والتلاقي مع مختلف أنواع البشر. ولعلها كانت تتلقى في طفولتها ما تبذله الآن لهؤلاء الشباب من تعاليم. ولو أن أمي عاشت، لما أحببت أن تكون إلا كما هذه السيدة الفاضلة. هنا، لا أحد يعرف عني شيئاً بقدرها. إنها عُشرة السنوات، حتى قريبي لأبي (ضمرة) تراجع عن فكرة جعلي فرداً من أسرته إثر نجاتي من الحادث الذي أودى بكامل أسرتي، حين علم أنني لا أنطق. قادتني (أنّات) إلى هناك عبر الحدود مع وحيدها، وعادت بدوننا، لأبقى هناك لسنوات مع أسرتها. وقد أشار أحدهم أن يمضوا بي إلى شيخ يعلمني النطق، ورغم أنه لم يفلح لكنه أبقاني حين علم أنني من أسرة مسلمة ليعلمني القرآن واللغة العربية، مثلما تعلمت قراءة الأمهرية وفهم معانيها. وحين علمت (أنّات) أن ابنها مات بسبب تلك الحمى اللعينة، قررت استعادتي لأبقى إلى جوارها، واتخذتني ولداً لها…..”
هنا يبدو أن القصاصة قد تهرأت بفضل الطي لسنوات. حاول (زُرقاني) أن يقرأ أكثر، لكنه ما أفلح.. وبعد لأي استطاع قراءة التوقيع.. (مدرك)، فاشتعلت نار الأسئلة في رأسه.. من هذا الـ(أواك).. هل هو سوداني أم (…..)؟ ألا يجد له اسماً غير (مدرك)؟ تُرى ماذا تحمل القصاصات الأخرى؟ ولماذا يحاول أن يخفيها عني؟ هل هناك مهدد أمني فيما يكتب؟ ماذا كتب في القصاصات التي وزعها في ساحة الاعتصام؟
أسئلة.. أسئلة.. بلا إجابات.
وغرق (زُرقاني) في قراءة باقي القصاصات التي كانت تحمل عناوين (استهلاك، شفتنة، مفاسد، سيطرة التفاهة، وعي، الثورة والثروة). وأيقن أنه عثر على مفتاح لبوابة لجنة المقاومة والتغيير بالحي، فهذه القصاصات كفيلة بخلق القبول اللازم له.
ذلك أن ما به من حنين لكينونة مغايرة، جعله يكثر من الجلوس إلى (أواك) الذي قبل اعتذاره، رغم اعتراضات (العم حسن). وشوهد (زُرقاني) بعد أيام يجلس إلى ثلاثة من أعضاء لجنة المقاومة والتغيير أثناء مرابطتهم في مخبز السوق. فقد أدرك الشباب سريعاً قصده في اختلاق فرص الحوار، ومكنتهم طريقته في عرض ما لديه من اكتشاف الغرض، مثلما وشت برغبته في أن يكون فرداً من اللجنة، مع اعترافه الضمني بحاجته لهم لمساعدته على التغيير. فعند مباغتته بالسؤال حول مصدر الأفكار، اعترف بحكاية حصوله على قصاصات (أواك)، وأنه بعد اعتذاره له يضمن لهم إمكانية الحصول على المزيد من القصاصات القيّمة في حال كُلّف بالأمر. ولعله حصل على التكليف فقد باتت شوهدا يسيران معاً.
في ذلك اليوم انكسر بروتوكول (العش)، وفُتح الباب بعد الحادية عشر مساء، وخرجت (أنّات) مع أكثر من شاب وشابة لاستقبال (أواك) ليجدوا عدداً من أعضاء اللجنة عند الباب يوصلونه بعد أول اجتماع حضره معهم، ودّعوه في حميمية ومضوا، ودلف (أواك) إلى ذلك الصدر الدافئ. حينها أدركت (أنّات) أنه وجد طريقه إلى الفعل، وأحس بدمعاتها على كتفه، همهم وهو يقودها إلى الداخل وسط دهشة شاغلي البيت، هش في وجوههم ضاحكاً، واستلقى دون أن يغتسل كما كان يفعل في كل يوم.. فقد اغتسل بالفعل الموجب، حيث كان طيلة الاجتماع، يستمع ويدون مداخلاته، فيما يتلقاها (زُرقاني) ليقرأها بسعادة غامرة. وخرج الاجتماع باتفاق على تناول كل القصاصات بالكيفية التي تجعل منها مفاتيح حوار في تدريب أعضاء اللجنة.
إنه التغيير.
ونلتقي في حكاية أخرى من بيئتي…
ملاحظة هامة: وردت الحكاية (كاملة) في كتاب إدراك.. شفّاتة وكنداكات الصادر عن مجموعة شركاء التنمية (بارتنرز) – يوليو 2020





