أزمة الوقود تتجدد في السودان.. طوابير طويلة وتكاليف متصاعدة

أفق جديد
قبل أن يبدأ يومه، يعرف معاوية فضل المولى أن مهمته الأولى ليست البحث عن الركاب، وإنما البحث عن الوقود. يقود سيارته الأجرة إلى محطة الخدمة، ثم يدخل في طابور قد يمتد لساعات، منتظرًا دوره للحصول على البنزين الذي يحتاجه لمواصلة عمله.
يقول فضل المولى لـ”أفق جديد” إن الانتظار أمام المحطات قد يتجاوز ثماني ساعات في بعض الأيام، وهي ساعات تعني بالنسبة له أكثر من مجرد وقت ضائع، فهي جزء من يوم عمل يفترض أن يوفر منه نفقات أسرته.
ولا تقف أزمة الوقود عند حدود محطات الخدمة. فمع عودة الطوابير إلى شوارع الخرطوم وعدد من الولايات، يجد السودانيون أنفسهم أمام أزمة تتقاطع مع أزمات أخرى: ارتفاع تكاليف النقل، تراجع القدرة الشرائية، اضطراب أسعار السلع، وتراجع قيمة الجنيه السوداني.
وتزامنت عودة الازدحام مع إعلان الحكومة عن توجيهات بضخ كميات إضافية من المشتقات البترولية إلى محطات الخدمة، بعدما تفقد رئيس الوزراء كامل إدريس، الأسبوع الماضي، عددًا من محطات الوقود في الخرطوم، ووجه بتسريع إمدادها بالمواد البترولية ومعالجة المشكلات الفنية التي تعيق عمليات الدفع عبر التطبيقات المصرفية.
ساعات من الانتظار
بالنسبة للعاملين في النقل، لا يمثل الوقود سلعة يمكن الاستغناء عنها، وإنما شرط أساسي للحصول على الدخل.
ويقول سائق أجرة إن يومه يبدأ أحيانًا أمام محطة الوقود بدلًا من الشوارع، وإن الساعات التي يقضيها في الطابور تعني عددًا أقل من الرحلات ودخلًا أقل في نهاية اليوم.
ويضيف لـ”أفق جديد”: “إذا قضيت نصف اليوم في محطة الوقود، كيف سأوفر مصروف البيت؟ أنا أعمل باليومية، والوقت الذي أضيعه في الطابور لا يعوضني عنه أحد”.
ويواجه أصحاب المركبات خيارين صعبين: الانتظار لساعات طويلة للحصول على الوقود بالسعر الرسمي، أو اللجوء إلى السوق الموازية بأسعار أعلى، في حال كان الوقود متوفرًا فيها.
وبحسب تقارير محلية، ارتفع سعر جالون البنزين في السوق الموازية إلى نحو 60 ألف جنيه، مقارنة بنحو 37 ألف جنيه في المحطات، (الدولار يساوي أكثر من 7 آلاف جنيه) بينما وصل سعر جالون الجازولين إلى ما بين 65 و70 ألف جنيه في السوق الموازية، مقابل نحو 45 ألفًا في المحطات.
ويقول سائق آخر، إن ارتفاع سعر الوقود لا يتوقف أثره عند خزان السيارة، بل ينتقل مباشرة إلى تكلفة الرحلة، ثم إلى المواطن الذي يدفع مقابل المواصلات.
ويضيف لـ”أفق جديد”: “كلما زاد سعر الوقود زادت تكلفة المشوار. الراكب لا يستطيع دفع أكثر، ونحن أيضًا لا نستطيع العمل بالخسارة، وفي النهاية الجميع يتضرر”.
أزمة تتجاوز المحطات
لا يقتصر أثر نقص الوقود أو صعوبة الحصول عليه على أصحاب السيارات. فالمواصلات العامة وسيارات نقل البضائع والسلع تعتمد على الوقود بصورة مباشرة، ما يجعل أي اضطراب في الإمدادات قابلًا للانتقال سريعًا إلى الأسواق.
ويقول مواطن في أم درمان إن المشكلة بالنسبة له بدأت من ارتفاع تكلفة المواصلات، قبل أن تمتد إلى أسعار السلع التي يشتريها يوميًا. ويضيف لـ”أفق جديد”: “أصبحت أحسب تكلفة المواصلات قبل أن أخرج من المنزل. الذهاب والعودة وحدهما يستهلكان جزءًا كبيرًا من الدخل، وبعد ذلك نجد أسعار الطعام والخضروات ارتفعت أيضًا”.
وتأتي هذه الضغوط في وقت يشهد فيه الجنيه السوداني تراجعًا حادًا أمام العملات الأجنبية. ومع ارتفاع تكلفة الاستيراد وصعوبة توفير النقد الأجنبي، تصبح المشتقات البترولية أكثر ارتباطًا بحركة سعر الصرف، وهو ما ينعكس بدوره على تكلفة النقل والخدمات.
الوقود متوفر
وتقول وزارة الطاقة والنفط إن الوقود متوفر، وإن الإمدادات مستمرة إلى محطات الخدمة، رافضة الربط المباشر بين الازدحام ووجود نقص في الإمدادات.
وكانت الوزارة قد قالت في 16 سبتمبر الماضي إن الازدحام الذي شهدته بعض المحطات، خصوصًا محطات البنزين، ارتبط بعدة عوامل، من بينها التذبذب والبطء في بعض التطبيقات البنكية، ما أدى إلى إبطاء عمليات الشراء وتراكم المركبات أمام المحطات. كما أشارت إلى تأثير التطورات الجيوسياسية في مضيق باب المندب على حركة ناقلات النفط وتكاليف النقل والتأمين البحري.
وقالت الوزارة إن الكميات التي جرى توفيرها من البنزين خضعت لإجراءات فنية وإدارية وتنظيمية قبل توزيعها، ما تسبب في تأخر نسبي لوصول المنتج إلى بعض المحطات، لكنها أكدت أن ذلك لا يعكس، بحسب إفادتها، وجود نقص في الإمداد.
لكن بالنسبة للمواطن الذي يقضي ساعات أمام محطة الوقود، يبقى السؤال عمليًا أكثر من كونه فنيًا: هل الوقود متوفر بالفعل عندما يصل إلى المحطة، وكم من الوقت يحتاج للحصول عليه، وكم سيكلفه ذلك؟
التطبيقات البنكية
أصبح الدفع الإلكتروني جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية في السودان، في ظل نقص السيولة النقدية، ولذلك فإن تعطل التطبيقات المصرفية لا يعني للمواطن مجرد مشكلة تقنية.
ففي محطات الوقود، يمكن لبطء التطبيق أو تعطل عملية الدفع أن يوقف عملية البيع، ويزيد زمن خدمة كل سيارة، وبالتالي تتضاعف الطوابير.
وتقول وزارة الطاقة إن معالجة المشكلات الفنية في التطبيقات البنكية تمثل جزءًا من الحل، بينما وجه رئيس الوزراء البنوك إلى معالجة هذه الأعطال خلال جولته على محطات الوقود في الخرطوم.
ويقول أحد أصحاب المركبات لـ”أفق جديد”: “حتى عندما يكون الوقود موجودًا، قد تقف أمام المحطة ولا تستطيع الدفع. أنت لا تعرف هل المشكلة في الوقود أم في التطبيق أم في المحطة، وفي النهاية أنت الذي تخسر الوقت”.
وقود أغلى
بالنسبة للأسر محدودة الدخل، فإن زيادة تكلفة النقل تعني اقتطاع جزء إضافي من ميزانية الغذاء والعلاج والتعليم.
أما بالنسبة للتجار وأصحاب المركبات التي تنقل البضائع، فإن الوقود يدخل ضمن تكلفة نقل السلعة من مكان الإنتاج أو الاستيراد إلى الأسواق، وهو ما يجعل أي زيادة في سعره قابلة للانعكاس على السعر النهائي للمستهلك.
وفي ظل الحرب، وتعطل أجزاء من البنية الاقتصادية وسلاسل الإمداد، يصبح انتظام الوقود أحد العوامل المؤثرة في قدرة الأسواق على العمل بصورة طبيعية.
وتشير بيانات وتقارير محلية حديثة إلى أن اضطراب الوقود تزامن مع ارتفاعات في تكاليف النقل وترحيل البضائع، ما يزيد الضغوط على المستهلكين في وقت يعانون فيه أصلًا من تراجع القدرة الشرائية.
أزمة يومية تتكرر
وفي أحد أحياء الخرطوم، يقول مواطن آخر لـ”أفق جديد” إن الأزمة لا تقاس فقط بعدد السيارات المتوقفة أمام المحطة. وإنما بعدد الأعمال التي تتعطل خلفها.
ويضيف: “هناك موظف يريد الوصول إلى عمله، وطالب يريد الذهاب إلى الجامعة، ومريض يحتاج إلى المستشفى، وسائق يريد أن يعمل ليطعم أسرته. عندما يتوقف الوقود، لا تتوقف السيارة فقط، تتعطل أشياء كثيرة معها”.
ويعكس هذا الجانب الإنساني جوهر الأزمة التي يعيشها المواطنون، فالطوابير الطويلة أمام محطات الوقود هي المشهد الظاهر، لكن خلفها تتراكم خسائر يومية يصعب قياسها: ساعات عمل ضائعة، دخل مفقود، ارتفاع في تكلفة التنقل، وأسعار تتغير مع كل اضطراب في السوق.
ما وراء الطوابير
وتحاول الحكومة احتواء الأزمة عبر زيادة الإمدادات ومتابعة عمليات الاستيراد والنقل والتوزيع، فيما تربط وزارة الطاقة الازدحام بعوامل متعددة تشمل مشكلات الدفع الإلكتروني وتأخر بعض إجراءات التوزيع، إلى جانب تحديات النقل البحري وتكاليف الاستيراد.
لكن استمرار الطوابير، حتى مع الإعلان عن توفر الوقود، يكشف فجوة بين ما تقوله الجهات الرسمية عن الإمداد وما يختبره المواطن في حياته اليومية.
فالمشكلة بالنسبة للسائق ليست فقط ما إذا كان الوقود موجودًا في مستودع أو في شحنة قادمة، وإنما ما إذا كان يستطيع الحصول عليه في الوقت المناسب والسعر الذي يستطيع تحمله.
وفي بلد أنهكته الحرب وتراجع فيه الدخل وارتفعت كلفة الحياة، يتحول الوقود من مجرد سلعة إلى مقياس يومي لقدرة الاقتصاد على الحركة.
مع امتداد طوابير السيارات أمام محطات الخدمة، لا ينتظر السودانيون البنزين وحده، إنهم ينتظرون عودة يومهم إلى إيقاعه الطبيعي. ينتظر السائق ساعات ليستعيد قدرته على العمل، وينتظر الموظف وسيلة توصله إلى عمله، وينتظر التاجر شاحنة تحمل بضاعته، بينما تنتظر الأسر ألا تتحول زيادة تكلفة الوقود إلى زيادة جديدة في أسعار الطعام والدواء والمواصلات.
وإذا كانت الحكومة تراهن على ضخ كميات إضافية لإنهاء الازدحام، فإن الشارع ينتظر نتيجة ملموسة: محطة تعمل دون طوابير، وسائقًا لا يبدد يومه أمام المضخة، ومواصلات يمكن للأسرة تحمل كلفتها.
ففي اقتصاد أنهكته الحرب وتآكلت فيه قيمة العملة، لا تنتهي أزمة الوقود عندما يصل الوقود إلى المحطة فقط، تنتهي عندما يتوقف أثرها عن الوصول إلى مائدة الأسرة، ودخل العامل، وسعر المواصلات، وكلفة كل سلعة يحملها المواطن إلى منزله.





