النهود.. الدعم السريع يغلق شريان حياة الناس

أفق جديد

لم يكن سوق النهود مجرد مساحة للبيع والشراء، أو صفوفًا من المتاجر التي تفتح أبوابها مع انبلاج الصباح وتغلقها عند المساء؛ كان شريانًا تتدفق عبره احتياجات المدينة اليومية، ومصدر رزق لعائلات لا تملك سوى ما تجنيه من بيع السلع أو ممارسة الأعمال الصغيرة. هناك، حيث يلتقي التجار بالمزارعين، والباعة بالمشترين، والعاملون بأصحاب المهن، كانت تفاصيل الحياة تستمد قدرتها على الاستمرار، رغم الحرب وما خلّفته من خوف وفقدان للنزوح والاستقرار.

لكن ذلك الشريان بات مهددًا بالتوقف الكامل. ففي مدينة النهود بولاية غرب كردفان، أدى إغلاق السوق بصورة كاملة، وفقًا لما أعلنته غرفة طوارئ دار حمر، وهي كيان أهلي، إلى شلل الحركة التجارية والاقتصادية،عن في خطوة تثير مخاوف من اتساع دائرة المعاناة بين السكان الذين يعتمدون على السوق لتأمين احتياجاتهم الأساسية وتوفير مصادر دخلهم المحدودة.

وبينما قد يبدو إغلاق السوق إجراءً يتعلق بحركة البيع والشراء، فإن أثره يتجاوز أبواب المتاجر المغلقة إلى موائد الأسر، وأدوية المرضى، واحتياجات الأطفال، وأرزاق العمال والباعة الذين يرتبط دخلهم بما يتحرك داخل السوق من بضائع وأموال.

قالت غرفة طوارئ دار حمر إن قوات الدعم السريع أغلقت سوق النهود بالكامل، معتبرة أن الإجراء يضيق الخناق على المدنيين ويضاعف معاناتهم الإنسانية والمعيشية، ويحرمهم من الحصول على السلع الضرورية وأبسط مقومات الحياة.

ويضع هذا التطور سكان المدينة أمام أسئلة يومية ملحة: كيف تحصل الأسر على الغذاء إذا تعطلت منافذ البيع؟ ومن أين يأتي العمال وأصحاب المهن الصغيرة بالدخل الذي يشترون به احتياجاتهم؟ وكيف تتصرف العائلات التي لا تملك مدخرات تكفيها لمواجهة أيام إضافية من انقطاع مصادر الرزق؟

في البيئات التي أنهكتها الحرب، لا تكون الأسواق مجرد مرافق اقتصادية يمكن الاستغناء عنها مؤقتًا؛ فهي جزء من شبكة البقاء التي تعتمد عليها الأسر، خصوصًا تلك التي فقدت وظائفها أو تراجعت دخولها أو استنزفت مدخراتها في النزوح وتكاليف المعيشة.

ومع الإغلاق الكامل، تتعطل حلقة أساسية من هذه الشبكة. فالتاجر الذي لا يستطيع فتح متجره قد يعجز عن الوفاء بالتزاماته، والعامل الذي يعتمد على الحركة اليومية داخل السوق يفقد مصدر دخله، والمواطن الذي يحتاج إلى شراء الطعام يجد نفسه أمام خيارات أكثر ضيقًا، لا سيما إذا لم تتوافر منافذ بديلة قريبة أو آمنة.

ولا تتوقف التداعيات عند السلع المعروضة للبيع؛ إذ يمكن أن تمتد إلى حركة النقل والتوزيع والتخزين، وإلى أصحاب العربات والحمّالين والباعة المتجولين وسائر المهن التي ترتبط بحركة السوق. وكلما طال الإغلاق، ازدادت احتمالات تراكم الخسائر وتآكل قدرة الأسر على الصمود.

بالنسبة إلى أصحاب الأعمال الصغيرة والعمال الذين يعتمدون على ما يكسبونه في نهاية اليوم، فإن توقف السوق لا يعني فقط ضياع فرصة تجارية، بل قد يعني فقدان ثمن وجبة الأسرة أو تعذر شراء احتياجات الأطفال.

وتزداد هشاشة هذه الفئات في ظل الحرب، حيث تتراجع فرص العمل المنتظم، وتتآكل المدخرات، وتصبح القدرة على مواجهة الطوارئ محدودة للغاية. فالأسرة التي تعيش على دخل يومي لا تملك بالضرورة احتياطيًا ماليًا يسمح لها بتجاوز أيام من التوقف، ولا تستطيع تأجيل احتياجات الغذاء والدواء إلى أجل غير معلوم.

ويقول أحمد الفكي، وهو عامل في سوق النهود، إن إغلاق السوق انعكس سلبًا على حياتهم اليومية، وحرمهم من مصدر رزقهم، وأصبحوا عاجزين عن تأمين احتياجاتهم الأساسية من الغذاء. ويضيف لـ”أفق جديد” أن غياب البدائل الآمنة يزيد من صعوبة الأوضاع، معربًا عن مخاوفه من تفاقم معاناة الأسر إذا استمر الإغلاق لفترة طويلة، ومتسائلًا: “كيف سنتدبر أمورنا إذا استمر إغلاق السوق، ولم نعد قادرين على توفير قوت يومنا؟”

أما أصحاب المتاجر، فتتعلق مخاوفهم المحتملة بتعطل البيع، واحتمال تلف السلع سريعة الفساد، والالتزامات المالية المتراكمة، وعدم القدرة على معرفة موعد استئناف النشاط التجاري.

ويرى التاجر التيجاني بخيت في حديثه لـ”أفق جديد”، أن إغلاق السوق أدى إلى شلل الحركة التجارية والاقتصادية في المدينة، ما أثار مخاوف من اتساع دائرة المعاناة الإنسانية والمعيشية بين السكان، الذين يعتمد كثيرون منهم على السوق في تأمين احتياجاتهم الأساسية وتوفير مصادر دخلهم المحدودة.

وتقول آمنة حسن، وهي أم لخمسة أطفال لـ”أفق جديد”، إن إغلاق السوق يهدد قدرتها على توفير الغذاء والاحتياجات الأساسية لأسرتها، مشيرة إلى أن أوضاعهم المعيشية باتت بالغة الصعوبة جراء الحرب. وتضيف بحسرة: “فقدان الطعام يعني الموت البطيء لأطفالنا، خاصة في ظل حرب قضت على الأخضر واليابس في منطقتنا، وتركتنا نواجه ظروفًا معيشية قاسية لا نعرف كيف نتجاوزها”.

إن إغلاق سوق مدينة تعيش تحت وطأة الحرب لا يمكن النظر إليه بمعزل عن أثره على المدنيين، خصوصًا عندما يكون السوق منفذًا رئيسيًا لتأمين الغذاء ومصدرًا أساسيًا للدخل اليومي. وفي مثل هذه الظروف، ينبغي أن تكون حماية السكان وسبل عيشهم، وضمان وصولهم إلى احتياجاتهم الأساسية، في صدارة الأولويات.

فخلف كل متجر مغلق صاحب رزق ينتظر، وخلف كل عامل متوقف أسرة تحسب ما تبقى لديها، وخلف كل رف لا تصل إليه البضائع احتمال بأن تصبح الاحتياجات اليومية أكثر صعوبة.

في النهود، لا تُقاس خسارة السوق بما توقف من بيع وشراء وحده، بل بما يمكن أن يخسره الناس من قدرتهم على مواصلة الحياة. فحين تُغلق أبواب التجارة في وجه مدينة أنهكتها الحرب، لا يبقى السؤال كم خسر التجار، بل كم يومًا تستطيع الأسر أن تصمد قبل أن يتحول تعطل السوق إلى أزمة تمس غذاءها ودواءها وحقها في حياة لا تُختزل في انتظار الفرج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى