الديمقراطية الاجتماعية: ما بعد الأيديولوجيا وأزمة الاقتصاد السوداني

د. صلاح أحمد الحبو

لم تعد أزمة الاقتصاد السوداني قابلة للتفسير باعتبارها اختلالًا في المؤشرات المالية والنقدية، أو نتيجة مباشرة للحرب وحدها، بل هي حصيلة تاريخية لعلاقة مضطربة بين الدولة والسوق والمجتمع، أعادت إنتاج التفاوت في الثروة والفرص، وأضعفت القاعدة الإنتاجية، وجعلت الاقتصاد أكثر قابلية للانهيار أمام الصدمات. وقد كشفت الحرب هشاشة هذه البنية، لكنها لم تنشئها من العدم. ولذلك، فإن التفكير في سودان ما بعد الحرب يقتضي تجاوز سؤال استعادة الاقتصاد إلى ما كان عليه، نحو سؤال أكثر جذرية: أي اقتصاد نريد، ولصالح من يعمل؟

تقدم الديمقراطية الاجتماعية مدخلًا للإجابة، لا بوصفها حزبًا أو أيديولوجيا مكتملة، وإنما باعتبارها مشروعًا لإعادة تنظيم العلاقة بين الإنتاج والتوزيع والسلطة. فهي لا تنفي السوق ولا تقدّسها، ولا تلغي الدولة ولا تمنحها تفويضًا مطلقًا، وإنما تسعى إلى إخضاع النشاط الاقتصادي لمؤسسات ديمقراطية تحقق الكفاءة والعدالة والمساءلة. وبهذا المعنى، فإنها تتجاوز الصراع التقليدي بين الليبرالية الجديدة والمدارس الاشتراكية، دون أن تتجاهل التناقضات الاجتماعية التي أنتجت ذلك الصراع.

لقد تعاملت الليبرالية الجديدة، في تطبيقات عديدة، مع تحرير الأسواق وتقليص تدخل الدولة باعتبارهما طريقًا إلى الكفاءة، لكنها كثيرًا ما قللت من أثر تفاوت القوة الاقتصادية في تحديد نتائج المنافسة. وفي المقابل، انشغلت اتجاهات اشتراكية تقليدية بتوسيع الملكية العامة وإعادة توزيع الثروة، دون أن تمنح الكفاءة المؤسسية والحوافز الإنتاجية والمساءلة ما تستحقه من اهتمام. والمشكلة في الحالتين ليست في الأدوات ذاتها، بل في تحويلها إلى يقين نظري يتقدم على الواقع، حتى يصبح الاقتصاد مطالبًا بإثبات صحة النظرية، بدلًا من أن تكون النظرية أداة لفهم الاقتصاد.

ومن منظور علم الاجتماع الاقتصادي، لا توجد سوق محايدة اجتماعيًا؛ فالقدرة على المنافسة تتأثر بملكية الموارد، وإمكانية الوصول إلى التمويل، والتعليم، والمعلومات، وشبكات النفوذ. كذلك لا توجد دولة محايدة بالضرورة، إذ قد تتحول مؤسساتها إلى أدوات لتوزيع الامتيازات وإعادة إنتاج علاقات القوة. وهنا تكتسب الديمقراطية الاجتماعية قيمتها النقدية؛ لأنها لا تكتفي بالسؤال عن حجم تدخل الدولة، بل تبحث في طبيعة هذا التدخل، ومن يوجهه، ومن يستفيد منه، وكيف يخضع للمحاسبة.

وتؤكد دراسة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2024 أهمية الجمع بين «خفض التفاوتات وتعزيز نمو الإنتاجية» [1]، وهو اقتران يحمل دلالة اقتصادية تتجاوز المفاضلة التقليدية بين العدالة والكفاءة. فالتعليم الجيد، وتكافؤ الفرص، وتحسين شروط العمل، والحد من الاحتكار، ليست سياسات اجتماعية منفصلة عن النمو، بل عوامل ترفع قدرة المجتمع على إنتاج الثروة. فالعدالة لا تبدأ عند توزيع الدخل، وإنما عند توزيع الفرص التي تسمح بإنتاجه.

غير أن هذا التصور يواجه في السودان اختبارًا أكثر تعقيدًا، يتمثل في التوفيق بين العدالة الاجتماعية وتوازنات الاقتصاد الكلي. فالإنفاق الاجتماعي الذي لا يستند إلى موارد مستدامة قد يتحول إلى عجز وتضخم، بينما قد يؤدي الانضباط المالي الذي يتجاهل أوضاع المجتمع إلى نقل تكلفة الإصلاح إلى الفئات الأضعف. وهكذا يصبح الفقراء مطالبين بدفع ثمن اختلالات لم يصنعوها، فيما تحتفظ المجموعات الأكثر نفوذًا بقدرتها على حماية مصالحها.

ويقدم صندوق النقد الدولي في مذكرته الصادرة عام 2024 بشأن الإنفاق الاجتماعي إطارًا لفهم هذه العلاقة، إذ يؤكد أهمية الإنفاق على التعليم والصحة والحماية الاجتماعية في دعم النمو الشامل، مع مراعاة كفاءته واستدامة تمويله [2]. لكن القراءة النقدية لهذا التوجه تقتضي التمييز بين الاعتراف المؤسسي بأهمية الحماية الاجتماعية وبين قدرة برامج الإصلاح على حمايتها فعليًا. فالعدالة لا تتحقق بمجرد إدراج مخصصات اجتماعية في الموازنة، وإنما بمدى وصول الخدمات إلى مستحقيها، وبكيفية توزيع الأعباء الضريبية وتكاليف التصحيح الاقتصادي.

وتكشف المؤشرات السودانية حجم هذا التحدي. فبحسب تقديرات البنك الدولي، انكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو 29.4% عام 2023، ثم 14% عام 2024، بينما قُدّر نموه بنحو 3.1% في 2025 [3]. وفي المقابل، قدّر بنك التنمية الأفريقي نمو عام 2025 بنحو 1.2% [4]. ولا ينبغي التعامل مع اختلاف التقديرين باعتباره تفصيلًا إحصائيًا؛ فهو يكشف صعوبة قياس اقتصاد مزقته الحرب، وتراجعت فيه قدرة المؤسسات على إنتاج البيانات. كما يؤكد أن بناء السياسات على مؤشرات غير مكتملة قد يحوّل التقديرات إلى يقين سياسي زائف.

وتتجلى أزمة التفكير الاقتصادي السوداني بصورة أوضح في الجدل حول سعر الصرف، الذي تحول إلى ما يشبه العقدة المشتركة بين الاقتصاديين، على اختلاف مدارسهم. فبعض أنصار الليبرالية الجديدة يتعاملون مع تحريره باعتباره مدخلًا ضروريًا لاستعادة التوازن، بينما تميل اتجاهات يسارية واشتراكية إلى التشديد على تدخل الدولة وضبط الأسواق. غير أن المشكلة تبدأ عندما يتحول الدفاع عن أداة معينة إلى بديل عن تحليل الشروط التي تجعلها قابلة للنجاح.

فسعر الصرف ليس رقمًا مستقلًا عن الاقتصاد، بل تعبير عن علاقات الإنتاج والتجارة والادخار والاستثمار والتوقعات والثقة المؤسسية. ولا تستطيع سياسة نقدية، مهما بلغت دقتها الفنية، تعويض ضعف الصادرات أو اختلال المالية العامة أو انهيار الإنتاج. كما أن تدخل الدولة لا يصبح فعالًا بمجرد إعلانه، بل بقدرتها على التنفيذ والرقابة وتوفير الموارد. لذلك، فإن المعضلة ليست اختيار سعر بعينه، وإنما بناء اقتصاد يستطيع إنتاج شروط استقراره.

وتكتسب هذه المقاربة أهمية إضافية في ضوء تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومعهد الدراسات الأمنية الصادر في أبريل 2026، الذي يربط مستقبل السودان بمسارات السلام والإصلاح والاستثمار، ويقدم سيناريوهات تظهر اتساع الفجوة بين استمرار الحرب والتحول نحو التعافي والتنمية [5]. والدرس الأهم أن السلام الاقتصادي لا يتحقق باستعادة معدلات النمو وحدها، بل بإعادة بناء المؤسسات والقدرات الإنتاجية وشروط المشاركة الاجتماعية.

ومن هنا، فإن الديمقراطية الاجتماعية السودانية لا ينبغي أن تُختزل في توسيع الدعم أو زيادة الإنفاق الحكومي، بل في إصلاح البنية التي تنتج الثروة وتوزعها. وهذا يقتضي نظامًا ضريبيًا أكثر عدالة، وإزالة الامتيازات الاحتكارية، وتطوير الزراعة والصناعة، وتوسيع التمويل المنتج، وإعادة توزيع الاستثمار والخدمات بين الأقاليم. كما يتطلب حماية اجتماعية مؤسسية لا تقوم على المنح الظرفية، وإنما على حقوق واضحة وموارد قابلة للاستمرار. ويعزز تقرير منظمة العمل الدولية 2024–2026 هذا المنظور بتأكيده أهمية توسيع الحماية الاجتماعية بوصفها أداة لمواجهة الصدمات والحد من الهشاشة [6].

لكن التحول الاقتصادي يظل ناقصًا دون تحول ديمقراطي في إدارة الموارد. فحين تنفصل القرارات الاقتصادية عن المساءلة العامة، تتحول السياسات إلى وسائل لإعادة توزيع النفوذ، لا الثروة. وحين يُختزل المواطن في مستهلك أو متلقٍ للدعم، يفقد موقعه بوصفه شريكًا في الإنتاج وصاحب حق في القرار. ولهذا، فإن الديمقراطية الاجتماعية ليست برنامجًا ماليًا فحسب، بل إعادة تعريف للعلاقة بين الدولة والمواطن على أساس الحقوق والإنتاج والمشاركة.

إن السودان لا يحتاج إلى انتصار جديد لمدرسة اقتصادية على أخرى، بقدر حاجته إلى التحرر من اليقين الأيديولوجي الذي جعل الأدوات أهم من النتائج، والشعارات أسبق من المؤسسات. فالسوق ليست ضمانة تلقائية للكفاءة، والدولة ليست ضمانة تلقائية للعدالة، والنمو لا يتحول تلقائيًا إلى رفاه، كما أن إعادة التوزيع لا تصنع تنمية مستدامة دون إنتاج.

وربما تكمن القيمة الحقيقية للديمقراطية الاجتماعية في قدرتها على تجاوز هذه الثنائيات، وإقامة عقد اقتصادي واجتماعي يجعل الاستقرار الكلي شرطًا للعدالة، والعدالة شرطًا لاستدامة الاستقرار، والإنتاج أساسًا لكليهما. فالمستقبل السوداني لن تصنعه الأرقام وحدها، ولا النوايا الاجتماعية المجردة، وإنما مؤسسات قادرة على تحويل الموارد إلى فرص، والحقوق إلى واقع، والسلام إلى تنمية. وعندها فقط يمكن أن يصبح الاقتصاد وسيلة لتحرير الإنسان من الحاجة والتبعية، لا مجرد إدارة أكثر كفاءة لأزماته المتكررة.

⸻

المراجع

[1] Soldani, E., Causa, O., Nguyen, M., & Kozluk, T. (2024). Policy Approaches to Reduce Inequalities While Boosting Productivity Growth. OECD Economics Department Working Papers, No. 1819. OECD Publishing. DOI: 10.1787/af121c8f-en.

[2] International Monetary Fund. (2024). Operational Guidance Note for IMF Engagement on Social Spending Issues. IMF Policy Paper No. 2024/022, April 30.

[3] World Bank. (2025). Sudan Economic Update 2025: The Economic and Social Consequences of the Conflict—Charting a Path to Recovery. World Bank.

[4] African Development Bank. (2026). Country Focus Report 2026—Sudan: Mobilizing Sudan’s Development Financing at Scale in a Fragmented World.

[5] United Nations Development Programme & Institute for Security Studies. (2026). Beyond the Conflict: Charting a Path to Sustainable Growth and Development in Sudan.

[6] International Labour Organization. (2024). World Social Protection Report 2024–26: Universal Social Protection for Climate Action and a Just Transition. @adel ahim

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى