في (أكتوبر الوردي) تحكي ابتسام السماني معركتها مع سرطان الثدي

كمبالا- سمر سليمان
من (نيالا) إلى (كمبالا) رحلة لجوء انتهت بمواجهة المرض، وأسرة تتقاسم الألم وإيمان يمنح القوة، ورسالة إلى اللاجئين والنساء: الكشف المبكر لسرطان الثدي مهم، والعلاج لا ينبغي أن يكون رفاهية.
في بعض اللحظات لا يأتي الخبر الذي يغير الحياة في صورة صدمة عابرة، بل يفتح بابًا طويلًا من الأسئلة والخوف والانتظار. هكذا وجدت ابتسام عيسى السماني نفسها أمام مواجهة لم تكن تتوقعها، بعد أن لجأت إلى العاصمة الأوغندية كمبالا هربًا من الحرب في السودان، لتبدأ معركة جديدة مع سرطان الثدي وسط أعباء اللجوء وتكاليف العلاج ومسؤوليات الأسرة.
ابتسام محامية ومدافعة عن حقوق الإنسان وحقوق المرأة، تنحدر من مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور، وصلت إلى كمبالا مطلع العام 2024 برفقة زوجها وأبنائها، أملًا في حياة أكثر أمنًا، لكن صحتها بدأت تتراجع قبل أن تلاحظ كتلة في ثديها الأيمن وتقرر مراجعة الطبيب.
تغير كل شيء
بعد الفحوصات أُخذت عينة من الكتلة في سبتمبر، وعاشت ابتسام أسبوعًا من القلق والرجاء، ثم أبلغها الطبيب بأن النتيجة أظهرت إصابتها بسرطان الثدي في المرحلة الأولى، وشرح لها أهمية العلاج محاولًا منحها القوة من خلال تجارب مريضات تجاوزن المرض.
خرجت من غرفة الطبيب لتجد صديقتها رشا سراج في انتظارها، أخبرتها بالخبر، فتعانقتا وبكتا معًا، وفي المستشفى، التقتا بمريضة أخرى تستعد لبدء علاجها، فأدركت ابتسام أنها ليست وحدها.
كان الألم الأكبر في المنزل حين أخبرت بناتها بالحقيقة، فتحول البيت إلى مساحة من الخوف والحزن. انشغلت ابتسام بمصير أبنائها ومن سيرعاهم إذا تدهورت صحتها، لكنها تمسكت بإيمانها وطلبت من أسرتها الدعاء والصبر.
معركة أخرى تضاف إلى اللجوء

بدأت ابتسام العلاج الكيميائي في مستشفى خاص بتكلفة تجاوزت 300 دولار للجرعة ضمن خطة من ست جرعات، ومع غياب مصدر دخل ثابت أصبحت تكاليف العلاج عبئًا كبيرًا على الأسرة التي تواجه أيضًا نفقات التعليم والإيجار والمعيشة.
بعد الجرعة الأولى بدأت إجراءات فتح ملف في مستشفى (مولاقو) الحكومي للحصول على علاج أقل تكلفة، لكنها اضطرت إلى تلقي الجرعة الثانية في المستشفى الخاص بسبب بطء الإجراءات، قبل أن تواصل العلاج في المستشفى الحكومي برسوم أقل.
وبعد العلاج الكيميائي خضعت لعملية جراحية، ثم للعلاج الإشعاعي الذي تجاوزت تكلفته ألف دولار، إلى جانب الأدوية الهرمونية المستمرة، وقدمت منظمة (فرونت لاين ديفندرز) دعمًا ماليًا مهمًا، لكنه لم يغطِّ جميع المراحل، كما ساعد تخفيض حصلت عليه من إدارة المستشفى في مواصلة العلاج، بينما لا تزال الأسرة تتحمل جزءًا من تكلفة الأدوية.
وتوضح ابتسام أن رحلة العلاج تشمل الفحوصات والصور والعمليات والإشعاع والأدوية والمتابعة، في وقت لا تمتلك فيه الأسرة دخلًا ثابتًا.
طفلة تحمل مسؤولية البيت
امتد أثر المرض إلى الأسرة كلها، وكانت ابنتها سبنا من أكثر من تحملن تبعاته. فمع تراجع قدرة ابتسام على الحركة تولت سبنا، رغم صغر سنها، أعمال المنزل ورعاية إخوتها ومتابعة شؤونهم اليومية.
أثرت هذه المسؤوليات على دراسة الطفلة، فلم تتمكن من إكمال عامها الدراسي كما ينبغي، كما واجهت صعوبة في مواصلة الدراسة بسبب ملازمتها لوالدتها في المستشفى، وتشعر ابتسام بالامتنان والألم في آن واحد، فهي ترى في ابنتها سندًا كبيرًا، لكنها تتمنى ألا تكون ظروف المرض واللجوء قد سلبتها حقها في التعليم والحياة الطبيعية. وتأمل أن تعود سبنا إلى الدراسة وأن تجتمع الأسرة من جديد، فيما تنتظر ابنتاها الموجودتان في السودان لمواصلة دراستهما الجامعية تجاوز والدتهما لهذه المرحلة.
الأمل سند في أصعب الأيام
حرصت ابتسام على ألا تسمح للخوف بالسيطرة على أسرتها، واستمدت قوتها من قراءة القرآن والصلاة والدعاء، وشاركت بناتها قيام الليل، كما ساعدها وجود زوجها وأبنائها وأصدقائها على الاستمرار.
وتؤكد أنها لم تفقد الأمل يومًا، وأن دعم الأهل والأصدقاء والجيران والزملاء في السودان وكمبالا ودول المهجر عبر السؤال والدعاء والمساعدة خفف عنها ثقل المرض ومنحها شعورًا بأنها ليست وحدها.
الكشف المبكر يفتح أبوابًا أوسع للعلاج
يؤكد الدكتور فخري صبري، استشاري الجراحة العامة في كمبالا، أهمية الكشف المبكر عن سرطان الثدي، مشيرًا إلى أن الخوف والوصمة والظروف الاقتصادية قد تؤخر مراجعة الطبيب.
ويشير إلى أن ظهور كتلة جديدة في الثدي أو تحت الإبط، أو تغيرات في الجلد أو الحلمة، يستدعي الفحص، مع التأكيد على أن وجود كتلة لا يعني بالضرورة الإصابة بالسرطان، وقد يشمل التشخيص الفحص السريري والتصوير وأخذ خزعة عند الحاجة، بينما تختلف خيارات العلاج بحسب نوع المرض ومرحلته، ولا تحتاج كل مريضة إلى استئصال الثدي.
ويشدد على الالتزام بالخطة العلاجية وعدم تأخير المراجعة أو الاعتماد على العلاجات البديلة وحدها، مؤكدًا أن دعم الأسرة يساعد المريضة على مواجهة العلاج ويخفف شعورها بالعزلة.
الدعم النفسي ليس رفاهية
يوضح الدكتور النور سليمان مصطفى، اختصاصي علم النفس الإكلينيكي، أن سرطان الثدي قد يصاحبه الخوف والقلق والحزن منذ الاشتباه في المرض وحتى التعافي، وأن الدعم النفسي والأسري يساعد المرأة على التكيف مع التغيرات والمشاركة في قرارات علاجها.
ويشدد على احترام مشاعر المريضة وخصوصيتها، وعدم التقليل من مخاوفها أو تحميلها مسؤولية مرضها، مع مواجهة الوصمة والمعلومات المغلوطة. كما يوصي بمراجعة الطبيب عند ظهور أي تغيرات غير طبيعية، والالتزام بالفحوصات المناسبة، والاستعانة بمختص نفسي عند الحاجة.

أكتوبر الوردي مناسبة للتذكير
يعيد أكتوبر الوردي تسليط الضوء على سرطان الثدي وأهمية التوعية بعلاماته، وتشجيع النساء على طلب الرعاية الطبية ومساندة المصابات والناجيات.
وتوضح قصة ابتسام أن الوعي لا يكفي ما لم تتوافر خدمات صحية يمكن الوصول إليها، وعلاجات في متناول المريضات، ودعم نفسي واجتماعي، خصوصًا للنساء اللاجئات اللواتي قد يواجهن الفقر والانتظار الطويل ومسؤوليات الأسرة.
لذلك تتجاوز مسؤولية التوعية النساء أنفسهن لتشمل الحكومات والمنظمات والمؤسسات الصحية والمجتمعات، حتى لا يتحول المرض إلى عبء مضاعف بسبب النزوح أو غياب الدعم.
“افحصي مبكرًا ولا تفقدي الأمل”
توجه ابتسام رسالتها إلى النساء، مؤكدة أن سماع كلمة السرطان مخيفة، لكن الخوف لا ينبغي أن يمنع طلب المساعدة أو بدء العلاج. وتدعو كل امرأة تلاحظ كتلة أو تغيرًا غير معتاد في الثدي إلى مراجعة الطبيب وعدم انتظار زوال الأعراض.
وتحاول مواجهة مخاوفها من عودة المرض أو إصابة بناتها بالتوعية والمتابعة الطبية، متمسكة بالإيمان والعلاج ودعم أسرتها، وتأمل أن تستعيد عافيتها وتعود طفلتها إلى دراستها، وأن تجتمع الأسرة من جديد.





