من “محاولة لتسلق ظل الوردة” إلى “35 ملم.. نصوص بصرية”: نشيد شعري واحد ممتد ليوسف الحبوب

 

بقلم: صلاح محمد الحسن القويضي

لا أرى أن الصديق العزيز، يوسف الحبوب، قد كتب ثلاثة دواوين منفصلة. الذي أراه هو أنه ظل يكتب نشيدًا شعريًا واحدًا ممتدًا، ابتدأه في عام 2016م بمحاولة مستحيلة لـ”تسلق ظل الوردة”، ثم عبر به إلى فزاعة تلوح في ظهيرة يوم بطيء في عام 2019م، حتى استقر به في عام 2025م عند “صورة مقاس 35 ملم”.

وما زلت أذكر جيدًا حين صدر “محاولة لتسلق ظل الوردة” عن دار صفصافة في القاهرة عام 2016م، إذ أرسل إليَّ الحبوب نسخةً منه، وطلب مني ترجمتها إلى الفرنسية، فأنجزت ترجمتها بعنوان Tentative de Grimper l’Ombre de la Rose، وصدرت عن دار الدراويش في بلغاريا. يومها قرأه الأصدقاء في باريس ولم يشعروا أنه غريب عنهم، وما ذلك إلا لأن يوسف كان يكتب بلغتهم دون أن يدري.

وقد توقف النقاد طويلًا عند لغته. أجمعوا على أنها لغة لا تزخرف ولا تثرثر، لغة مقتصدة تضع الصورة فوق الصورة، وتترك للفراغ والصمت دور البطولة. بل إنهم وجدوا في العنوان نفسه فلسفة مكتملة: فأن تتسلق ظلًا يعني أن تحاول الإمساك بما لا يُمسك، وأن تجعل من الغياب حضورًا، ومن الصمت كلامًا.

ومن هنا، وأثناء قراءتي للدواوين الثلاثة معًا، القديم والوسيط والجديد، وجدتني أُحال دون قصد إلى نصوص فرنسية قرأتها منذ زمن بعيد.

فأول ما خطر لي كان بودلير. ففي “أزهار الشر” عام 1857م فعل بودلير ما فعله الحبوب، لكن على نحو معكوس. لقد أخذ بودلير القبح وصنع منه وردة، بينما أخذ يوسف الوردة في عام 2016م وحولها إلى ظل، ثم صنع لذلك الظل جسدًا من قش في عام 2019م، ثم صوره في عام 2025م. وحتى كلمة Ombre التي استخدمتها في الترجمة الفرنسية، ثقيلة مثل كلمة “ظل” عندنا تمامًا، فالظل ليس ظلامًا، بل هو بقية ضوء.

بعد ذلك تذكرت رامبو فورًا وجملته الشهيرة Je est un autre – أنا هو آخر. أليست هي ذات الفكرة التي كتبها يوسف في “فزاعة تلوح في ظهيرة يوم بطيء” حين جعل الفزاعة تخيف غيرها وهي مجرد إيهام، ثم أعادها في ديوانه الجديد [ص28] حين كتب:

هذا صباح فارق

وفارغ في الجحيم

فالجحيم واحد عند الثلاثة، مكان لا تستطيع فيه حتى أن تتسلق ظلًا.

ولا تنتهي القصة هنا. فبول إيلوار كان قد قال يومًا L’amour la poésie – الحب هو الشعر. ويوسف يقولها بطريقته الخاصة في [ص9] من “35 ملم / نصوص بصرية”: “لقد قررت أن أحتفي بك وحدي هكذا وبطريقتي الخاصة”. إنه الاحتفاء الفردي ذاته الذي بدأه في ظل الوردة.

أما بيير ريفردي فقد ترك جملة ظلت ترن في أذني وأنا أقرأ يوسف: “الصورة خلق خالص للروح”. وهذه الجملة هي الخيط الناظم الذي يربط الدواوين الثلاثة. ففي ظل الوردة كانت الصورة متخيلة، وفي فزاعة بدأ تفكيكها كما هو موثق في الكتاب نفسه ص13: “يفتن الشاعر منذ ديوانه (محاولة لتسلق ظل الوردة) بتفكيك الكلمة إلى مكونها الحرفي، مستثمرًا الطاقة الموسيقية للحرف”، وفي “35 ملم/ نصوص بصرية” اكتمل حين كتب كلمة (أزغرد) عموديًا ص14:

أ

ز

غ

ر

د

وهكذا حوّل الكلمة إلى صورة مرئية.

وفي السياق ذاته لا أنسى إيف بونفوا حين عرّف الشعر بأنه “حضور الغياب”. أليس هذا هو تعريف الدواوين الثلاثة حرفيًا؟ حضور الغياب في عام 2016م، وإيهام الغياب في عام 2019م كما جاء في ص18 من فزاعة: “في العنوان هناك إيحاء بوجود شيء قابل لإخافة الآخرين، وهذه الإخافة ربما تكون حقيقية أو متوهمة؛ لأن فكرة الفزاعة قائمة على الإيهام”، ثم تصوير الغياب في عام 2025م.

غير أن النقلة الحقيقية، والقلب الحقيقي للتحول عند يوسف، وجدتها عند أبولينير عام 1918م. فقد كتب أبولينير قصيدة (شجرة) على شكل شجرة، وقصيدة (إنها تمطر) على شكل مطر نازل، وجعل الحروف تمطر فعلًا من أعلى الصفحة. ويوسف لم ينسخ أبولينير، لكنه مشى في الشارع نفسه. ففي عام 2016م كان يقول الوردة وظلها، وفي عام 2019م صنع لها جسدًا يلوح في الظهيرة، وفي عام 2025م أصبح يرسمها، الظل والوردة.

ولذلك لم أستغرب مفتاحه في أول الديوان الجديد [ص5]: “هذه نصوص بصرية.. قد تُقرأ بالعين المجردة.. أو بالنظارة الطبية.. إلا أنه يُفضل قراءتها بالقلب”. وهو المفتاح نفسه الذي اختاره الحبوب لديوانه السابق (رأس الحكمة مخافة الشعر) ص22.

وبين الوردة والفيلم، جاءت الفزاعة كحلقة وصل ضرورية. فقد صدر ديوان (فزاعة تلوح في ظهيرة يوم بطيء) عن دار صفصافة أيضًا عام 2019م. وإذا كانت محاولة عام 2016م تحاول الإمساك بالغياب، فإن فزاعة عام 2019م تصنع للغياب جسدًا، وإن [35 ملم / نصوص بصرية] عام 2025م يصور ذلك الجسد. فالفزاعة لا تخيف لأنها حقيقية، بل لأنها إيهام، تمامًا كظل الوردة.

وإذا كان (محاولة لتسلق ظل الوردة) يحاور بودلير ورامبو، وكان (35 ملم/ نصوص بصرية) يحاور أبولينير، فإن (فزاعة تلوح في ظهيرة يوم بطيء) هي التي تحاور الوجودية الفرنسية مباشرة. ففيها يفتتح يوسف أحد أقسامها بقول سقراط: (ليس الموت سوى فزاعة)، وهي فكرة العدم الذي يخيف لأنه لا شيء، قلب فلسفة سارتر في (الوجود والعدم) عام 1943م، كما أن عنوانها نفسه (ظهيرة يوم بطيء) هو يوم كامو الغريب في (الغريب) عام 1942م، زمن بطيء وثقيل لا يمر. بل إن تقنية التفكيك الحرفي التي اعتبرناها دستور (35 ملم/ نصوص بصرية)، وجدتها تبدأ في (فزاعة تلوح في ظهيرة يوم بطيء) نفسها ص39:

الموسيقى…..

منطق

العاشق

و

مستغرق

المحب.

وص99 حين فكك كلمة السحيقة عموديًا:

البلاد

نحو

الهاوية

ا

ل

س

ح

ي

ق

ة

تمامًا مثل:

أ

ز

غ

ر

د

 

في (35 ملم/ نصوص بصرية) ص14، وهو الـ Calligramme الأبولينيري قبل ست سنوات من اكتماله. وبناءً عليه تتطور عند يوسف العلاقة بين الكتابة وصورة الكتابة عبر الدواوين الثلاثة: ففي عام 2016م كانت الكتابة تحاول أن تكتب الظل، وفي عام 2019م أصبحت الكتابة تصنع للظل جسدًا من حروف، وفي عام 2025م أصبحت صورة الكتابة نفسها هي الكتابة.

وعلى ضوء ذلك انقسمت آراء أصدقائنا النقاد. ففي (محاولة لتسلق ظل الوردة) رآها يحيى فضل الله، بقلبه الكبير، مأزقًا وجوديًا، وكتب: “ما بين الوردة وظلها وفكرة التسلق، على الشاعر أن يقاوم النعاس والوظيفة… كيف خطر لشاعر أن يتسلق ظل وردة؟ ويا لها من فكرة.. فكرة تدفع بالشاعر كي يرج زجاجة روحه”، وختمها قائلًا: “بأن الفعل البسيط يتحول إلى مأزق وجودي”. في المقابل، رآها عبد القادر الكتيابي من جهة العافية والخلاص، فقال: “لقد أصاب الطريق والطريقة إلى عافية الكتابة الحرة الناجعة المؤدية إلى عافية النفس وطلاقة الروح”.

أما في (فزاعة تلوح في ظهيرة يوم بطيء) فقد توقف الدكتور عبد القادر جبار عند لعبة النقائض عند الحبوب، فقال في (الحبوب والشعرية العربية) ص17: “يُعد الشاعر السوداني يوسف الحبوب واحدًا من الأصوات الشعرية المهمة في الوطن العربي، وتأتي أهمية الحبوب من قدراته على استيعاب لغة الشعر ومحاولة تطويعها للرسالة التي يريد إيصالها… فقصيدة الحبوب غالبًا ما تعتمد النقائض والافتراق، وتعتمد الانتقال من حالة إلى أخرى نقيضة في لعبة يتقن الحبوب أسرارها اسمها (الشعر)”.

في حين ذهب كاتب تقديم الديوان نفسه ص18 إلى أن بساطة الحبوب الظاهرة هي فخ جمالي، فقال: “هذه البساطة سرعان ما تسحب القارئ إلى العوالم الخفية المتدثرة في بنيات النص، فهي لا تمنح لذتها للقارئ بسهولة ولا تمنح أسرارها للقارئ مرة واحدة أيضًا؛ لأن هذه الأسرار مرتكزة على العلاقات البعيدة في النص”، وفسر عنوان الفزاعة نفسه بقوله: “في العنوان هناك إيحاء بوجود شيء قابل لإخافة الآخرين، وهذه الإخافة ربما تكون حقيقية أو متوهمة؛ لأن فكرة الفزاعة قائمة على الإيهام، وهذا البعد الاحتمالي في العنوان يمتلك امتداداته في النص”.

والحقيقة أن كل هذه الآراء على حق، وكلها تصب في نشيد واحد.

وبين المأزق والعافية والإيهام، جاء (35 ملم/ نصوص بصرية) نهاية عام 2025م. وقد وصفه النقاد بأنه تجربة مختلفة، تربط بين العين والقلب، وبين القراءة البصرية والوعي.

وهنا أريد أن أتوقف عند العناوين الثلاثة نفسها. فـ (محاولة لتسلق ظل الوردة) عنوان حالم، فعل مستحيل. و(فزاعة تلوح في ظهيرة يوم بطيء) عنوان مشهدي، زمن بطيء وجسد يلوح. أما (35 ملم/ نصوص بصرية) فعنوان تقني، بارد، رقمي، مقاس شريط سينما. كأن يوسف انتقل من شاعر يحاول أن يمسك الهواء، إلى صانع فزاعات يحرس الهواء، إلى مصور يضبط عدسته.

وفي مكتبتنا السودانية التي تعودنا فيها على عناوين مثل (أغاني وأشجان)، أن تسمي ديوانك بمقاس فيلم هو تمرد كامل. وهو تمرد ينسجم تمامًا مع تفكيكه لكلمة (أزغرد) عموديًا. والرسالة واضحة: القصيدة لم تعد تُلقى، بل تُعرض.

وقد نفذ هذا في نصوص لا تُنسى. ففي (ص25) من (35 ملم / نصوص بصرية) كتب:

وجهود شباب الحي

في

توزيع عادل

للسلطة

والثروة

والماء

و

الوجه الحسن

فجعل الوجه الحسن حاجة أساسية مثل الخبز والماء. وفي [ص30] اختصر كل شيء:

ونصف حقيقة

ونصف موت

ثم ختم نشيده الطويل الممتد عبر الدواوين الثلاثة كله بقرار قاطع لا رجعة فيه [ص78]:

فأنا

ضد الحنين

وضد

تواتر الذكريات،

أنا ضد

وهكذا انتهى النشيد، لكن الصورة بقيت مقاس 35 ملم.

المراجع:

  1. الحبوب، يوسف. [محاولة لتسلق ظل الوردة]. القاهرة: دار صفصافة للنشر، 2016م.
  2. الحبوب، يوسف. ترجمة: القويضي، صلاح محمد الحسن. Tentative de Grimper l’Ombre de la Rose. بلغاريا: دار الدراويش، 2017م.
  3. الحبوب، يوسف. [فزاعة تلوح في ظهيرة يوم بطيء]. القاهرة: دار صفصافة للنشر، 2019م.
  4. الحبوب، يوسف. [35 ملم / نصوص بصرية]. 2025م.
  5. بودلير، شارل. [أزهار الشر]. 1857م.
  6. رامبو، آرثر. [رسائل الرائي]. 1871م.
  7. أبولينير، غيوم. [قصائد مصورة – Calligrammes]. 1918م.
  8. سارتر، جان بول. [الوجود والعدم]. 1943م.
  9. كامو، ألبير. [الغريب]. 1942م.
  10. فضل الله، يحيى. قراءة نقدية في [محاولة لتسلق ظل الوردة].
  11. الكتيابي، عبد القادر. قراءة نقدية في [محاولة لتسلق ظل الوردة].
  12. جبار، عبد القادر. [الحبوب والشعرية العربية] – مقدمة [فزاعة تلوح في ظهيرة يوم بطيء]، ص17.
  13. مقدمة [فزاعة تلوح في ظهيرة يوم بطيء] النقدية، ص18.
  • رابطة الجزيرة للآداب والفنون – ودمدني / السودان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى