من التنظيم إلى الدولة الموازية.. الأنثروبولوجيا الاجتماعية للحركة الإسلامية السودانية

عادل يعقوب أحمد نور
لم يكن صعود الحركة الإسلامية السودانية إلى السلطة مجرد نتيجة لنجاحها في التعبئة السياسية أو قدرتها على استقطاب قطاعات من المجتمع، بل كان أيضًا تعبيرًا عن بنية تنظيمية واجتماعية أخذت تتشكل داخل المجتمع السوداني، ثم نجحت، بمرور الوقت، في بناء عالم موازٍ له، تحكمه شبكة من الولاءات والمصالح والروابط الأيديولوجية والعائلية.
تستحق هذه الظاهرة قراءة تتجاوز الخطاب السياسي المباشر، لتبحث في الخلفيات الاجتماعية لأعضاء الحركة الأوائل، وفي الكيفية التي أعاد بها التنظيم تشكيل علاقاتهم بأنفسهم وبالمجتمع والدولة.
لقد تلقى عدد من أبرز المؤسسين والقيادات الإسلامية تعليمًا جامعيًا في جامعة الخرطوم، واستكمل بعضهم دراساته العليا في جامعات غربية. ومع ذلك، فإن المسار التعليمي الحديث لم يؤدِّ بالضرورة إلى اندماج اجتماعي كامل في البيئة الحضرية التي احتضنتهم. فقد جاء بعضهم من أسر محدودة الموارد، ومن بيئات ريفية أو مدن هامشية، ودخلوا إلى فضاء جامعي واجتماعي تتفاوت فيه المكانة والفرص والامتيازات.
لا يعني ذلك أن الانحدار من الريف أو الفقر يقودان بالضرورة إلى الانغلاق الاجتماعي أو التعصب التنظيمي. فهذه البيئات أنجبت أيضًا شخصيات اتسمت بالانفتاح والتسامح والمشاركة العامة. لكن السؤال الذي يستحق البحث هو: كيف استطاع التنظيم أن يحول بعض الفوارق الاجتماعية والشعور بالتهميش إلى طاقة للتماسك الداخلي، وأن يقدم لأعضائه إطارًا بديلًا للانتماء والمكانة والاعتراف؟
هنا يمكن فهم التنظيم باعتباره أكثر من مجرد جماعة سياسية. إنه شبكة اجتماعية توفر للفرد هوية مشتركة، وتمنحه شعورًا بالتضامن، وتفتح أمامه مسارات للترقي والوصول إلى الموارد والفرص. وفي الوقت الذي تتيح فيه هذه الشبكة لأعضائها قدرًا من الحماية المتبادلة، فإنها قد تنتج، عندما تنغلق على نفسها، حدودًا فاصلة بينها وبين المجتمع الأوسع.
تتكون داخل هذه الجماعة منظومة من الالتزامات المتبادلة، ويصبح الدفاع عن العضو جزءًا من الدفاع عن الجماعة نفسها. ومع تراكم الزمن والمصالح المشتركة، قد تتحول هذه الروابط إلى نوع من التضامن المغلق، تكون فيه الأولوية لمن ينتمي إلى التنظيم، لا لمن يستحق المساندة وفق معايير عامة ومحايدة.
وتظهر الخطورة الحقيقية عندما تنتقل هذه البنية من المجال الاجتماعي إلى المجال السياسي، ثم تستولي على مؤسسات الدولة.
فبعد انقلاب عام 1989، لم تعد المسألة متعلقة بمشاركة الحركة الإسلامية في الحكم فحسب، وإنما باتت تتصل بإعادة تشكيل مؤسسات الدولة وشبكات توزيع السلطة والثروة والنفوذ. وفي هذا السياق، تبرز أسئلة جوهرية حول التمكين، وإحلال الولاء التنظيمي محل معايير الكفاءة والاستقلال المؤسسي، وتوجيه الموارد العامة لخدمة شبكات سياسية واجتماعية مرتبطة بالسلطة.
لم تكن السيطرة على الدولة تعني، في هذا التصور، احتلال مواقع الحكم وحدها، بل بناء علاقات ممتدة داخل المجتمع نفسه. فقد تداخلت المصالح السياسية والاقتصادية مع بعض مكونات الإدارة الأهلية والطرق الصوفية، ومع النقابات والمنظمات الجماهيرية، كما نشأت أو تعززت أطر مدنية موالية للسلطة، بالتوازي مع توسع الأدوار الأمنية والعسكرية في الحياة العامة.
وكانت هذه الشبكة أكثر تعقيدًا من أن تُختزل في أجهزة الدولة الرسمية. فقد جمعت بين التنظيم السياسي، والمصالح الاقتصادية، والعلاقات الاجتماعية، والواجهات المدنية، وأشكال التعبئة الأيديولوجية، إلى جانب الروابط الأسرية والمصاهرات التي يمكن أن تسهم في توطيد الثقة وتبادل المنافع داخل دوائر النفوذ.
وفي مثل هذه البنية، لا تعود العلاقة بين الفرد والدولة علاقة مواطنة متساوية بالضرورة، بل قد تتحول إلى علاقة وساطة: يصل الفرد إلى الفرصة عبر انتمائه، ويحصل على الحماية عبر شبكته، وتُحسم بعض مصالحه من خلال قربه من مراكز القوة. وهكذا تتراجع المؤسسات العامة بوصفها فضاءات محايدة، لتحل محلها شبكات تتفاوت قدرة المواطنين على الوصول إليها بحسب مواقعهم وعلاقاتهم.

أما أخطر التحولات، فتتمثل في عسكرة المجال المدني، من خلال إنشاء تشكيلات ذات طابع عسكري أو أمني خارج الأطر المهنية التقليدية، وتوسيع حضور الأجهزة الأمنية في المجتمع، وإضعاف الحدود الفاصلة بين الحزب والدولة والمؤسسة العسكرية. وفي هذا السياق، ينبغي دراسة تجربة الدفاع الشعبي والشرطة الشعبية، ثم تطور العلاقة بين النظام وتشكيلات الدعم السريع، ضمن تاريخ أوسع لتسييس القوة المسلحة وتعدد مراكزها، مع مراعاة الاختلافات التاريخية والمؤسسية بين هذه التشكيلات.
لقد أفضى تداخل التنظيم السياسي مع أجهزة الدولة ومصادر الثروة وأدوات القوة إلى نشوء منظومة يصعب تفكيكها بمجرد تغيير الحكومة أو إبعاد بعض القيادات. فالشبكات التي تستمد قوتها من المصالح الاقتصادية والروابط الاجتماعية والولاءات التنظيمية تستطيع أن تستمر، بدرجات متفاوتة، حتى عندما تتغير الظروف السياسية التي نشأت في ظلها.
ومن هنا، فإن السؤال الأخلاقي لا يقل أهمية عن السؤال السياسي: ماذا يحدث عندما تصبح الجماعة المرجع الأعلى لتحديد الصواب والخطأ، ويُعاد تفسير الالتزام الأخلاقي وفق مقتضيات الولاء التنظيمي؟
لا يصح الحكم على جميع أعضاء الحركة أو أنصارها باعتبارهم كتلة أخلاقية واحدة، لكن من المشروع تحليل الظروف التي تتيح للتنظيم تقديم مصلحته الخاصة على المصلحة العامة، وتبرير المحاباة أو الإقصاء أو انتهاك القواعد المؤسسية باسم الضرورة السياسية أو حماية المشروع.
فالمشكلة ليست في وجود روابط أسرية أو اجتماعية، ولا في حق الناس في التضامن والتعاون، وإنما في تحويل هذه الروابط إلى أدوات لتوزيع الموارد العامة، واحتكار الفرص، والحصول على الحماية من المساءلة.
عند هذه النقطة، تصبح الأزمة أعمق من فساد بعض المسؤولين أو استبداد بعض القيادات. إنها أزمة في معنى الدولة ذاتها، وفي الحدود الفاصلة بين المجال العام والمصلحة الخاصة، وبين المواطنة والانتماء، وبين الالتزام الأخلاقي تجاه المجتمع والطاعة للجماعة.
ولعل هذا ما يجعل التجربة السودانية جديرة بدراسة أنثروبولوجية معمقة: كيف تستطيع جماعة سياسية أن تبدأ بوصفها تنظيمًا يسعى إلى تغيير المجتمع، ثم تنتهي إلى إعادة تنظيم المجتمع حول شبكة مصالحها؟ وكيف تتحول أدوات التضامن التي تمنح أعضاءها القوة إلى وسائل لإضعاف الثقة العامة، وتقويض المؤسسات، وإعادة إنتاج الامتيازات؟
إن فهم هذه التحولات شرط ضروري لأي مشروع جاد لإعادة بناء الدولة السودانية. فالتغيير لا يكتمل بتبديل الأشخاص أو تعديل القوانين وحدهما، وإنما يتطلب تفكيك البنية التي تجعل الولاء الخاص أقوى من الالتزام العام، وإعادة الاعتبار إلى المواطنة والكفاءة والمساءلة وسيادة القانون.
فالدولة لا تنهار فقط عندما تعجز عن حماية مواطنيها، بل تبدأ في فقدان معناها حين تتحول إلى ملكية غير معلنة لشبكات تتعامل مع مواردها ومؤسساتها باعتبارها امتدادًا للتنظيم أو العائلة أو الجماعة.





