الحرب تفاقم أزمة الري الطويلة الأمد لمزارعي السودان

ملاحظة: هذا المقال هو ترجمة للنص المنشور أصلاً على منصة Mongabay وقد تم ترجمته إلى العربية لنشره في منصة أفق جديد جميع الحقوق محفوظة للنسخة الأصلية ولـ Mongabay كمصدر.

في ظل الحرب المستمرة وتدهور شبكات الري في مشروع الجزيرة ومناطق أخرى في السودان، يجد المزارعون أنفسهم أمام تحدٍ يومي للإستمرار في الزراعة وإطعام أسرهم في هذا التقرير الحصري، يستعرض الصحفي البشير دهب واقع الأزمة المائية، ويكشف كيف يبتكر المزارعون الصغار حلولاً فردية باستخدام تقنيات الطاقة الشمسية والبنزين لمواجهة انعدام المياه، مقدماً صورة صادمة لكنها ملهمة لصمودهم ومرونتهم أمام ظروف استثنائية.

البشير دهب

يمتد مشروع الري في السودان المعروف بمشروع الجزيرة لما يقارب 890,000 هكتار (2.2 مليون فدان)، حيث يضخ المياه من نهر النيل إلى المزارعين عبر شبكة من القنوات تتغذى من خزان سنار.

قبل عشرين عامًا، تحركت الحكومة نحو خصخصة وتشغيل وصيانة هذا المشروع وغيره من البنية التحتية للري بشكل لامركزي.

لكن فقدان الموارد والخبرات لدى موظفي الدولة أدى إلى تدهور نظام المضخات والقنوات، مما اضطر عشرات الآلاف من المزارعين للبحث عن حلول مؤقتة ومبتكرة.

المزارعون الأغنياء قاموا بتركيب مضخات، وتحولت الكثير منها إلى الطاقة الشمسية، لكن الحرب الأهلية جعلت الوقود وقطع الغيار غير متاحة بأسعار معقولة، مما حال دون قدرة المزارعين الصغار على زراعة الغذاء.

صورة لمشروع ري الجزيرة من الفضاء. الصورة من وكالة ناسا جونسون :المصدر مونغباي

في أوقات أفضل، كان محمد أحمد يزرع الذرة الرفيعة والعدس والفاصوليا على ثلاثة فدادين من الأرض في ولاية الجزيرة. لكن منذ أكثر من عام، لم تصل مياه الري إلى 1.2 هكتار (3 أفدنة) يزرعها في قسم منقل من مشروع الجزيرة الشاسع. يقضي وقته في إزالة الأعشاب الضارة، وإصلاح حدود الحقول، وتجهيز التربة تحسبًا لوصول المياه.

القنوات جفت منذ مايو 2024. يقول أحمد، البالغ من العمر 38 عامًا، لموقع Mongabay عبر الهاتف: “انتظرت المياه كما اعتدت، لكن لم يأت شيء. فقدنا موسمين كاملين، وفكرت حتى في ترك الزراعة والبحث عن عمل في الخارج”.

أحمد واحد من حوالي 4,000 مزارع في قسم المناقل يواجهون خطر انهيار مشروع الجزيرة يمتد لما يقارب 890,000 هكتار، ويضخ المياه من نهر النيل عبر شبكة من القنوات تتغذى من سد سنار التاريخي. وفقًا لمهندس الري عبدالله الحاج، حتى عام 2005، كان مسؤولو المشروع ينظمون مستويات المياه وتدفقها وينسقون صيانة المضخات والقنوات الرئيسية.

ومع ذلك، في عام 2005، جرى جزئيًا خصخصة تشغيل مشروع الري التشريعات الجديدة وتعديل عام 2014، أكدت على الاستقلال الإداري والمالي، ومنحت المزارعين حرية اختيار المحاصيل التي يزرعونها وطلبت منهم إنشاء جمعيات مستخدمي المياه قانونيًا تمتلك هذه الجمعيات سلطة إدارة وصيانة أقسام المشروع، لكنها عمليًا تشرف على توزيع المياه وتعتمد بشكل كبير على الدعم الفني والمالي والتشغيلي من الدولة.

تم سحب الدعم المباشر من الدولة، وتم فصل العديد من الموظفين المتمرسين والعاملين في المشروع، مما خلق فراغًا في الصيانة والإشراف استمر على مر السنوات وأسهم في التدهور التدريجي للنظام المركزي للري.

إضافة إلى هذه الصعوبات، انخفضت مستويات المياه في سد سنار خلال السنوات الأخيرة نتيجة الجفاف.

يقول الحاج: “المشكلة اليوم ليست فقط ندرة المياه، بل غياب سلطة تنفيذية منظمة لإدارة التوزيع كما كان من قبل”.

آلاف الفدادين من الأراضي الزراعية في أقسام مشروع الجزيرة المختلفة، بما فيها امتداد المناقل ، فقدت تغطية الري على مدى العشرين عامًا الماضية.

أحمد وجيرانه يناقشون باستمرار حلولًا ممكنة، لكن دون جدوى. يقول: “حاولنا التفكير في حلول، لكن لا توجد موارد ببساطة لا يوجد ماء للضخ و الحكومة تواصل تقديم الوعود دون تنفيذ ،إذا لم تُعد قنوات الري تعمل بصورة طبيعية لن نتمكن من الزراعة الموسم القادم”.

ويقلق أحمد باستمرار حول كيفية توفير الغذاء لأطفاله، ويأمل أن تعود مياه الري بشكل منتظم يوماً ما.

في جزء آخر من مشروع الجزيرة، اضطر الطيب جاد المولى لاستخدام مضخة بنزين صغيرة بعد توقف صيانة القنوات المنتظمة في قسم المنسي ، حيث يزرع الطماطم والقمح، المياه ما زالت متوفرة في نظام القنوات، لكن تشغيل مضخته الخاصة لري الحقول يشكل عبئًا ماليًا كبيرًا. يقول: “تشغيل المضخة ليوم واحد يكلف( 150 ألف جنية سوداني) ما يعادل 60-70 دولارًا، ويجب أن أكرر هذا كل 25 يوماً “.

الطيب جاد المولى يقوم بتزويد مضخة الري بقسم المنسي بمشروع الجزيرة. المصدر مونغباي 

ويضيف: “أجلس طوال الليل بجانب المضخة، أستمع للمحرك وأتأكد من استمرار تدفق المياه. أي توقف قد يكلفني الموسم بأكمله”.

على بعد 300 كيلومتر جنوبًا على طول النيل من موقع أحمد، يزرع عبد الحفيظ محمد 25 هكتارًا (60 فدانًا) قرب ضفاف النهر وقد فشلت أنظمة الري في جنوب شندي أيضاً بعد عام من انقطاع الري، قرر تركيب نظام ري بالطاقة الشمسية لخدمة جزء من أرضه.

يقول: “ترددنا في البداية بسبب التكلفة العالية وحداثة التجربة”.

كان يعتمد سابقًا على مضخات البنزين لسحب المياه مباشرة من النهر، لكن أسعار الوقود ارتفعت بشكل حاد و أحيانًا لا يتوفر أي وقود مهما كان السعر، لكن الحقول عطشى وتحتاج للماء.

ويضيف: “لم يكن هناك خيار آخر. تولينا حتى مسؤوليات كانت تقع على عاتق الدولة مثل تأمين الوقود وقطع الغيار بأنفسنا”.

أنفق عبد الحفيظ محمد ما يعادل 17,900 دولار على مضخات شمسية تستطيع ري حوالي 6.3 هكتار (15 فدانًا). يقول إن النظام الجديد وفر عليه التكاليف المتقلبة للوقود، لكنه تعلم مواجهة تحديات جديدة.

“أتحقق كل صباح من الألواح الشمسية لضمان تشغيل النظام بشكل صحيح. أحيانًا تتعطل الألواح أو تُسرق، مما يضطرني لإصلاحها بنفسي أو انتظار قطع الغيار. هذا يجعل كل يوم تحدياً جديداً ، لكن التحكم بالمياه يمنحني شعوراً بالاستقرار ويقلل اعتمادنا على الوقود”.

مع تدهور أنظمة الري في مشروع الجزيرة وولاية نهر النيل، لجأ عدد متزايد من المزارعين مثل محمد إلى الطاقة الشمسية.

يسار) ضخ المياه في قناة داخلية في جنوب شندي، ولاية نهر النيل. (يمين) ألواح شمسية تُشغّل نظام الري في جنوب شندي، ولاية نهر النيل. الصور من مونغباي 

محمد الحاج، مدير توريد أنظمة الطاقة الشمسية للسودان لشركة GSB Solar الإماراتية، أخبر موقع Mongabay أن الطلب على منتجات شركته بدأ يرتفع بشكل ملحوظ في أواخر 2021 مع بداية الانقطاعات المتكررة للكهرباء. ويضيف أن الطلب تضاعف بعد 2023، مع تدهور صيانة شبكات الري الحكومية بسبب نقص المعدات الثقيلة، وظهور مشاكل جديدة في الطاقة نتيجة اندلاع الحرب الأهلية.

يشرح محمد الحاج أن التحول للطاقة الشمسية جاء كاستجابة طارئة لتدهور البدائل القائمة. “معظم المشترين لا يسألون عن العائد طويل المدى، كل ما يقولونه: ‘نريد الماء فقط لكي لا نفقد موسماً آخر'”.

لكن تكلفة نظام شمسي قادر على ري ثلاثة فدادين تصل لحوالي 10 ملايين جنيه سوداني (3,500 دولار)، وهو مبلغ ضخم للمزارع الصغير.

وأدى التحول نحو نظم الري الخاصة إلى إبراز الفجوة الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة. المزارعون الذين اشتروا ونصبوا الأنظمة الشمسية هم أساسًا من كبار ملاك الأراضي أو المزارعين المتوسطين الذين باعوا مواشيهم أو أصول أخرى لتغطية التكلفة.

أما المزارعون الصغار محدودو الموارد غالباً ظلوا مستبعدين من هذا التحول، ويشكلون حوالي ثلاثة أرباع المزارعين في مشروع الجزيرة. معظمهم يزرعون المحاصيل الأساسية مثل الذرة الرفيعة، القمح، والبقوليات، لكن القليل منهم يستطيع تحمل التكلفة العالية للأنظمة الشمسية، مما يجعلهم – والإمدادات الغذائية في البلاد – ما زالوا يعتمدون على شبكة القنوات المتدهورة.

تواصل موقع Mongabay مع  محافظ مشروع الجزيرة المهندس إبراهيم مصطفى، لكن لم يتلق الرد حتى وقت النشر.

الصمت الرسمي يعكس غياب أي تواصل من الجهات الرسمية مع كثير من المزارعين في هذا التقرير. يقول أحمد من إمتداد المناقل : “تركنا ندبر أمورنا بأنفسنا. الحكومة تعد، لكن لا يحدث شيء على الأرض “.

بينما تحول المزارعون الأغنياء على طول النيل بشكل متزايد إلى المضخات الشمسية لتأمين المياه لمحاصيلهم، يواجه صغار المزارعين مثل أحمد خيارًا صعبًا: مشاهدة حقولهم تجف أو إيجاد حلول محدودة ومكلفة لإنقاذ محصولهم. بالنسبة لهم، الصراع على الري ليس مجرد مسألة مياه، بل مسألة بقاء وعدالة وقدرة على إعالة أسرهم في ظل أزمة طويلة الأمد.

صمود مزارعي السودان اليوم يواجه تحديات غير مسبوقة ويحتاج إلى دعم عاجل يبدأ بالاستقرار لتوفير الموارد والتقنيات اللازمة للحفاظ على الزراعة وتأمين غذاء الملايين من السودانييين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى