العلمانية في السودان،،تحفظ الأمة وإصرار عبد الواحد ..

يوسف الغوث
في قلب الأزمة السودانية الراهنة، حيث تتدفق دماء حرب لا تلوح لها نهاية، يعود الجدل القديم الجديد حول علاقة الدين بالدولة ليضرب عصب أي تحالف مدني واعد، متجسداً في صدام غير معلن بين رؤية حزب الأمة القومي الوسطية التي تتحفظ على فصل الدين عن الدولة وإصرار عبد الواحد محمد نور على علمانية صارمة،
إن هذا الصدام المرتقب هو ما سيحدد مصير قوى إعلان المبادئ والذي خرج من نيروبي حاملاً وعوداً بخارطة طريق لم تكتمل بعد. للإجابة على تساؤل مستقبل هذا التنسبق في ضوء الجدل التاريخي بين حزب الأمة وعبد الواحد نور حول علمانية الدولة،
وفي هذا الصدد يجب أن نبدأ من الإشكالية الجوهرية التي لم تحل منذ استقلال السودان
هل الدولة تقوم على مرجعية إسلامية أم على فصل تام للدين عن السياسة؟
جذور هذا الصراع تمتد إلى النقاش البرلماني في الستينيات ثم تجسدت بشكل أوضح في ميثاق أسمرا للقضايا المصيرية 1995 الذي وقعه حزب الأمة نفسه وعلى مبادئ تتعارض مع الدولة الدينية، مما يكشف مفارقة تاريخية في موقف الحزب واليوم نجد أن حزب الأمة يتحفظ على صياغة فصل الدين عن الدولة معتبراً إياها مختزلة وخارقة للتوافق الوطني….
في الطرف الآخر يقف عبد الواحد محمد نور زعيم حركة تحرير السودان الذي يصر منذ عقدين على علمانية صارمة يرى فيها الحل الوحيد لحروب السودان، معتبراً أن الإسلام السياسي هو سبب كل المشكلات ومستعداً لمناظرات علنية حول تحويل الدين إلى علاقة شخصية لا شأن للدولة بها.
بين هذين القطبين تحاول قوى إعلان المبادئ في نيروبي مايو 2026 أن تقدم نفسها ككتلة ثالثة جامعة، لكنها عندما وضعت فصل الدين عن الدولة في وثيقة خارطة الطريق كخط أحمر غير قابل للنقاش، وضعت نفسها في مواجهة مباشرة مع حزب الأمة الذي أعلن دعمه العام للميثاق لكنه تمسك بتحفظه القاطع على هذه العبارة، مؤكداً أن قضايا الهوية لا تحسم بهذا الاختزال بل يتم تداولها في مؤتمر دستوري شامل بعد انتهاء الحرب.
هذا الصراع بين رؤية لا ترى مستقبلاً للسودان دون علمانية كاملة، ورؤية أخرى ترى أن العلمانية بهذا الشكل هي بمثابة قنبلة موقوتة ستفجر الجبهة المدنية من الداخل، وربما ستحدد مصير التحالف المستقبلي بشكل حاسم
فإذا أصرت الكتلة الثالثة على موقفها المتشدد المتقارب مع رؤية عبد الواحد نور، فسيضطر حزب الأمة إما إلى الانسحاب الكامل وإضعاف قوي اعلان المبادئي بشكل يجرده من ثقله الشعبي ،، أو إلى تجميد عضويته ومن ثم يتم تحويله إلى حليف غير موثوق،

وإذا نجح العقلاء من الطرفين بتأجيل هذا البند إلى ما بعد الحرب تحت ضغط الأولوية القصوى لإنهاء الحرب الحالية، فسيبقى وضع قوي إعلان المبادئ ممسوكاً بخيط رفيع،
لكن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو أن يظل الوضع قائماً شكلياً مع خلاف مجمد، وفي كلتا الحالتين سيستفيد طرفا الحرب ،، الجيش والدعم السريع ،، من هذا الانقسام الهوياتي ليؤكدا أن القوى المدنية غير قادرة على الحكم أو الاتفاق على شكل الدولة، وبالتالي يبرران استمرارهما في السلطة باسم حماية الدين أو حماية الدولة من الفوضى العلمانية،
وهكذا يتكرر الدرس السوداني القديم ،،كلما اقتربت القوى المدنية من توافق حقيقي، عادت قضية الدين والدولة لتعيد إنتاج الانقسام نفسه، وإلى أن تقدم هذه القوى صياغة ثالثة تتجاوز ثنائية العلماني والإسلامي، فإن مستقبل قوي اعلان المباديء سيبقى معلقاً بين وعد نيروبي ويأس الخرطوم….





