البرهان و«ميدل إيست آي».. هل كشف النفي ما حاول إخفاءه؟

أفق جديد
في عالم السياسة، لا تكون أهمية الخبر دائماً فيما يقال، بل أحياناً فيما يُنفى. فالنفي السياسي، خصوصاً عندما يصدر بسرعة وبحسم، قد يتحول إلى حدث لا يقل أهمية عن المعلومة الأصلية التي استدعته. ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى الجدل الذي أثاره التقرير الذي نشرته منصة Middle East Eye البريطانية بشأن تصريحات منسوبة للقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح البرهان حول إمكانية فتح صفحة جديدة مع دولة الإمارات العربية المتحدة.
فبعد ساعات من نشر التقرير، سارعت السلطات السودانية إلى نفي ما ورد فيه بصورة قاطعة، مؤكدة أن البرهان لم يدلِ بمثل تلك التصريحات. وبدا للوهلة الأولى أن القضية لا تتجاوز خلافاً معتاداً بين مؤسسة إعلامية ومسؤول سياسي. غير أن وضع التقرير في سياقه السياسي والإقليمي الأوسع يكشف أن المسألة ربما تتجاوز مجرد سؤال: هل قال البرهان ذلك أم لم يقله؟
فالتقرير لم يظهر في فراغ، ولم يأتِ في توقيت عشوائي، كما أن النفي نفسه جاء وسط سلسلة من التحركات الإقليمية والرسائل السياسية التي تجعل من الصعب التعامل معه باعتباره حادثة معزولة عن المشهد العام.
ماذا قال التقرير؟
بحسب ما نشرته المنصة البريطانية، فإن البرهان أبدى استعداداً للدخول في حوار مع الإمارات إذا أوقفت دعمها لقوات الدعم السريع واحترمت سيادة السودان ووحدة أراضيه. كما تحدث التقرير عن وساطات وتحركات خليجية هدفت إلى تقريب وجهات النظر بين الجانبين بعد فترة طويلة من التوتر غير المسبوق في العلاقات.
التقرير لم يتحدث عن اتفاق نهائي أو مصالحة وشيكة، بل تحدث عن استعداد مشروط للحوار وعن وجود قنوات وجهود تعمل في هذا الاتجاه. لكن مجرد الإشارة إلى احتمال حدوث مثل هذا التقارب كانت كافية لإثارة جدل واسع داخل السودان، حيث أصبحت العلاقة مع الإمارات واحدة من أكثر الملفات حساسية منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.
وسرعان ما صدر النفي الرسمي، لينقل الجدل من مضمون التقرير إلى مصداقيته. لكن حتى بعد النفي، ظل السؤال قائماً: لماذا بدا التقرير منسجماً إلى هذا الحد مع التطورات السياسية التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الأخيرة؟
جولة خليجية
خلال الأشهر الماضية كثف البرهان تحركاته الخارجية بصورة لافتة، وشملت زيارات إلى المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان ومملكة البحرين، إضافة إلى اتصالات ومشاورات إقليمية متعددة.
ورغم أن البيانات الرسمية ركزت على تعزيز العلاقات الثنائية ومناقشة تطورات الأزمة السودانية، فإن مراقبين رأوا في هذه الجولة ما هو أبعد من مجرد زيارات بروتوكولية.
فالدول الثلاث التي زارها البرهان تمتلك علاقات وثيقة، وإن كانت متفاوتة، مع الإمارات، كما أنها تنتهج سياسات قائمة على الوساطة واحتواء النزاعات الإقليمية. ولذلك بدا منطقياً أن تثار تساؤلات حول ما إذا كانت هذه العواصم قد لعبت، أو تحاول لعب، دور في تخفيف حدة التوتر بين الخرطوم وأبوظبي.
ولا يمكن تجاهل أن الحرب السودانية نفسها تحولت منذ وقت مبكر إلى ملف إقليمي معقد تتداخل فيه مصالح العديد من الدول. ومن ثم فإن أي محاولة لصياغة تسوية أو حتى تخفيف التوترات المحيطة بالنزاع لا يمكن أن تتجاهل العلاقة بين السودان والإمارات.
من هنا اكتسبت الإشارات الواردة في تقرير Middle East Eye وزناً إضافياً، ليس لأنها قدمت أدلة قاطعة على وجود تفاوض، بل لأنها جاءت منسجمة مع اتجاه عام بدأت ملامحه تظهر تدريجياً في المنطقة.
لغز الأيام الأربعة
ومن الوقائع التي لفتت انتباه متابعين للشأن السوداني غياب البرهان عن الظهور العلني لعدة أيام عقب عودته من سلطنة عمان، قبل أن يعاود الظهور مجدداً في نشاط رسمي.
وبالطبع لا يمكن اعتبار هذا الغياب دليلاً على وجود مفاوضات سرية أو ترتيبات سياسية بعينها، لكن توقيته كان كافياً لإثارة التساؤلات، خصوصاً أنه جاء بعد جولة إقليمية مهمة وفي ظل أحاديث متزايدة عن جهود وساطة وتحركات خلف الكواليس.
وفي التجارب السياسية المشابهة كثيراً ما تكون المفاوضات الأكثر حساسية هي تلك التي لا يُعلن عنها. كما أن مراجعة نتائج اللقاءات الإقليمية وتقييم تداعياتها داخل دوائر صنع القرار قد تستغرق وقتاً قبل أن تتحول إلى مواقف رسمية قابلة للإعلان.
ولذلك فإن أهمية هذه الواقعة لا تكمن في الغياب ذاته، وإنما في كونها جزءاً من سلسلة مؤشرات دفعت كثيرين إلى الاعتقاد بأن شيئاً ما كان يجري بعيداً عن الأضواء.
تراجع الحملات الإعلامية
لكن المؤشر الأكثر وضوحاً ربما لا يتعلق بالزيارات أو اللقاءات، وإنما بطبيعة الخطاب السياسي والإعلامي.
فمنذ اندلاع الحرب ظلت الإمارات هدفاً لحملات سياسية وإعلامية مكثفة داخل السودان. ووجهت إليها اتهامات متكررة بدعم قوات الدعم السريع، وتحولت إلى محور رئيسي في خطاب العديد من القوى السياسية والتنظيمات الداعمة للجيش.
وبلغ التصعيد ذروته مع لجوء السودان إلى المؤسسات الدولية ورفع شكاوى واتهامات رسمية، بينما كانت المنصات الإعلامية القريبة من السلطة تخصص مساحات واسعة لمهاجمة أبوظبي بشكل شبه يومي.
غير أن المشهد بدأ يتغير تدريجياً خلال الفترة الأخيرة.
فالحملات التي كانت تنطلق من الخرطوم وبورتسودان تراجعت بصورة ملحوظة. ولم تعد الإمارات تحتل المساحة نفسها في الخطاب الإعلامي والسياسي كما كان الحال قبل أشهر. كما انخفضت وتيرة التصريحات الحادة والاتهامات المباشرة مقارنة بالفترة السابقة.
وقد يرى البعض أن هذا التراجع طبيعي في ظل تطورات الحرب وتغير الأولويات العسكرية، لكن مراقبين آخرين يعتقدون أن انخفاض مستوى التصعيد الإعلامي غالباً ما يكون مؤشراً مبكراً على وجود رغبة سياسية في تخفيف التوتر.
ففي العلاقات الدولية نادراً ما تبدأ المصالحات بالبيانات الرسمية. وغالباً ما تسبقها مرحلة تهدئة إعلامية وإعادة ضبط للخطاب العام تمهيداً لفتح قنوات تواصل أكثر مرونة.
اتصالات لم تنقطع
وفي الأثناء حاولت “أفق جديد” استجلاء الموقف بالتواصل مع الأطراف، وكشف إعلامي إماراتي مقرب من دوائر القرار في بلاده أن الاتصالات بين أبوظبي وبورتسودان لم تنقطع طوال الفترة الماضية إلا لفترات قصيرة.
وقال الإعلامي في حديث لـ”أفق جديد” إن الإمارات “لا تتمنى للسودان وشعب السودان إلا كل الخير”، مشيراً إلى أن الخلافات السياسية لم تمنع استمرار الجهود الإنسانية الإماراتية تجاه السودانيين.
وأضاف أن عدداً من سفن المساعدات الإنسانية واصل الوصول إلى السودان خلال فترة التوتر السياسي، مؤكداً أن أبوظبي ظلت تنظر إلى الشعب السوداني بمعزل عن الخلافات السياسية القائمة.
ورغم نفيه امتلاك معلومات مباشرة حول وجود مفاوضات بين الجانبين، فإنه لم يستبعد حدوث مثل هذه الاتصالات، مضيفاً أن ما يشوب العلاقات بين البلدين “أمر عارض وهو إلى زوال”.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة لأنها تتقاطع مع حقيقة معروفة في العلاقات الدولية، وهي أن القنوات الخلفية نادراً ما تغلق بشكل كامل حتى في أوقات الأزمات الحادة. فالدول قد تتبادل الاتهامات علناً، لكنها غالباً ما تبقي خطوط التواصل مفتوحة لأسباب تتعلق بالأمن والمصالح المشتركة وإدارة الأزمات.
اتصال لم يحظ بالاهتمام الكافي
ويشير الإعلامي الإماراتي إلى محطة مهمة كثيراً ما يتم تجاهلها في خضم السجال السياسي، وهي الاتصال الهاتفي الذي جرى بين البرهان ورئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في 18 أبريل 2024.
في ذلك الاتصال اتفق الطرفان على العمل من أجل تجاوز الخلافات والحفاظ على العلاقات التاريخية بين البلدين.
ورغم أن الاتصال لم يؤدِ إلى اختراق واضح في الأزمة، فإنه حمل دلالة سياسية مهمة. فمجرد حدوث التواصل المباشر بين أعلى مستوى قيادي في البلدين عكس وجود إدراك مشترك بأن القطيعة الكاملة ليست خياراً عملياً.
كما أن هذا الاتصال جاء في وقت كانت فيه الحرب السودانية في ذروة تعقيداتها، ما يعني أن الطرفين كانا يدركان أهمية الإبقاء على الحد الأدنى من التواصل مهما بلغت حدة الخلافات.
فك العزلة
وفي الاتجاه ذاته قال مصدر سوداني رفيع فضل عدم الكشف عن هويته إن عدداً من المبادرات السياسية والدبلوماسية يجري العمل عليها بالتوازي لإعادة السودان إلى وضعه الطبيعي بعد سنوات من الاضطرابات والحرب.
وأوضح المصدر أن نجاح هذه المبادرات يتطلب معالجة التوترات التي نشأت بين السودان وعدد من الدول المؤثرة في الإقليم، مضيفاً أن أي مشروع لإعادة الإعمار أو استعادة الاستقرار الاقتصادي لن يكون قابلاً للحياة إذا ظل السودان في حالة صدام مع محيطه الإقليمي.
ويرى المصدر أن جزءاً كبيراً من الجهد السياسي الجاري حالياً يتركز على إعادة بناء شبكة العلاقات الخارجية التي تضررت خلال سنوات الحرب، باعتبار أن السودان يحتاج إلى بيئة إقليمية مستقرة أكثر من أي وقت مضى.
وهذه الرؤية تبدو منطقية إذا ما أخذنا في الاعتبار حجم التحديات التي تواجه البلاد. فالسودان الخارج من حرب مدمرة يحتاج إلى استثمارات ومساعدات وإعادة إعمار ودعم سياسي ودبلوماسي واسع. ومن الصعب تحقيق ذلك في ظل استمرار التوتر مع قوى إقليمية فاعلة.
ما وراء النفي
في ضوء كل هذه المعطيات يبدو الجدل حول تقرير Middle East Eye أكبر من مجرد خلاف بين منصة إعلامية ورئيس دولة.
فالتقرير اكتسب أهميته لأنه جاء منسجماً مع سلسلة من المؤشرات المتراكمة: جولة خليجية واسعة، أحاديث عن وساطات إقليمية، تراجع في حدة الحملات الإعلامية ضد الإمارات، استمرار الاتصالات بين الجانبين، ووجود إدراك متزايد داخل السودان بأن إعادة بناء الدولة تتطلب إعادة بناء العلاقات الخارجية أيضاً.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن ما نشرته المنصة صحيح بالكامل أو أن النفي الرسمي غير صحيح. فالسياسة ليست دائماً ساحة للحقائق المطلقة. وقد يكون ما يجري خلف الأبواب المغلقة مختلفاً عما يمكن إعلانه للرأي العام في هذه المرحلة.
لكن ما يبدو واضحاً هو أن العلاقة بين الخرطوم وأبوظبي دخلت مرحلة مختلفة عن تلك التي سادت خلال العامين الماضيين. فحتى لو لم تكن هناك مفاوضات مباشرة اليوم، فإن كثيراً من المؤشرات توحي بأن هناك إدراكاً متبادلاً بأن استمرار القطيعة والتصعيد لا يخدم مصالح أي من الطرفين.
ولهذا ربما لا يكون السؤال الأهم هو: هل قال البرهان ما نُسب إليه أم لا؟ بل سؤال آخر أكثر عمقاً: هل بدأت بالفعل عملية بطيئة لإعادة تطبيع العلاقات بين السودان والإمارات؟
الإجابة النهائية ربما لا تزال قيد التشكل. لكن المؤكد أن ما يجري خلف الكواليس أصبح أكثر أهمية مما يقال على المنابر، وأن النفي الذي كان يفترض أن يطوي القصة قد يكون، على العكس، قد فتح الباب أمام أسئلة أكبر حول مستقبل العلاقات بين البلدين ومسار الترتيبات الإقليمية المحيطة بالحرب السودانية.





