النغم في ركام التفرقة.. هل نستعيد سودان عائشة الفلاتية وشرحبيل أحمد؟ 

أحمد عثمان محمد المبارك 

يتمثل الوجدان السوداني كأحد أكثر النماذج فرادة في تشكيل الهوية عبر بوابة الفن، حيث كانت الموسيقى والطرب بمثابة البوتقة التي انصهرت فيها المكونات العرقية والثقافية المتباينة لتمتزج في هوية واحدة جامعة عرفت بالسودانوية. ففي عقود السودان الذهبية، كان الفن يمارس دور المصهر الاجتماعي بامتياز، فلم يكن المستمع حينها ينشغل بشجرة نسب شرحبيل أحمد وهو يبتكر روك النيل، ولم يتوقف أحد عند أصول عائشة الفلاتية وهي تلهب الحماس بوطنياتها، أو يستشعر الحزن الشفيف في صوتي رمضان حسن ورمضان زايد. لقد كان المقياس الوحيد هو الأداء والإبداع، حيث انتمى الفنان لجمهوره دون وسيط قبلي، وصاغت أغاني الحقيبة والأغنية الحديثة لغة عاطفية مشتركة وحدت الوجدان من نمولي إلى حلفا، لتصبح مؤسسة الفن رمزاً للمواطنة ولروح المدينة السودانية الصاعدة التي تذوب فيها الفوارق الضيقة.

إلا أن هذه المسيرة المتناغمة تعرضت لشرخ عميق ومنهجي خلال عقود حكم الإنقاذ، حيث أدرك النظام أن قوة السودانيين تكمن في نسيجهم الاجتماعي المتماسك، فانتهج استراتيجية مضادة قامت على ترييف المدن بدلاً من تمدين الريف، وعمل بجد على تفكيك الرابطة الوطنية لإحلال الولاءات القبلية والجهوية مكانها. ومن خلال سياسة فرق تسد جرى إحياء القبلية كأداة سياسية، فأصبحت القبيلة هي البوابة الوحيدة لنيل الحقوق والمناصب بدلاً من المواطنة، وتحولت الإدارة الأهلية إلى كيانات مسيسة تدين بالولاء للنظام، مما دفع الفرد للبحث عن الحمايه والرزق داخل إطار قبيلته لا دولته.

تزامن ذلك مع ماكينة إعلامية وسياسية مارست فرزاً عرقياً ومناطقياً حاداً، وصلت إلى حد التشكيك في سودانوية مجموعات كاملة كانت ركيزة أساسية في الفن والرياضة والسياسة. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل جرى ضرب الرموز القومية وإهمال الثقافة بدعاوى التوجه الحضاري، مما خلق فراغاً وجدانياً شوهته النعرات القبلية والفخر الأجوف بالأنساب على حساب الإنجاز الوطني. وما نشهده اليوم من استقطاب حاد واقتتال أهلي ما هو إلا الثمرة المرة لثلاثين عاماً من التجريف المنهجي، حيث تحول التنوع من مصدر ثراء إلى خنجر مسموم في خاصرة الوطن، وتآكل الانتماء للدولة لصالح الكيانات الجهوية والقبلية.

إن استحضار أسماء مثل رمضان حسن وعائشة الفلاتية في زماننا هذا يتجاوز مجرد الحنين إلى الماضي؛ إنه استدعاء لنموذج السودان الذي كان ممكناً، ذلك الوطن الذي يحتفي بالإنسان لإبداعه وقيمته المجردة لا لأصله وفصله. وتظل معركة استعادة الوعي القومي رهينة بإدراك حجم جريمة الهندسة الاجتماعية التي استهدفت تمزيق الروح السودانية، والعودة مجدداً لاستلهام تلك الروح التي تجعلنا نستمع للفنان بقلوبنا، دون أن نسأل عن قبيلته، مدركين تمام الإدراك أن صوته هو الصدى الحقيقي لتراب هذا الوطن بكل أطيافه وتعدداته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى