من الحرب إلى الدولة .. العقد الاجتماعي صمام أمان (2-2) أزمة السودان بدأت بالفشل في الاتفاق على طبيعة الدولة

شمس الدين ضو البيت: ثورة ديسمبر قدمت أول مسودة متكاملة للعقد الاجتماعي

عائشة حمد: غياب العقد الاجتماعي الدافع الرئيسي لحمل السلاح في السودان

عامر الحاج: ليس وثيقة بين النخب بل منظومة تضمن خضوع القوة لسلطة الدولة

ناقش الجزء الأول  من سلسلة “من الحرب إلى الدولة.. العقد الاجتماعي صمام أمان السودان”، التي تنظمها “أفق جديد” عبر تطبيق زووم، الأسس العامة لإعادة تأسيس الدولة السودانية، من خلال رؤى رئيس الوزراء السابق الدكتور عبد الله حمدوك والأستاذ إمام الحلو، اللذين تناولا مفهوم العقد الاجتماعي بوصفه الإطار الذي يمكن أن يخرج السودان من دوامة الحرب والانقلابات والتهميش إلى دولة مدنية ديمقراطية تنموية، تتواصل في هذه الحلقة الثانية رحلة البحث في الجذور الفكرية والتاريخية والسياسية للأزمة السودانية.

وينتقل النقاش في هذه  الجزء من عرض المبادئ العامة إلى تفكيك الأسئلة الأكثر تعقيداً: لماذا أخفقت الدولة السودانية منذ الاستقلال في بناء مشروع وطني جامع؟ وهل كانت الأزمة في غياب الدساتير والاتفاقات، أم في طبيعة الدولة التي أُقيمت، وفي علاقة المركز بالأقاليم، والدين بالدولة، والمؤسسة العسكرية بالمجتمع؟ ومن يملك حق صياغة العقد الاجتماعي الجديد، وما الشروط التي تجعل هذا العقد قابلاً للحياة والاستمرار؟

ويشارك في هذا الجزء ثلاثة متحدثين يمثلون زوايا نظر مختلفة. إذ يقدم مؤسس ومدير مشروع الفكر الديمقراطي والقراءة من أجل التغيير، الدكتور شمس الدين ضو البيت، قراءة تاريخية لمسار الدولة السودانية، ويرى أن ثورة ديسمبر 2018 قدمت لأول مرة مسودة متكاملة لعقد اجتماعي جديد، بينما تناقش الباحثة والأكاديمية والناشطة في قضايا النوع الاجتماعي عائشة حمد جذور الإقصاء السياسي والاقتصادي والثقافي والنوعي، معتبرة أن السودان لم يؤسس أصلاً لعقد اجتماعي شاركت في صياغته جميع مكوناته. أما الناشط السياسي الأستاذ عامر الحاج، فيقدم مقاربة مختلفة تنطلق من أن نجاح أي عقد اجتماعي لا يتوقف على جودة النصوص، وإنما على خضوع القوة المسلحة لسلطة الدولة، وقيام إصلاح أمني وعسكري شامل يسبق أي تسوية سياسية.

وتأتي هذه الحلقة استمراراً للحوار الوطني الذي أطلقته أفق جديد حول مستقبل الدولة السودانية، انطلاقاً من قناعة بأن وقف الحرب لا يكفي وحده لبناء السلام، وأن إعادة تأسيس الدولة تتطلب توافقاً وطنياً جديداً يعالج جذور الأزمة التي ظلت تعيد إنتاج نفسها منذ الاستقلال.

أفق جديد

أدار حلقة النقاش الطاهر بدر الدين

رصد أم سلمى العشا

اعتبر مؤسس ومدير مشروع الفكر الديمقراطي والقراءة من أجل التغيير، الدكتور شمس الدين ضو البيت، أن ثورة ديسمبر 2018 مثلت أول تعبير عملي عن مسودة متكاملة لعقد اجتماعي سوداني جديد، مؤكداً أن الثورة لم تطرح شعارات سياسية فحسب، وإنما قدمت منظومة قيم وممارسات يمكن البناء عليها لإعادة تأسيس الدولة السودانية.

وقال ضو البيت إن ثورة ديسمبر تميزت عن جميع الثورات والانتفاضات السابقة بأنها كانت الأكثر انتشاراً واتساعاً في تاريخ السودان، إذ شاركت فيها المدن والقرى والبلدات في مختلف أنحاء البلاد، كما امتد تأثيرها إلى المناطق التي كانت خارج سيطرة الدولة، بما في ذلك مناطق الحركة الشعبية في كاودا، حيث خرجت التظاهرات في توقيت واحد وهي ترفع شعار الثورة: “حرية، سلام، وعدالة.. والثورة خيار الشعب”، دون توجيه من سلطة أو تنظيم، وهو ما يعكس، بحسب تعبيره، أن الثورة نجحت في إنتاج وجدان وطني مشترك تجاوز الانقسامات السياسية والجغرافية.

وأوضح أن ما يحتاجه السودان اليوم ليس إعادة إنتاج اعتصام القيادة العامة أو اعتصامات نيرتتي وكتم والأبيض من حيث الشكل، وإنما تعميم القيم والسلوكيات وأنماط التعايش التي سادت داخل تلك الاعتصامات، لأنها مثلت نموذجاً مصغراً للمجتمع الذي يتطلع إليه السودانيون، ويمكن أن تشكل الأساس الحقيقي للعقد الاجتماعي الجديد.

وعرف ضو البيت العقد الاجتماعي بأنه توافق سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي بين سكان دولة أو مجتمع معين، ينقلهم من حالة الصراع والاحتراب وعدم الاستقرار إلى حالة يسودها الأمن وتتوافر فيها مقومات الحياة الكريمة، دون أن يكون ذلك على حساب الحريات المدنية والسياسية، مؤكداً أن العقد الاجتماعي الحقيقي يجمع بين الأمن والخبز والحرية، ولا يضحي بأحدها لصالح الآخر.

وأشار إلى أن التجربة السودانية ظلت لعقود طويلة أسيرة معادلة خاطئة، حيث كانت الحكومات الديمقراطية تبرر ضعف الأداء الاقتصادي بالتركيز على الحريات السياسية، بينما كانت الأنظمة العسكرية تطالب المواطنين بالتنازل عن الحريات بحجة توفير التنمية والخدمات.

وأضاف أن هذه الثنائية صاحبت الدولة السودانية منذ سنوات الاستقلال الأولى، فرفعت الحكومات الديمقراطية شعارات من قبيل “تحرير لا تعمير”، بينما تبنت الأنظمة العسكرية شعارات تنموية مثل “احكموا علينا بأعمالنا” في عهد الفريق إبراهيم عبود، و”سلة غذاء العالم” في عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري، و”نأكل مما نزرع” في عهد نظام الإنقاذ، إلا أن النتيجة النهائية كانت واحدة، إذ انتهت التجارب الديمقراطية دون أن تحقق الاستقرار، بينما انتهت الأنظمة العسكرية إلى أزمات اقتصادية ومجاعات وانهيارات معيشية.

وأكد أن جوهر العقد الاجتماعي الجديد يتمثل في الجمع بين الأمن والحرية والتنمية في آن واحد، معتبراً أن شعارات ثورة ديسمبر الثلاثة “حرية، سلام، وعدالة” عبرت بصورة دقيقة عن هذا المعنى، فالسلام يمثل الأمن، والعدالة تعني توفير الخبز والحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فيما تمثل الحرية الضمانة الأساسية لصون الحقوق المدنية والسياسية.

وأوضح أن عدداً من الدول الإفريقية التي نالت استقلالها في ظروف مشابهة للسودان، مثل غانا ونيجيريا، نجحت منذ وقت مبكر في الوصول إلى توافقات وطنية حول شكل الدولة ودساتيرها الدائمة، الأمر الذي وفر لها أساساً مستقراً لإدارة الخلافات السياسية، بينما ظل السودان عاجزاً عن الوصول إلى مثل هذا التوافق منذ الاستقلال.

وأشار إلى أن الدستور يمثل الإطار الذي يحتضن العقد الاجتماعي، فهو “بيت العقد الاجتماعي” الذي تنظم داخله قضايا الأمن والتنمية والحريات، لافتاً إلى أن معظم الدول واجهت تحديات الفقر والتنوع والانقسامات الاجتماعية، لكنها استطاعت تجاوزها عبر التوافق على عقد اجتماعي جامع.

واستعرض ضو البيت بدايات الأزمة الدستورية في السودان، موضحاً أنه خلال أعمال لجنة الدستور عام 1957 تقدم رئيس اللجنة أحمد خير بمقترح ينص على أن تكون طبيعة الدولة جمهورية برلمانية موحدة، قبل أن يطرح ميرغني نصري مقترحاً بإنشاء جمهورية إسلامية موحدة انطلاقاً من كون غالبية السكان يدينون بالإسلام، بينما تقدم ممثل الجنوب ستانسلاوس بياساما برؤية مختلفة دعا فيها إلى إقامة جمهورية فيدرالية ديمقراطية، محذراً من أن الدولة الدينية ستجعل قطاعات واسعة من السودانيين تشعر بالغربة داخل وطنها.

وأوضح أن تلك اللحظة كانت تمثل أول اختبار حقيقي لبناء عقد اجتماعي سوداني، غير أن القوى السياسية لم تتمكن من التوصل إلى صيغة توافقية تجمع بين هذه الرؤى المختلفة، الأمر الذي أدى إلى بقاء الخلاف حول طبيعة الدولة دون حسم.

وأضاف أن الديمقراطية الوليدة لم تمهل نفسها الوقت الكافي للوصول إلى هذا التوافق، إذ انتهت بانقلاب نوفمبر 1958، لينتقل الصراع من قاعات البرلمان إلى ساحات القتال، ويتحول الحوار السياسي إلى صراع تحسمه البنادق والدبابات، وهو المسار الذي ظل السودان يدور في حلقته حتى اليوم.

ورأى أن جذور الأزمة السودانية لا تزال تدور حول السؤال نفسه الذي طُرح قبل ما يقارب سبعة عقود: هل تكون الدولة السودانية جمهورية برلمانية موحدة، أم جمهورية إسلامية، أم جمهورية فيدرالية ديمقراطية؟

وأكد أن الدولة البرلمانية والنظام الفيدرالي لا يتعارضان مع فكرة العقد الاجتماعي، بل يمثلان جزءاً من أدواته، بينما ظل المشروع القائم على الدولة الدينية يمثل العنصر الأكثر إثارة للانقسام، لأن عدم التوافق حوله أدى إلى تعميق الأزمات الوطنية واستمرار الحرب التي امتدت لعقود طويلة.

وشدد ضو البيت على أن المشكلة لا تكمن في الإسلام باعتباره ديناً، وإنما في توظيف الدين سياسياً لإدارة الدولة، موضحاً أن الفكر السياسي الديني، بحسب رؤيته، لا يقوم على مبدأ المواطنة المتساوية، وإنما يؤسس لنظام قانوني يميز بين المواطنين وفق الانتماء الديني، ويخلق درجات متفاوتة في الحقوق والواجبات، الأمر الذي يقوض أسس الدولة الوطنية الجامعة ويحول دون الوصول إلى عقد اجتماعي يحظى بقبول جميع السودانيين.

وأكد الدكتور شمس الدين ضو البيت أن الإشكالية الجوهرية في السودان ليست في الإسلام كدين، وإنما في توظيف الدين سياسياً وإقامة الدولة على أساس الفكر الديني، موضحاً أن الإسلام في جوهره يؤكد مبدأ المساواة بين البشر، مستشهداً بقوله تعالى: “يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة”، وقوله تعالى: “فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره”، غير أن الفكر السياسي الديني، بحسب رؤيته، لا يؤسس لدولة المواطنة المتساوية، وإنما يقوم على منظومة تشريعية تمنح المواطنين درجات متفاوتة في الحقوق والواجبات وفق الانتماء الديني أو النوع أو غيرهما، الأمر الذي أنتج انحيازات ثقافية وإثنية ظلت تشكل أحد أبرز أسباب الأزمة السودانية.

وقال إن هذه الاختلالات التاريخية أفرزت خمس أزمات رئيسية أصبحت تمثل جوهر الأزمة الوطنية، وهي في الوقت نفسه المحاور التي ينبغي أن يعالجها العقد الاجتماعي الجديد إذا أريد له أن يؤسس لدولة مستقرة وقابلة للحياة.

وأوضح أن أول هذه المحاور يتمثل في العلاقة بين الدين والدولة، معتبراً أن غياب صيغة متوازنة لهذه العلاقة ترك آثاراً عميقة على مفهوم المواطنة، وأسهم في تكريس الانقسامات بين مكونات المجتمع السوداني، كما تداخل مع الإرث التاريخي للاسترقاق والتمييز والعنصرية، وهي ممارسات خلفت جروحاً عميقة وأنتجت أزمة هوية ما تزال تلقي بظلالها على الواقع السوداني حتى اليوم.

وأضاف أن المحور الثاني يتعلق بطبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والمجتمع، مشيراً إلى أن قوات دفاع السودان عند تأسيسها كان يفترض أن تكون مؤسسة وطنية مهمتها حماية البلاد وخدمة المجتمع، غير أن التطورات اللاحقة أفرزت، بحسب تعبيره، ثقافة عسكرية قامت على الاعتقاد بأفضلية المؤسسة العسكرية على المجتمع المدني، وأن الضابط أحق بإدارة الدولة من المواطن، وهو ما مهد الطريق لتكرار الانقلابات العسكرية وإضعاف المسار الديمقراطي.

وأشار إلى أن استمرار هيمنة المؤسسة العسكرية على المجالين السياسي والاقتصادي أوجد علاقة غير متوازنة بين الدولة والمجتمع، وأسهم في إضعاف المؤسسات المدنية وتعطيل تطور الحياة الديمقراطية.

ورأى أن المحور الثالث يتمثل في الاختلال التاريخي في العلاقة بين الريف والحضر، موضحاً أن الإدارة الاستعمارية لم يكن هدفها تنمية السودان، وإنما استغلال موارده لخدمة الاقتصاد البريطاني وتوفير المواد الخام للصناعة في لانكشير، ولذلك ركزت الاستثمارات والخدمات في مناطق محددة تخدم الإدارة الاستعمارية، بينما تُركت غالبية الأقاليم الريفية خارج عملية التنمية، وهو إرث استمرت الحكومات الوطنية في إعادة إنتاجه بعد الاستقلال.

وأكد أن هذا الاختلال أدى إلى اتساع الفجوة الاقتصادية والتنموية بين الريف والمدن، وظلت قطاعات واسعة من المواطنين تعاني التهميش وضعف الخدمات الأساسية وفرص التنمية.

وأضاف أن المحور الرابع يتعلق بالعلاقة بين المركز والأقاليم، موضحاً أن الدولة السودانية ظلت شديدة المركزية في إدارة السلطة والموارد، الأمر الذي عمق الشعور بالتهميش في الأطراف، واستشهد في هذا السياق بقرار تحويل العملة من الجنيه إلى الدينار خلال سنوات حكم الإنقاذ، قائلاً إن نحو 65 في المائة من الكتلة النقدية جرى تحويلها داخل الخرطوم، بما يعكس حجم التركز المالي والإداري في العاصمة على حساب بقية أنحاء البلاد.

وأكد أن هذه الاختلالات مجتمعة قادت إلى النتائج التي يعيشها السودان اليوم، من حروب ممتدة، وانفصال جنوب السودان، واستمرار التبعية الإقليمية والدولية، معتبراً أنها تمثل حصيلة طبيعية لفشل الدولة في بناء عقد اجتماعي عادل ومتوازن.

وأوضح أن ثورة ديسمبر لم تكتف برفع شعارات سياسية، وإنما قدمت، من خلال شعاراتها وممارساتها، معالجات عملية لهذه الاختلالات التاريخية، ووضعت ما وصفه بالمسودة الأولى للعقد الاجتماعي الجديد.

وأشار إلى أن شعار “صوت المرأة ثورة وليست عورة” لم يكن مجرد شعار مرتبط بحقوق النساء، وإنما كان احتجاجاً مباشراً على الرؤية التي تمنح المرأة مواطنة منقوصة، مؤكداً أن أحد أهم مرتكزات الدستور الجديد يجب أن يكون الفصل الواضح بين الدين والدولة، بما يضمن قيام منظومة قانونية تستند إلى المواطنة المتساوية، لا إلى التصنيفات الدينية أو النوعية أو الفكرية.

وأضاف أن الثورة قدمت أيضاً نموذجاً مختلفاً للعلاقة بين مكونات المجتمع السوداني، حيث ساد داخل ساحات الاعتصام احترام متبادل وتعايش سلمي بين مختلف المجموعات، وهو نموذج ينبغي تعميمه في إدارة التنوع اللغوي والثقافي والإثني، باعتباره أحد أهم أسس الدولة الجديدة.

وشدد على أن بناء الدولة المدنية الديمقراطية يتطلب كذلك إصلاحاً شاملاً للمؤسسة العسكرية، يضمن ابتعادها الكامل عن العمل السياسي والاقتصادي، وحصر دورها في حماية البلاد والدستور، مع إخضاعها بصورة كاملة للسلطات المدنية المنتخبة، معتبراً أن هذه العملية ستكون معقدة وشاقة، لكنها تمثل شرطاً أساسياً لاستقرار الدولة السودانية.

وفي الجانب الاقتصادي، دعا إلى معالجة الاختلالات التاريخية بين الريف والحضر من خلال تطوير القطاع التقليدي، خاصة الزراعة المطرية والرعي، باعتبارهما يشكلان مصدر الرزق الأساسي لملايين السودانيين، إلى جانب إنصاف المرأة الريفية وإعطائها موقعاً متقدماً في خطط التنمية، واعتماد مفهوم التنمية المتوازنة بوصفه أساساً لتوزيع الموارد والاستثمارات.

أما فيما يتعلق بالعلاقة بين المركز والأقاليم، فقد دعا إلى تبني نموذج الفيدرالية التنموية التكاملية، بما يضمن توزيعاً عادلاً للسلطة والثروة بين مختلف أنحاء السودان، ويعزز قدرة الأقاليم على إدارة شؤونها في إطار الدولة الواحدة.

واختتم ضو البيت مداخلته بالتأكيد على أن إنجاز هذا المشروع يتطلب عقد مؤتمر قومي تشارك فيه جميع شعوب السودان وقواه السياسية والاجتماعية، مع إعطاء الدور الأكبر للشباب الذين صنعوا ثورة ديسمبر، باعتبار أنهم، بحسب تعبيره، أصحاب أول مسودة حقيقية للعقد الاجتماعي الجديد، والأكثر قدرة على تحويلها إلى مشروع وطني يؤسس لدولة سودانية جديدة قائمة على الحرية والسلام والعدالة والمواطنة المتساوية.

أسباب الحروب

وبدورها استهلت مستشارة النوع الاجتماعي والناشطة في العمل العام، عائشة حمد، مداخلتها بطرح سؤال اعتبرته مفتاحاً لفهم الأزمة السودانية، قائلة: “لماذا يضطر السودانيون إلى حمل السلاح للحصول على حقوقهم بدلاً من المطالبة بها عبر الوسائل السلمية؟”، معتبرة أن الإجابة عن هذا السؤال تقود مباشرة إلى جذور أزمة الدولة السودانية.

وقالت إنها تختلف مع ما طرحه رئيس الوزراء السابق الدكتور عبد الله حمدوك وعدد من المتحدثين بشأن الحديث عن “بناء عقد اجتماعي جديد”، موضحة أنها لا تعتقد أن السودان عرف في أي مرحلة من تاريخه عقداً اجتماعياً حقيقياً يمكن الحديث عن تجديده، لأن الدولة السودانية، بحسب رأيها، لم تُؤسس منذ البداية على اتفاق شاركت فيه جميع مكونات المجتمع السوداني.

وأوضحت أن المفكرين الذين تناولوا قضية نشأة الدولة السودانية يجمعون على أن عملية التأسيس تمت عبر تفاوض شاركت فيه مجموعات محددة من النخب، بينما غابت عنه قطاعات واسعة من السودانيين، الأمر الذي جعل ذلك الاتفاق غير ملزم للمجموعات التي لم تكن ممثلة فيه، وخلق منذ البداية أزمة شرعية ظلت ترافق الدولة الوطنية حتى اليوم.

وأضافت أن هذا الخلل التأسيسي أفرز سلسلة متواصلة من الأزمات السياسية، تمثلت في الانقلابات العسكرية المتكررة، وتعثر التجارب الديمقراطية، واستمرار الحرب في جنوب السودان، ثم اندلاع النزاعات في دارفور وشرق السودان، وصولاً إلى الحرب الراهنة، مشيرة إلى أن جميع هذه الصراعات كانت تعبيراً عن شعور مجموعات واسعة بأنها ليست شريكاً حقيقياً في الدولة، وأنها تعاني الإهمال والإقصاء السياسي والاقتصادي والثقافي.

وأكدت أن هذا الإحساس بالتهميش دفع كثيراً من المجتمعات إلى اللجوء إلى السلاح باعتباره الوسيلة الوحيدة لانتزاع الحقوق، بعدما فقدت الثقة في الحوار السياسي وآليات المشاركة السلمية، فتحولت البندقية إلى أداة للتفاوض بدلاً من المؤسسات الديمقراطية.

وشددت على أن نجاح أي عقد اجتماعي مستقبلي لا يتوقف على جودة النصوص أو جمال المصطلحات التي يتضمنها، وإنما على مدى مشاركة جميع السودانيين في صياغته والقبول به، لأن أي عقد لا يشارك فيه الجميع سيعيد إنتاج الأزمة نفسها مهما كانت صياغته متقدمة.

وأضافت أنها تتفق مع الدكتور عبد الله حمدوك في ضرورة وجود آليات واضحة لتنفيذ العقد الاجتماعي، لكنها ترى أن هذه الآليات لا يمكن أن تعمل دون قيام دولة ومؤسسات دستورية قادرة على ترجمة مبادئ العقد إلى سياسات وقوانين، وصولاً إلى دستور دائم يعبر عن الإرادة الوطنية المشتركة.

وقالت إن الإقصاء الذي تعرضت له الأقاليم السودانية تاريخياً كان من أهم أسباب استمرار الحروب، لافتة إلى أن العلاقة غير المتوازنة بين المركز والأقاليم أدت إلى احتكار الثروة والسلطة في العاصمة، بينما ظلت مناطق الإنتاج تعيش أوضاعاً تنموية متردية رغم امتلاكها معظم الموارد الطبيعية.

وأوضحت أن السودان كان يمكن أن يكون ضمن الدول الأكثر تقدماً إذا أُديرت موارده بصورة عادلة، إلا أن الثروات تركزت في خزينة المركز، بينما عاش سكان الأقاليم في الفقر والحرمان، الأمر الذي دفع كثيراً من الحركات المسلحة إلى حمل السلاح ليس دفاعاً عن الأرض فقط، وإنما للمطالبة بحقوقها في التنمية والتعليم والصحة والخدمات الأساسية.

واستشهدت بإقليم شرق السودان بوصفه أحد أبرز نماذج المفارقة التنموية، موضحة أن ميناء بورتسودان يستقبل ما يقارب 90 في المائة من تجارة السودان، كما تضم ولايات البحر الأحمر وكسلا والقضارف موارد اقتصادية كبيرة، من بينها الذهب والزراعة والتجارة، ومع ذلك يسجل الإقليم أعلى معدلات الفقر والأمية ووفيات الأمهات في البلاد.

ورأت أن الحكومات المتعاقبة تعاملت مع الأقاليم باعتبارها مصدراً للموارد فقط، دون أن تعيد استثمار عائدات تلك الموارد في المجتمعات المنتجة، مشيرة إلى ما أورده الدكتور محمد سليمان في كتابه حقوق الموارد والهوية حول سيطرة المركز على عائدات ذهب الشرق وصمغ دارفور ونفط جنوب السودان، دون أن ينعكس ذلك على تنمية تلك المناطق.

وأضافت أن الإقصاء الاقتصادي لم يكن منفصلاً عن الإقصاء السياسي والثقافي، بل جاء مكملاً له، إذ إن المجموعات التي حُرمت من التنمية كانت أيضاً الأقل تمثيلاً في مؤسسات الحكم وصناعة القرار.

وأكدت أن جذور هذا الاختلال تعود إلى مفاوضات الاستقلال نفسها، التي اقتصرت على نخبة سياسية محدودة، بينما غابت عنها مكونات الجنوب والغرب والشرق وغيرها من مناطق الهامش، وهو ما أدى إلى تكريس الفجوة التاريخية بين المركز والأطراف.

وأضافت أن كثيراً من الباحثين أشاروا إلى أن بعض حركات الهامش، عندما امتلكت القوة، لم تقدم نموذجاً ديمقراطياً بديلاً، بل أعادت إنتاج منطق الهيمنة والإقصاء نفسه بوجوه مختلفة، وهو ما جعل السودان يدور في حلقة مفرغة، حيث يتحول المهمش إلى مهيمن، ثم ينتج بدوره تهميشاً جديداً لمجموعات أخرى.

وأكدت أن هذه التجربة أثبتت أن الانتصار العسكري لأي طرف لا يمكن أن يكون حلاً للأزمة، لأن المشكلة الحقيقية تكمن في غياب الدولة التي يشعر جميع مواطنيها بأنهم شركاء متساوون في الحقوق والواجبات.

وانتقلت عائشة حمد إلى الحديث عن الإقصاء الثقافي، معتبرة أنه لا يقل خطورة عن الإقصاء السياسي والاقتصادي، مشيرة إلى أن السودان يضم أكثر من أربعين لغة ولهجة محلية، إلا أن الدولة تبنت نموذجاً ثقافياً أحادياً لم يمنح هذا التنوع الاعتراف الذي يستحقه.

وساقت تجربة شخصية عاشتها في طفولتها، موضحة أنها عندما التحقت بالمدرسة لم تكن تتحدث اللغة العربية، ولم تستطع التواصل مع المعلمين، وهو ما جعلها تشعر منذ سنواتها الأولى بأن لغتها وثقافتها لا مكان لهما داخل المؤسسة التعليمية.

وأضافت أن هذا الإقصاء امتد إلى مؤسسات التعليم والإعلام والقضاء، حيث همشت اللغات والثقافات المحلية، الأمر الذي دفع كثيراً من أبناء المجموعات الثقافية المختلفة إلى الشعور بالخجل من لغاتهم أو التردد في التعبير عن هوياتهم الثقافية، بدلاً من الاعتزاز بها بوصفها جزءاً من الهوية السودانية الجامعة.

وأكدت أن إدارة التنوع الثقافي كان يمكن أن تتحول إلى مصدر قوة ووحدة وطنية، إلا أن سوء إدارة هذا التنوع جعله سبباً إضافياً للصراعات والانقسامات.

وتطرقت كذلك إلى قضية إقصاء النساء، معتبرة أنها تمثل أحد أوجه الخلل البنيوي في الدولة السودانية، رغم أن المرأة ظلت في مقدمة الصفوف خلال جميع الثورات والانتفاضات، منذ ثورة أكتوبر 1964، مروراً بانتفاضة أبريل 1985، وصولاً إلى ثورة ديسمبر 2018.

وقالت إن النساء كن دائماً في مقدمة الحراك الشعبي، لكنهن يتراجعن إلى مؤخرة المشهد عندما تبدأ عملية تشكيل الحكومات أو التفاوض على السلطة، مؤكدة أن ذلك لا يعود إلى ضعف مشاركة النساء، وإنما إلى سياسات ممنهجة كرستها الأنظمة السياسية المتعاقبة.

وأرجعت هذا الواقع إلى ثلاثة عوامل رئيسية، هي الإرث الاستعماري، وهيمنة الثقافة الذكورية، وسيطرة الأنظمة العسكرية، إضافة إلى بعض التفسيرات الدينية التي حصرت دور المرأة في المجال الخاص وأقصتها من مواقع اتخاذ القرار.

وأوضحت أن هذا الإقصاء تجلى في ثلاثة مستويات؛ أولها الإقصاء السياسي، حيث لم تتجاوز نسبة تمثيل النساء في البرلمان نحو 20 في المائة حتى في ظل نظام الكوتة، بينما ظلت نسب مشاركتهن في الهياكل القيادية للأحزاب السياسية أقل من ذلك بكثير.

أما المستوى الثاني فهو الإقصاء القانوني، مشيرة إلى أن نظام الإنقاذ فرض قيوداً واسعة على النساء من خلال قانون النظام العام، الذي تدخل في ملبس المرأة وحركتها وعملها في المجال العام، كما قيد حقوقها في قضايا الزواج والطلاق والحضانة، وفرض في بعض الحالات اشتراطات تتعلق بموافقة الولي على السفر أو العمل خارج البلاد.

وأكدت في ختام مداخلتها أن بناء عقد اجتماعي جديد لا يمكن أن يتحقق من دون معالجة جذور الإقصاء السياسي والاقتصادي والثقافي والنوعي، وأن نجاح أي مشروع وطني مستقبلي مرهون بقدرته على إشراك جميع السودانيين، رجالاً ونساءً، ومن مختلف الأقاليم والثقافات، في تأسيس دولة تقوم على المواطنة المتساوية والعدالة والشراكة الحقيقية، حتى لا يضطر أي مواطن مرة أخرى إلى حمل السلاح من أجل الحصول على حقوقه.

وتناولت عائشة حمد وجهاً آخر من أوجه الإقصاء، تمثل في الإقصاء المجتمعي والثقافي الذي تعرضت له المرأة السودانية، معتبرة أن بعض التفسيرات الدينية كرست عبر عقود صورة نمطية للمرأة، حصرت دورها الطبيعي في المنزل والأسرة، وصورت خروجها إلى المجال العام أو مشاركتها في الشأن السياسي باعتباره خروجاً على طبيعتها، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على فرص النساء في المشاركة في الحياة العامة وصنع القرار.

وأكدت أن إقصاء المرأة لا يمثل ظلماً للنساء وحدهن، وإنما يمثل خسارة للمجتمع بأكمله، لأنه يحرم البلاد من نصف طاقتها الإنتاجية والفكرية والقيادية. وقالت إن أي عقد اجتماعي لا تكون المرأة طرفاً حقيقياً في صياغته واتخاذ القرار بشأنه لا يمكن اعتباره عقداً اجتماعياً مكتمل الأركان، لأن الدولة التي تستدعي النساء للمشاركة في الثورات والدفاع عن الوطن، ثم تحرمهن من حقوقهن الكاملة بعد انتهاء مراحل التغيير، إنما تؤسس لعقد يغيب عنه نصف المجتمع، وبالتالي يفتقد أحد أهم شروط الشرعية والتمثيل.

وانتقلت إلى استعراض المحاولات التاريخية التي شهدها السودان لبناء عقد اجتماعي جديد، مؤكدة أن البلاد عرفت بالفعل عدداً من المبادرات التي سعت، وإن لم تحمل اسم “العقد الاجتماعي”، إلى معالجة أزمة الدولة وإعادة تنظيم العلاقة بين السلطة والمجتمع.

وأوضحت أن تلك المبادرات حاولت مراجعة قضايا الحكم والسلطة والهوية، كما طرحت لأول مرة قضايا كانت غائبة عن النقاش الوطني، من بينها مطالب جنوب السودان وبعض الأقاليم الأخرى، إلى جانب قضايا اللامركزية وحقوق المجتمعات التي تضررت من الحروب، فضلاً عن الدعوة إلى مناقشة الدستور على نطاق واسع قبل إجازته بصورة نهائية.

وأضافت أن القيمة الحقيقية لهذه المحاولات لم تكن في النصوص التي أنتجتها بقدر ما كانت في محاولتها إشراك المواطنين في النقاش العام، لأن العقد الاجتماعي، في رأيها، يكتسب شرعيته الاجتماعية قبل أن يكتسب شرعيته القانونية، ولا يصبح ملزماً إلا إذا شارك المواطنون أنفسهم في صياغته والتعبير عن تطلعاتهم.

وقالت إن السؤال الجوهري لا يتعلق فقط بمضمون الدستور أو شكل الدولة، وإنما بمدى استشارة المواطنين والمواطنات، وما إذا كانوا قد أتيحت لهم الفرصة لطرح قضاياهم على قدم المساواة، مؤكدة أن تجارب المشورة الشعبية التي شهدها السودان كانت تمثل محاولات جادة كان يمكن أن تسهم في بناء عقد اجتماعي أكثر شمولاً لو كُتب لها النجاح.

ورأت أن المشكلة الأساسية التي واجهت جميع تلك التجارب أنها جاءت مجزأة ولم تتعامل مع جذور الأزمة بصورة متكاملة، كما أنها ظلت في معظمها مبادرات فوقية قادتها النخب السياسية أو العسكرية، من دون مشاركة حقيقية للمجتمعات المحلية التي يفترض أن يكون العقد الاجتماعي معبراً عن مصالحها وتطلعاتها.

وأضافت أن هذا القصور جعل كل محاولة تعالج جانباً من الأزمة وتترك جوانب أخرى، الأمر الذي أدى إلى استمرار أسباب الصراع وعدم الوصول إلى تسوية تاريخية شاملة، وهو ما يفرض اليوم التفكير في عقد اجتماعي جديد يؤسس لدولة مختلفة تعالج جذور الأزمة السودانية بكل أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وفي المقابل، اعتبرت أن ثورة ديسمبر قدمت واحدة من أهم التجارب التي يمكن البناء عليها في هذا الاتجاه، لأنها أسست لما وصفته بـ”الثقافة التعاقدية”، وهي الثقافة التي تجلت في وحدة الشعارات والمطالب بين الشباب والشابات في الخرطوم ومدن الهامش، وفي اتفاقهم على قيم الحرية والسلام والعدالة، ورفضهم المشترك للإقصاء والتمييز.

وأشارت إلى أن الهتافات التي وحدت السودانيين، مثل “حرية، سلام، وعدالة”، و”يا عنصري ومغرور… كل البلد دارفور”، أثبتت أن السودانيين قادرون على تجاوز الانقسامات والهويات الضيقة متى ما توفر مشروع وطني جامع يشعر الجميع بأنه يمثلهم ويستحق الانتماء إليه.

وأكدت أن الثقافة التعاقدية التي أفرزتها الثورة تقوم في جوهرها على الاعتراف بالتنوع السوداني بوصفه مصدر قوة وليس سبباً للانقسام، معتبرة أن هذا التنوع يمثل المادة الخام التي ينبغي أن يقوم عليها العقد الاجتماعي الجديد.

وأضافت أن بناء الدولة الجديدة يتطلب ترسيخ ثقافة الاحترام المتبادل والاعتراف بالآخر، بحيث تصبح الهوية الوطنية إطاراً جامعاً لكل السودانيين، لا هوية تقوم على الإقصاء أو الهيمنة الثقافية. وقالت إن السودانيين لا ينبغي أن ينشغلوا بحسم الجدل بين الهوية العربية أو الإفريقية، لأن ما يجمعهم في المقام الأول هو “السودانوية” القائمة على المواطنة المشتركة واحترام التعدد.

واختتمت مداخلتها بالتأكيد على أن أي عقد اجتماعي جديد لن ينجح إلا إذا انطلق من الاعتراف الكامل بالتنوع الثقافي واللغوي والإثني في السودان، وتعامل مع هذا التنوع بوصفه ثروة وطنية ينبغي الاستثمار فيها، لا عبئاً يجب إخفاؤه أو سبباً للخجل أو التهميش، مشددة على أن الدولة التي تحترم جميع مكوناتها الثقافية وتكفل المساواة الكاملة بين مواطنيها هي وحدها القادرة على بناء سلام دائم واستقرار مستدام.

رؤية مختلفة

قدم الناشط السياسي المنتمي إلى التيار الإسلامي، الأستاذ عامر الحاج، قراءة مختلفة لمفهوم العقد الاجتماعي، ركز فيها على البعد العملي والمؤسسي، معتبراً أن الأزمة السودانية لا تكمن في غياب الوثائق أو النصوص التوافقية، وإنما في غياب الضمانات التي تجعل القوى المسلحة والمؤسسات صاحبة القوة الفعلية ملتزمة بما يتم الاتفاق عليه.

وقال إن مفهوم العقد الاجتماعي في السياق السوداني يُطرح غالباً باعتباره حلاً توافقياً بين النخب السياسية، سواء كانت نخباً مدنية أو حركات مسلحة، بينما جوهر العقد الاجتماعي لا يتعلق بالتوافقات السياسية وحدها، وإنما ببناء منظومة من الحوافز والالتزامات التي تُختبر في الواقع العملي، لا في النصوص القانونية.

وأوضح أن السودان لم يكن يفتقر عبر تاريخه الحديث إلى الوثائق التأسيسية، مشيراً إلى أن البلاد شهدت منذ الاستقلال عدداً كبيراً من الدساتير والاتفاقيات والمواثيق السياسية، من دستور 1953 والدساتير اللاحقة، مروراً باتفاقية السلام الشامل لعام 2005، ووثائق نداء السودان، والوثيقة الدستورية لعام 2019، وغيرها من الاتفاقات التي تضمنت في معظمها المبادئ الأساسية التي يتحدث عنها العالم اليوم عند تعريف العقد الاجتماعي أو الدستور الحديث.

وأضاف أن المشكلة لم تكن في مضمون تلك الوثائق، بل في أن الطرف الذي كان يمتلك أدوات القوة المادية لم يكن ينظر إليها باعتبارها التزاماً دائماً، وإنما باعتبارها ترتيبات مؤقتة يمكن التخلي عنها متى ما تغير ميزان القوة أو توفرت فرصة للانقلاب عليها.

وقال إن القيمة الحقيقية لأي عقد اجتماعي لا تُقاس بجودة صياغته القانونية أو باتساع قاعدة المشاركين في كتابته فقط، وإنما بقدرته على الإجابة عن السؤال الأكثر تعقيداً: كيف يمكن إلزام الطرف الذي يمتلك أدوات الإكراه المادي بعقد يحد من سلطاته؟ وكيف يمكن ضمان التزامه بذلك في غياب آلية تنفيذية مستقلة لا تخضع لإرادته؟

ورأى أن هذا السؤال يمثل جوهر الأزمة السودانية، لأن التجربة أثبتت أن القوى التي تمتلك السلاح كانت دائماً قادرة على تعطيل أي اتفاق سياسي أو دستوري متى ما تعارض مع مصالحها.

وأشار إلى أن القوات المسلحة ظلت، قبل اندلاع حرب أبريل 2023، تبرر تدخلها في الحياة السياسية بحماية الدستور، بينما كان أول إجراء تقوم به بعد كل انقلاب هو تعطيل الدستور نفسه أو إلغاء الوثيقة التي توافق عليها السودانيون، وهو ما جعل الحرب، في رأيه، تمثل انهياراً كاملاً لآخر الأطر التي كانت تنظم العلاقة بين السودانيين، ولم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين.

وانتقل الحاج إلى الحديث عن قوات الدعم السريع، مؤكداً أن الجرائم والانتهاكات التي ارتكبتها لا يمكن تبريرها، لكنه رأى أن ظهور هذه القوة لم يكن انحرافاً عن نمط إدارة المؤسسة العسكرية السودانية، وإنما كان امتداداً لسياسات اعتمدت عليها الدولة لعقود طويلة.

وأوضح أن المؤسسة العسكرية، عبر سنوات الانقلابات والحروب الأهلية، أنتجت نموذجاً لإدارة السلطة يقوم على تعدد المليشيات واستخدام القوى الموازية للمؤسسة العسكرية الرسمية، وهو ما أدى إلى ظهور مراكز متعددة للقوة المسلحة داخل الدولة.

وأضاف أن هذا النمط لم يبدأ مع حرب أبريل، بل كان قائماً قبلها بسنوات طويلة، مستشهداً بما كان يردده الرئيس السابق عمر البشير حين وصف قائد قوات الدعم السريع بأنه يمثل حمايته الشخصية وحماية النظام، معتبراً أن الدعم السريع كان نتاجاً مباشراً لهذا النموذج، وليس خروجاً عليه.

ورأى أن أي نقاش حول العقد الاجتماعي يجب ألا يقتصر على كيفية التعامل مع قوات الدعم السريع وحدها، لأن الأزمة أوسع من ذلك، وتشمل جميع التشكيلات المسلحة التي نشأت خارج المؤسسة العسكرية التقليدية، سواء كانت قوات مشتركة أو درع السودان أو كتائب البراء أو غيرها من التشكيلات التي أفرزتها الحرب.

وأكد أن الحديث عن دمج هذه القوات أو حلها أو إعادة هيكلتها لن يكون كافياً إذا لم يصاحبه إصلاح جذري لمنظومة الحوكمة الأمنية والعسكرية التي أنتجت هذه التشكيلات منذ البداية، محذراً من أن الاكتفاء بإزالة المظاهر دون معالجة الأسباب سيؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة بأسماء جديدة خلال فترة قصيرة.

وشدد على أن الإصلاح الأمني والعسكري الشامل ليس أحد بنود العقد الاجتماعي، وإنما شرط سابق لوجوده، لأن الحديث عن عقد اجتماعي في ظل تعدد مراكز السلاح واستمرار الصراع على السلطة والثروة يظل، في رأيه، حديثاً نظرياً لا يمكن تطبيقه على أرض الواقع.

وأضاف أن جميع الأسلحة، بما فيها القوات المسلحة نفسها، يجب أن تخضع لمنطق الدولة والقانون قبل الانتقال إلى أي عملية سياسية جديدة، لأن احتكار الدولة المشروع للعنف هو الأساس الذي تُبنى عليه بقية المؤسسات الدستورية.

واستشهد بخبرته العملية التي امتدت لنحو خمسة وعشرين عاماً في مصلحة الأراضي، موضحاً أن أي عقد قانوني لا يكتسب شرعيته إلا بوجود الجهة المخولة قانوناً بالتوقيع عليه، وأن غياب صاحب التفويض يجعل جميع الإجراءات اللاحقة فاقدة للسند القانوني، معتبراً أن الدولة ليست مختلفة عن ذلك، إذ لا بد من تحديد الجهة التي تملك سلطة التنفيذ وضمان الالتزام بما يتم الاتفاق عليه.

وقال إن انهيار التراتبية الرسمية في الدولة، كما يحدث في حالات الحرب والطوارئ، يجعل السؤال حول الجهة القادرة على فرض تنفيذ العقد الاجتماعي أكثر أهمية من السؤال حول صياغة نصوصه.

وأكد أن العقد الاجتماعي الجديد يجب ألا يكون اتفاقاً بين نخب سياسية أو عسكرية على وثيقة مشتركة، وإنما تعاقداً بين أفراد وجماعات تمتلك مصلحة حقيقية في احترام هذا العقد حتى عندما تصبح قادرة على تجاوزه دون تكلفة.

وأضاف أن هذا المبدأ يجب أن ينطبق على جميع مؤسسات الدولة، العسكرية منها والمدنية، لأن التجربة السودانية أثبتت أن حتى الحكومات المدنية الانتقالية قد تنحرف عن الالتزامات القانونية إذا أصبحت مصالحها السياسية فوق الدستور، ولذلك فإن نجاح العقد الاجتماعي يتطلب أن تكون مصلحة جميع الأطراف في احترامه أكبر من أي مكاسب مؤقتة يمكن تحقيقها بتجاوزه.

وقال إن الحديث عن موازين القوى وبنية الحوافز يجب أن يسبق أي نقاش حول النصوص القانونية أو الصياغات الدستورية، لأن النصوص وحدها لن تمنع تكرار الانهيار إذا لم تتوافر الإرادة المؤسسية التي تحميها.

وأوضح أن جميع التجارب السابقة في السودان فشلت، ليس بسبب ضعف النصوص أو نقص التوافق السياسي، وإنما بسبب غياب التفويض الاجتماعي الشامل، واحتفاظ الجهة التي تمتلك القوة الفعلية بحقها في نقض الاتفاقات متى شاءت.

وأشار إلى أن الجيش السوداني كان يمثل، قبل عام 2023، الطرف الوحيد القادر على إسقاط أي عقد اجتماعي، بينما أصبحت البلاد اليوم، بحسب تعبيره، تضم عشرات القوى المسلحة، الأمر الذي يجعل التحدي أكثر تعقيداً.

وأكد أن هذه القوى إذا لم تبادر طوعاً إلى الاعتراف بالعقد الاجتماعي الجديد والخضوع له، فإن أي اتفاق سياسي سيظل معرضاً للانهيار.

ورفض النظر إلى العقد الاجتماعي باعتباره نتيجة لعملية السلام، معتبراً أنه شرط سابق لتحقيق السلام نفسه، لأن الوصول إلى وقف دائم للحرب وبناء دولة مستقرة لن يكون ممكناً في غياب اتفاق ملزم يحدد علاقة السلطة بالمجتمع ويخضع جميع حاملي السلاح لقواعد الدولة.

وأضاف أن العقد الاجتماعي لا يقتصر على كونه وثيقة تُوقع داخل قاعة اجتماعات، وإنما هو في جوهره تنظيم مشروع لاستخدام القوة، بحيث تحتكر الدولة وحدها وسائل العنف، على أن تكون المؤسسة العسكرية نفسها خاضعة للدستور والسلطة المدنية، وهو ما يتفق، بحسب قوله، مع ما طرحه الدكتور عبد الله حمدوك حول الدور المحدود للمؤسسة العسكرية في الدولة الحديثة.

واختتم الحاج مداخلته بالتأكيد على أن أي حديث عن توافق سياسي قبل تنفيذ إصلاح أمني وعسكري شامل لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج أسباب الحرب، مشدداً على أن الحق في تأسيس العقد الاجتماعي لا يقتصر على النخب السياسية أو القيادات العسكرية، وإنما هو حق لجميع السودانيين، عبر آليات تضمن مشاركة المجتمع كله، وأن تتنازل جميع القوى عن أدوات العنف خارج إطار الدولة.

وقال إن العقد الاجتماعي الحقيقي ليس مجرد وثيقة مكتوبة أو اتفاق يوقع في قاعة، بل هو التزام جماعي تخضع له السلطة قبل المواطنين، وتلتزم بحمايته جميع مؤسسات الدولة والمجتمع، باعتباره الأساس الذي يمكن أن يقوم عليه السودان الجديد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى