المبادرة الأمريكية… تفتح باب التسوية أم تؤسس للجمهورية الجديدة؟

حاتم أيوب أبو الحسن

حاتم أيوب أبو الحسن

في السياسة، لا تُقاس أهمية المبادرات بما تتضمنه من بنود فحسب، بل بما تكشفه من تحولات في موازين القوة. ومن ثم، فإن موافقة الجيش السوداني على المبادرة الأمريكية، مقرونة باشتراط انسحاب قوات الدعم السريع من المدن، ليست مجرد موقف تفاوضي، بل مؤشر على أن الحرب دخلت مرحلة جديدة بات فيها الصراع على شكل الدولة أهم من الصراع على السيطرة على الأرض.

على مدى السنوات الماضية، كان السؤال المطروح هو: من ينتصر عسكريًا؟

أما اليوم، فقد بدأ سؤال آخر يفرض نفسه بإلحاح: من سيضع قواعد السودان القادم؟

الولايات المتحدة لا تتحرك بدافع إنساني فقط، كما أن الجيش لا يقبل المبادرة بدافع المرونة وحدها، ولا يمكن فهم موقف قوات الدعم السريع بعيدًا عن حلفائه في تأسيس، باعتباره قرارًا عسكريًا خالصًا.

فلكل طرف حساباته الاستراتيجية، غير أن الجميع بات يدرك أن استمرار الحرب بالوتيرة نفسها لم يعد يحقق مكاسب تتناسب مع كلفتها الإنسانية والسياسية والاقتصادية.

تسعى واشنطن إلى منع تحول السودان إلى بؤرة دائمة للفوضى على البحر الأحمر وفي القرن الأفريقي، كما تعمل على الحفاظ على قدر من التوازن يمنع انزلاق البلاد إلى مسارات تهدد الأمن الإقليمي. ومن ثم، تبدو المبادرة محاولة لإدارة نهاية الحرب، لا مجرد وقف لإطلاق النار.

أما الجيش، فيسعى إلى تثبيت مبدأ يراه غير قابل للتفاوض، وهو أن الدولة لا يمكن أن تستعيد سيادتها في ظل وجود قوة عسكرية موازية داخل المدن.

هل ينطبق ذلك إلى قواتها؟ في المقابل، هل من هذا جاء شرط انسحاب الدعم السريع بوصفه شرطًا يتعلق بطبيعة الدولة ومستقبل احتكارها لاستخدام القوة، لا بمجرد إدارة المعركة.

يدرك الدعم السريع أن خروجه من المدن سيغيّر موقعه التفاوضي بصورة جوهرية، ولذلك سيحاول، على الأرجح، ربط أي انسحاب بضمانات سياسية وأمنية، وربما بإجراءات متزامنة تتعلق بوقف إطلاق النار، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، ومستقبل العملية السياسية.

غير أن ما يغيب عن معظم النقاشات هو أن السودان لا يواجه أزمة حرب فحسب، بل أزمة تأسيس. فمنذ الاستقلال، ظل الصراع يدور حول من يحكم، بينما لم يُحسم السؤال الأهم: أي دولة نريد؟ ولهذا انهارت الحكومات، وتعاقبت الانقلابات، وتجددت الحروب، لأن قواعد اللعبة نفسها لم تتغير.

ولهذا السبب، فإن أي تسوية لا تتجاوز حدود تقاسم السلطة ستعيد إنتاج الأزمة. فالتاريخ السوداني حافل باتفاقات أوقفت القتال مؤقتًا، لكنها لم تُنشئ دولة قادرة على منع عودته، لأنها عالجت نتائج الصراع ولم تعالج أسبابه البنيوية.

إن المرحلة المقبلة ينبغي ألا تقتصر على مفاوضات بين حاملَي السلاح، بل يجب أن تتحول إلى عملية تأسيس وطني واسعة يشارك فيها السودانيون من مختلف الأقاليم والفئات والقوى المجتمعية، لوضع عقد اجتماعي جديد يحدد شكل الدولة، ويؤسس لعلاقة متوازنة بين المركز والأقاليم، ويضمن احتكار الدولة للسلاح، واستقلال القضاء، وسيادة القانون، والعدالة الانتقالية، واللامركزية، والمواطنة المتساوية.

وهنا تكمن المفارقة. فقد تنجح المبادرة الأمريكية في إيقاف الحرب، لكنها لن تنجح وحدها في بناء السلام. فالسلام ليس وثيقة يوقعها المتحاربون، بل منظومة سياسية ودستورية تجعل العودة إلى الحرب خيارًا بالغ الكلفة على الجميع.

إن المبادرة الأمريكية، مهما بلغت أهميتها، ليست سوى بوابة محتملة لوقف الحرب، وليست ضمانة لبناء الدولة. فإذا تحولت التسوية إلى صفقة بين القوى المسلحة، فإن السودان سيؤجل أزمته مرة أخرى. أما إذا أصبحت بداية لعملية تأسيس وطنية يشارك فيها السودانيون جميعًا، تعيد تعريف الدولة وعلاقتها بالمجتمع، وتؤسس لدستور دائم ومواطنة متساوية واحتكار الدولة للسلاح، فإنها قد تمثل بالفعل لحظة ميلاد الجمهورية السودانية الجديدة.

لقد كشفت الحرب هشاشة الدولة السودانية، لكن لحظة التسوية يمكن أن تتحول إلى لحظة إعادة تأسيسها. فالدول لا تُبنى بالهدن، وإنما تُبنى بالتوافق على قواعد العيش المشترك. ولذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من سيربح الحرب؟ بل من سيكتب العقد الاجتماعي الذي يمنع اندلاع الحرب القادمة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى