الاقتصاد السوداني بين إرث الأزمات وخراب الحرب .. عادل خلف الله : الحرب كشفت الانهيار.. لكنها لم تصنعه

حاوره: يوسف الغوث

لم يكن الاقتصاد السوداني بحاجة إلى حرب جديدة حتى يعلن هشاشته. فحين اندلعت المواجهات المسلحة في الخامس عشر من أبريل 2023، لم يبدأ الانهيار من الصفر، بل وجد بلداً مثقلاً بإرث طويل من الاختلالات البنيوية، وسياسات اقتصادية متعاقبة أضعفت قدرة الدولة على الإنتاج والإدارة، وأفقدت مؤسساتها أهم أدواتها في توجيه الاقتصاد. جاءت الحرب لتفتح الجراح دفعة واحدة، وتكشف ما ظل مستتراً لعقود، حتى بدا وكأن الدولة نفسها تخوض معركة من أجل البقاء، لا من أجل استعادة النمو الاقتصادي فحسب.

هذه هي الزاوية التي ينطلق منها القيادي بحزب البعث، المهندس عادل خلف الله، في قراءته للأزمة السودانية. فهو يرفض  في الحوار الذي أجرته معه ” افق جديد” وتنشر نصه كاملا على الموقع الالكتروني للمجلة اختزال المشهد الاقتصادي في تداعيات الحرب وحدها، معتبراً أن الرصاص سرّع الانهيار، لكنه لم يكن منشأه الأول. فالأزمة، في تقديره، أقدم بكثير من المواجهات العسكرية الراهنة، وتمتد جذورها إلى بنية الاقتصاد السوداني نفسها، وإلى الطريقة التي أُديرت بها الدولة منذ الاستقلال، حيث تعاقبت الانقلابات، وتناوبت النظم السياسية على اتخاذ قرارات اقتصادية افتقرت إلى الاستقرار والرؤية بعيدة المدى.

ويذهب خلف الله إلى أن السودان ظل يدفع، عبر تاريخه الحديث، ثمن خيارات سياسية انعكست مباشرة على اقتصاده. فمنذ الحقبة الاستعمارية، تشكل اقتصاد وُضع لخدمة مصالح خارجية أكثر من خدمته لمتطلبات التنمية الوطنية. فقد جرى تصميم البنية الاقتصادية لتكون امتداداً لاقتصاد المركز الاستعماري، لا اقتصاداً مستقلاً قادراً على إنتاج فائضه الوطني وتحقيق تنمية متوازنة بين الأقاليم. ومع خروج الاستعمار، بقيت كثير من تلك الاختلالات قائمة، بل تعمقت مع غياب مشروع اقتصادي وطني يعيد بناء العلاقة بين الدولة والموارد.

ويشير إلى أن ما عُرف بالتطور غير المتوازن بين أقاليم السودان لم يكن مجرد نتيجة لعوامل جغرافية أو طبيعية، وإنما كان انعكاساً مباشراً لسياسات اقتصادية وإدارية كرست التفاوت، ورسخت مفهوم “المناطق المقفولة”، وأبقت أجزاء واسعة من البلاد خارج دورة التنمية، الأمر الذي ساهم لاحقاً في إنتاج النزاعات المسلحة نفسها، قبل أن تتحول تلك النزاعات إلى أحد أهم أسباب استنزاف الاقتصاد الوطني.

غير أن التاريخ، بحسب خلف الله، لم يتوقف عند حدود الإرث الاستعماري، بل أضافت إليه الحكومات الوطنية المتعاقبة طبقات جديدة من الأزمات، نتيجة عدم الاستقرار السياسي، والانقلابات العسكرية، وغياب المؤسسات الديمقراطية القادرة على مراقبة الأداء الاقتصادي ومحاسبة السلطة. ويرى أن الدكتاتوريات المتعاقبة كانت، في جوهرها، بيئة خصبة للفساد وسوء الإدارة، لأنها ربطت القرار الاقتصادي بإرادة السلطة السياسية، لا بمقتضيات التنمية.

ويخصص خلف الله مساحة واسعة للحديث عن تجربة نظام الإنقاذ، التي يعتبرها الحلقة الأكثر تأثيراً في تعميق الأزمة الراهنة. ففي تقديره، لم يقتصر الأمر على تبني سياسات التحرير الاقتصادي والخصخصة، بل امتد إلى إعادة تشكيل الاقتصاد نفسه وفق منطق “التمكين”، حيث انتقلت السيطرة على قطاعات واسعة من الاقتصاد إلى شبكات مصالح سياسية وأمنية، بينما تراجع دور الدولة كمؤسسة راعية للتنمية ومنظمة للنشاط الاقتصادي.

ويعتقد أن تلك المرحلة شهدت تغول ما يسميه “الرأسمالية الطفيلية”، التي استفادت من النفوذ السياسي أكثر مما اعتمدت على الإنتاج الحقيقي، فتحولت التجارة والامتيازات والاحتكارات إلى مصدر رئيسي للثروة، على حساب القطاعات المنتجة كالزراعة والصناعة. ومع مرور الوقت، أصبحت الدولة نفسها أقل قدرة على التحكم في مواردها، بعدما تمددت مراكز القوى الاقتصادية خارج الأطر المؤسسية التقليدية.

ولا يفصل خلف الله هذا التحول عن السياسات النقدية التي بدأت منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، حين دخل السودان في مسار برامج الإصلاح المرتبطة بمؤسسات التمويل الدولية. ويعتبر أن ربط الجنيه السوداني بالدولار، ثم اللجوء المتكرر إلى تخفيض قيمته، كانا بداية سلسلة طويلة من القرارات التي أضعفت العملة الوطنية، وأفقدت الاقتصاد أدواته في حماية الإنتاج المحلي.

ويشير إلى أن الحكومات المتعاقبة استمرت في النهج نفسه، حتى أصبح تخفيض قيمة العملة سياسة شبه دائمة، بينما ظلت القطاعات الإنتاجية عاجزة عن تعويض آثار ذلك التراجع. وفي المقابل، توسعت الأسواق الموازية، وازدادت المضاربات على العملات الأجنبية، وتحولت أسعار الصرف إلى مرآة تعكس حجم الاضطراب السياسي أكثر مما تعكس مؤشرات الاقتصاد الحقيقي.

وعندما اندلعت الحرب، وجد هذا الاقتصاد المنهك نفسه أمام صدمة غير مسبوقة. فالمعركة لم تستهدف مواقع عسكرية فحسب، وإنما أصابت قلب النشاط الاقتصادي في البلاد. تعطلت المصانع، وتوقفت سلاسل الإمداد، وتراجعت حركة التجارة، وخرجت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية من دائرة الإنتاج، بينما تعرضت البنية التحتية من كهرباء ومياه وطرق ومؤسسات خدمية إلى دمار واسع، انعكس مباشرة على حياة المواطنين.

لكن أخطر ما أفرزته الحرب، بحسب خلف الله، هو أنها لم تعد مجرد أزمة اقتصادية أو إنسانية، بل تحولت إلى تهديد لكيان الدولة ذاته. فمع استمرار القتال، بدأت مظاهر الانقسام الإداري والاقتصادي تتكرس بصورة غير مسبوقة، وظهرت مراكز قرار متعددة، واختلت وحدة السوق الوطنية، وأصبح الاقتصاد السوداني يعمل في ظل سلطات متوازية، لكل منها أدواتها وإجراءاتها، بما يهدد فكرة الدولة المركزية نفسها.

ومن هنا، يرى أن توصيف ما يجري باعتباره “أزمة حرب” لا يكفي لفهم المشهد. فالسودان، في تقديره، يواجه أزمة دولة بقدر ما يواجه أزمة اقتصاد، لأن المؤسسات التي يفترض أن تدير النشاط الاقتصادي فقدت جزءاً كبيراً من قدرتها على أداء وظائفها، بينما أصبح استمرار الحرب نفسه سبباً في إعادة إنتاج الأزمة بصورة يومية.

ولذلك، فإن أي محاولة لقراءة الواقع الاقتصادي بعيداً عن جذوره السياسية والتاريخية، لن تقود إلا إلى حلول جزئية، تعالج الأعراض ولا تمس أسباب المرض. فالأزمة، كما يراها خلف الله، ليست أزمة أسعار أو عملة أو تضخم فحسب، وإنما أزمة نموذج كامل لإدارة الدولة والاقتصاد، وهو النموذج الذي وصلت الحرب لتكشف حدود فشله بصورة لم يعد من الممكن تجاهلها

اقتصاد الحرب.

إذا كانت الحرب قد كشفت هشاشة الاقتصاد السوداني، فإنها – في نظر المهندس عادل خلف الله – تجاوزت حدود التدمير المادي لتدخل البلاد في مرحلة أكثر خطورة، هي مرحلة تفكك الإدارة الاقتصادية نفسها. فالدول، كما يقول، قد تتعرض لحروب مدمرة ثم تعود إلى مسار التعافي عندما تحافظ على مؤسساتها المالية والنقدية، لكن السودان يعيش وضعاً مختلفاً، لأن الحرب أصابت قلب المؤسسة الاقتصادية، وأضعفت قدرة الدولة على إدارة السوق، وضبط النقد، وحماية العملة الوطنية.

ومن هنا، فإن أخطر ما أفرزته الحرب لا يتمثل فقط في الدمار الذي طال المصانع والمزارع والطرق والجسور، وإنما في تراجع سلطة الدولة الاقتصادية نفسها. فقد أصبح المشهد، بحسب خلف الله، أقرب إلى اقتصاد تديره سلطات متعددة، تتباين فيه مراكز القرار، وتتعدد فيه السياسات والإجراءات، بينما يغيب التنسيق الذي يشكل أساس أي إدارة اقتصادية مستقرة.

ويشير إلى أن هذا الواقع أوجد اختلالات لم يعرفها السودان من قبل، من بينها تعدد مراكز النشاط الاقتصادي، وتعطل جزء كبير من الدورة المصرفية، واتساع الاقتصاد غير الرسمي، إلى جانب التداول العملي لأكثر من عملة، الأمر الذي أفقد السوق وحدته، وخلق بيئة خصبة للمضاربة والاحتكار.

ويرى أن هذه التحولات ليست مجرد نتائج جانبية للحرب، وإنما تمثل تهديداً مباشراً لوحدة الدولة. فالاقتصاد، في النهاية، ليس مجرد أرقام تتعلق بالنمو والتضخم، بل هو أحد أهم أدوات الحفاظ على تماسك الدولة وسيادتها. وعندما تفقد الحكومة قدرتها على التحكم في النقد، وإدارة التجارة، وتوجيه الموارد، فإنها تفقد بالتدريج جزءاً من سلطتها السياسية أيضاً.

وفي هذا السياق، يلفت خلف الله إلى أن الانخفاض الحاد في قيمة الجنيه السوداني لم يكن مجرد انعكاس لتراجع الاحتياطي النقدي أو ارتفاع الطلب على الدولار، بل جاء نتيجة انهيار منظومة كاملة كانت تضبط العلاقة بين السياسة النقدية والنشاط الاقتصادي. فخلال سنوات الحرب، فقدت العملة الوطنية نحو ثمانين في المائة من قيمتها، بعدما قفز سعر الدولار من نحو 590 جنيهاً عند اندلاع الحرب إلى أكثر من 5300 جنيه خلال منتصف عام 2026، وهو تراجع لم ينعكس فقط على الأسواق، بل امتد إلى حياة المواطنين اليومية، حيث تآكلت القوة الشرائية بصورة غير مسبوقة، وارتفعت تكاليف المعيشة إلى مستويات جعلت الحصول على الاحتياجات الأساسية تحدياً يومياً لملايين الأسر.

ويعتقد أن هذا الانهيار لم يكن ليبلغ هذا المستوى لو ظلت السياسة النقدية محتفظة باستقلالها، إلا أن الحرب جاءت لتكشف، بحسب تعبيره، أزمة أعمق تتمثل في فقدان بنك السودان المركزي لقدرته على ممارسة وظائفه الأساسية.

ولا يخفي خلف الله انتقاده الحاد لأداء البنك المركزي، لكنه يحرص في الوقت نفسه على التمييز بين المؤسسة والعوامل التي قيدت حركتها. فهو يرى أن الأزمة لا تكمن في الأشخاص بقدر ما تكمن في البيئة السياسية التي جردت البنك من استقلاليته، وحولته إلى مؤسسة تعمل في ظل سلطة أمر واقع تفرض أولوياتها بعيداً عن الاعتبارات المهنية التي تحكم عمل البنوك المركزية في الدول المستقرة.

ويذهب إلى أن استقلالية البنك المركزي ليست شعاراً فنياً، وإنما شرط أساسي لاستقرار الاقتصاد. فعندما يصبح البنك عاجزاً عن التحكم في حجم الكتلة النقدية، أو التدخل لضبط سوق الصرف، أو مراقبة الجهاز المصرفي، فإن السوق يتحول تدريجياً إلى ساحة مفتوحة للمضاربات، بينما تفقد السياسات النقدية فاعليتها.

ويضرب مثالاً بما جرى في ملف استيراد الوقود، حين أصدر محافظ البنك المركزي منشوراً يشترط إيداع ضمانات عينية من الذهب لاعتماد الشركات المستوردة، قبل أن تتجاوز سلطات الأمر الواقع تلك الإجراءات، في مؤشر اعتبره دليلاً واضحاً على تراجع سلطة البنك المركزي حتى في الملفات التي تدخل صميم اختصاصه.

ومن وجهة نظره، فإن المؤسسة التي أُنشئت أصلاً لحماية استقرار العملة وتنظيم القطاع المصرفي أصبحت عاجزة عن القيام بوظيفتها، ليس فقط بسبب الحرب، وإنما نتيجة تراكم طويل من التدخلات السياسية التي بدأت قبل سنوات، ثم بلغت ذروتها بعد انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021، لتزداد تعقيداً مع اندلاع الحرب.

ويؤكد خلف الله أن فقدان استقلالية البنك المركزي انعكس بصورة مباشرة على السوق، إذ تراجعت الثقة في الجنيه السوداني، وأصبحت العملات الأجنبية، وفي مقدمتها الدولار، الملاذ الأكثر أماناً لحفظ القيمة، الأمر الذي غذى المضاربات، وأدى إلى خروج كميات ضخمة من النقد من الدورة المصرفية الرسمية.

وفي تقديره، فإن المضاربة لم تعد مجرد نشاط يمارسه بعض التجار، بل أصبحت أحد المكونات الأساسية للاقتصاد نفسه. فكلما فقد المواطن ثقته في العملة الوطنية، ازداد الطلب على الدولار، وكلما ارتفع الطلب ارتفع السعر، لتدخل السوق في حلقة مفرغة يصعب كسرها في غياب سلطة نقدية قوية.

ويعيد خلف الله جذور هذه الظاهرة إلى سنوات ما قبل الحرب، حين تبنت الحكومات المتعاقبة سياسة تحرير سعر الصرف، ورفعت يد الدولة تدريجياً عن تنظيم السوق، معتبراً أن تلك السياسات ساهمت في تحويل الدولار من وسيلة للتبادل التجاري إلى سلعة قائمة بذاتها، تتحدد قيمتها بالمضاربات أكثر من ارتباطها بالنشاط الإنتاجي.

ومع اندلاع الحرب، تضاعفت هذه الظاهرة نتيجة توقف الإنتاج، وتراجع الصادرات، وانخفاض تدفقات النقد الأجنبي، وتقلص تحويلات السودانيين في الخارج، إلى جانب اتساع السوق السوداء، الأمر الذي جعل سعر الصرف يتحرك بعيداً عن أي مؤشرات اقتصادية حقيقية، ليصبح رهينة للشائعات، والمضاربات، والتطورات العسكرية.

ولا يقتصر تأثير هذا الوضع على أسواق العملات وحدها، بل يمتد إلى كل مفاصل الاقتصاد. فكل ارتفاع في سعر الدولار يعني ارتفاعاً جديداً في أسعار الوقود، والنقل، والدواء، والغذاء، ومدخلات الإنتاج، وهو ما ينعكس في نهاية المطاف على المواطن الذي يجد نفسه يدفع ثمن أزمة لم يكن طرفاً فيها.

ويحذر خلف الله من أن استمرار هذا المسار سيؤدي إلى مزيد من تآكل مؤسسات الدولة الاقتصادية، ما لم تستعد السلطة النقدية استقلالها، ويُعاد بناء الثقة في الجهاز المصرفي، ضمن مشروع وطني أشمل يعيد للدولة دورها في تنظيم الاقتصاد وإدارة الموارد.

وفي تقديره، فإن الأزمة الحالية لا يمكن اختزالها في معالجة سعر الصرف أو توفير احتياطيات من النقد الأجنبي، لأن المشكلة الحقيقية تكمن في غياب الدولة الاقتصادية نفسها. ولذلك، فإن أي إصلاح نقدي لن يكتب له النجاح إذا ظل يجري في بيئة سياسية مضطربة، تفتقر إلى الاستقرار المؤسسي، وتغيب عنها سلطة قادرة على فرض القانون على جميع الفاعلين الاقتصاديين.

قاعدة الإنتاج تحت أنقاض الحرب

لا يتوقف المهندس عادل خلف الله عند مؤشرات التضخم أو انهيار سعر الصرف بوصفها التعبير الأبرز عن الأزمة الاقتصادية، بل يعتقد أن الخطر الحقيقي يكمن في الضربة التي تعرضت لها قاعدة الإنتاج نفسها. فالدول، كما يقول، تستطيع أن تتجاوز أزمات العملة إذا كانت تمتلك اقتصاداً منتجاً قادراً على التعافي، أما حين تنهار الزراعة والصناعة معاً، فإن الأزمة تتحول من أزمة مالية إلى أزمة وجود اقتصادي تهدد مستقبل البلاد لعقود.

ومن هذا المنطلق، يصف الحرب بأنها لم تستهدف المدن والبنى التحتية فحسب، وإنما أصابت القلب المنتج للاقتصاد السوداني. فالمصانع التي كانت تمثل العمود الفقري للصناعة الوطنية تعرضت للتدمير والنهب والتوقف القسري، بينما فقدت المناطق الزراعية جانباً كبيراً من قدرتها على الإنتاج، نتيجة انعدام الأمن، وتعطل سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف التشغيل، ونزوح المزارعين والعمال من مناطقهم.

ويشير إلى أن ما جرى خلال الحرب تجاوز الخسائر التقليدية التي تصاحب النزاعات المسلحة، إذ أصاب منظومة الإنتاج في مختلف حلقاتها، من توفير المدخلات وحتى عمليات النقل والتسويق والتصدير. فالطريق الذي ينقل المحاصيل أصبح في كثير من الأحيان ساحة قتال، والمصنع الذي ينتظر المواد الخام توقف بسبب انقطاع الكهرباء أو فقدان الوقود، والمزارع الذي كان يعتمد على التمويل الموسمي وجد نفسه عاجزاً عن الوصول إلى المصارف أو الحصول على التمويل أو حتى تأمين محصوله.

ويستند خلف الله إلى تقديرات وتقارير دولية تشير إلى أن نسب الدمار في عدد من القطاعات الإنتاجية والخدمية تراوحت بين ستين وثمانين في المائة، وهي أرقام تعكس، في رأيه، حجم الكارثة التي أصابت الاقتصاد الحقيقي، لا الاقتصاد الورقي فقط. فالمشكلة لم تعد في تراجع الناتج المحلي أو انخفاض الإيرادات، وإنما في فقدان الدولة جزءاً كبيراً من قدرتها على إنتاج الثروة من الأساس.

ويعتقد أن القطاع الصناعي كان من أكثر القطاعات تضرراً، ليس فقط لأن معظم المنشآت الصناعية الكبرى تركزت في العاصمة التي شهدت أعنف المعارك، وإنما أيضاً لأن الصناعة بطبيعتها تعتمد على منظومة متكاملة من الخدمات. فعندما تنقطع الكهرباء، أو تتوقف شبكات المياه، أو تنهار الطرق، أو يتعطل القطاع المصرفي، يصبح استمرار الإنتاج شبه مستحيل حتى لو بقيت المصانع قائمة.

ويضيف أن آلاف المنشآت الصناعية تعرضت للنهب أو التخريب أو التوقف الكامل، فيما فقدت أعداد كبيرة من الكوادر الفنية وظائفها، واضطرت إلى النزوح داخل البلاد أو الهجرة إلى الخارج، وهو ما خلق نزيفاً مزدوجاً، طال رأس المال المادي ورأس المال البشري في آن واحد.

ولا يقل المشهد قتامة في القطاع الزراعي، الذي ظل لعقود يمثل الأمل الأكبر للسودان في تحقيق الأمن الغذائي وتوفير النقد الأجنبي. فالحرب، بحسب خلف الله، لم تدمر الأرض الزراعية، لكنها عطلت كل ما يجعل الزراعة ممكنة. فمن دون أمن، لا يستطيع المزارع الوصول إلى حقله، ومن دون وقود لا تعمل الطلمبات، ومن دون تمويل لا تُشترى البذور والأسمدة، ومن دون طرق آمنة لا تصل المحاصيل إلى الأسواق.

ويشير إلى أن تقديرات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) تظهر أن نحو أربعين في المائة من الأراضي الزراعية تأثر إنتاجها أو توقف، بينما انخفض إنتاج القمح بنحو ستين في المائة مقارنة بمتوسط السنوات السابقة، وتراجع إنتاج الذرة بصورة كبيرة، الأمر الذي أوجد فجوة غذائية واسعة، ورفع معدلات الاعتماد على الواردات والمساعدات الإنسانية في بلد ظل يوصف لعقود بأنه سلة غذاء محتملة للمنطقة.

غير أن خلف الله يرفض التعامل مع الزراعة بوصفها مجرد قطاع اقتصادي منفصل، ويرى أن الأزمة تكمن في غياب رؤية شاملة لإدارة الموارد الزراعية. فالسودان، في تقديره، لا يفتقر إلى الأرض أو المياه أو الثروة الحيوانية، وإنما يفتقر إلى مشروع وطني يربط بين هذه الموارد ضمن منظومة إنتاج متكاملة.

ولهذا يدعو إلى تجاوز النظرة التقليدية التي تفصل بين الزراعة المروية والمطرية، أو بين الإنتاج الزراعي والرعوي والغابي، معتبراً أن تحقيق الأمن الغذائي يتطلب ما يسميه “التكامل المرن” بين مختلف البيئات الإنتاجية، بحيث تتحول الموارد المتنوعة إلى عناصر قوة متكاملة بدلاً من بقائها قطاعات متفرقة تعمل كل منها بمعزل عن الأخرى.

ولا يقف عند حدود تشخيص الأزمة، بل يطرح رؤية لإعادة بناء القطاعين الزراعي والصناعي بعد الحرب، تبدأ – كما يؤكد مراراً – من وقف القتال. فإعادة الإعمار، في رأيه، ليست مجرد عملية هندسية لإصلاح الطرق والجسور والمباني، وإنما مشروع اقتصادي وسياسي متكامل يعيد الحياة إلى دورة الإنتاج.

ويرى أن الخطوة الأولى تتمثل في إعادة تأهيل البنية التحتية الأساسية، من كهرباء ومياه وطرق وموانئ وشبكات نقل، لأنها تمثل الشريان الذي يغذي النشاط الاقتصادي كله. ويلي ذلك توفير بيئة نقدية مستقرة تسمح باستيراد مدخلات الإنتاج وقطع الغيار، مع إعادة بناء الجهاز المصرفي ليعود قادراً على تمويل الزراعة والصناعة بدلاً من اقتصار دوره على المعاملات التجارية قصيرة الأجل.

كما يشدد على ضرورة إعادة الاعتبار للبحث العلمي الزراعي والصناعي، من خلال تطوير البذور والسلالات الحيوانية، وتحسين خصوبة التربة، وتوسيع استخدام التقنيات الحديثة والطاقة الشمسية في الإنتاج الزراعي، إلى جانب إنشاء صناديق متخصصة للتأمين ضد المخاطر الزراعية، بما يخفف الأعباء عن المزارعين ويشجعهم على العودة إلى الإنتاج.

ويؤكد أن السودان لا يحتاج إلى استيراد نموذج جاهز لإعادة الإعمار، بل إلى صياغة نموذج يستند إلى خصوصيته الاقتصادية. فالأولوية، في رأيه، يجب أن تكون لتلبية احتياجات السوق المحلية أولاً، قبل التفكير في التصدير، مع التوسع تدريجياً في الصناعات القائمة على القيمة المضافة للمنتجات الزراعية والحيوانية، حتى لا يظل السودان مصدراً للمواد الخام ومستوردًا للسلع المصنعة.

وفي هذا الإطار، يلفت إلى أن ثروات السودان الطبيعية ما تزال تمثل فرصة تاريخية للنهوض الاقتصادي، رغم ما أصابها من استنزاف خلال سنوات الحرب. فالذهب، والنحاس، والصمغ العربي، والغابات، والثروة الحيوانية، والطاقة الشمسية، وتحويلات السودانيين في الخارج، جميعها موارد قادرة على توفير احتياطيات معتبرة من النقد الأجنبي إذا أُديرت وفق رؤية وطنية، بعيداً عن اقتصاد الامتيازات والمحاصصة الذي حكم البلاد خلال العقود الماضية.

لكن خلف الله يحذر من أن هذه الفرصة قد تضيع إذا تحولت إعادة الإعمار إلى سباق بين القوى الخارجية على الموارد السودانية، أو إذا خضعت لشروط سياسية واقتصادية تنتقص من سيادة الدولة. ولذلك، فهو يرى أن نجاح الإعمار لا يقاس بحجم الأموال التي ستتدفق إلى السودان، وإنما بقدرة السودانيين على الاحتفاظ بملكية قرارهم الاقتصادي، وتوجيه تلك الموارد نحو بناء اقتصاد منتج، لا إعادة إنتاج الاختلالات القديمة في ثوب جديد.

ويخلص إلى أن الحرب لم تدمر المصانع والمزارع وحدها، بل كسرت الثقة في المستقبل، وأن المهمة الأصعب بعد إسكات صوت المدافع لن تكون إزالة الأنقاض، بل إعادة بناء الإنسان والمؤسسات، واستعادة العلاقة بين الدولة والإنتاج، حتى يصبح الاقتصاد مرة أخرى أداة لبناء السلام، لا وقوداً لصراعات جديدة.

إعادة الإعمار بين السيادة والتبعية 

في خضم الحديث عن حجم الدمار الذي خلفته الحرب، يحرص المهندس عادل خلف الله على لفت الانتباه إلى قضية يعتبرها أكثر تعقيداً من إزالة الأنقاض وإعادة بناء الجسور والمباني، وهي الكيفية التي ستُدار بها مرحلة إعادة الإعمار. فالتجارب الدولية، في تقديره، تثبت أن نهاية الحروب لا تعني بالضرورة بداية التعافي، إذ يمكن أن تتحول إعادة الإعمار نفسها إلى بوابة لأزمة جديدة إذا افتقدت الرؤية الوطنية، أو إذا خضعت بالكامل لإرادة الممولين الخارجيين.

ويرى أن السودان يقف أمام مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن تكون إعادة الإعمار مدخلاً لإعادة بناء الدولة والاقتصاد على أسس جديدة، وإما أن تتحول إلى عملية ترميم مادي تعيد إنتاج الاختلالات التي قادت البلاد إلى أزماتها الحالية. ولذلك، يعتقد أن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بحجم الأموال التي يحتاجها السودان، وإنما بمن يضع أولويات الإنفاق، ومن يمتلك القرار في توجيه تلك الموارد، ولأي غايات ستستخدم.

ويؤكد أن تجارب كثير من الدول التي خرجت من الحروب تكشف أن التمويل الخارجي ليس شراً في ذاته، لكنه يصبح خطراً عندما يقترن بشروط تنتقص من القرار الوطني، أو تفرض نماذج اقتصادية لا تنسجم مع واقع الدولة واحتياجاتها. ومن هنا، فإن التخوف من تحول إعادة الإعمار إلى شكل جديد من أشكال التبعية الاقتصادية يظل ــ بحسب رأيه ــ تخوفاً مشروعاً، خاصة في بلد يمتلك ثروات ضخمة، ويقع في قلب تنافس إقليمي ودولي متزايد.

ويشير إلى أن التجارب الدولية تقدم نماذج متباينة يمكن الاستفادة منها. فهناك دول استطاعت تحويل الدمار إلى نقطة انطلاق جديدة لأنها امتلكت مشروعاً وطنياً واضحاً، وحددت بنفسها أولويات التنمية، وتعاملت مع التمويل الخارجي باعتباره أداة مساعدة لا بديلاً عن الإرادة الوطنية. ويستشهد في هذا السياق بتجارب مثل رواندا وفيتنام والجزائر، التي تمكنت، بدرجات متفاوتة، من توظيف الدعم الخارجي لخدمة برامجها الوطنية، بدلاً من أن تتحول إلى رهينة له.

لكن السودان، في نظره، يمتلك خصوصية تجعل استنساخ أي تجربة أمراً غير ممكن. فمساحة البلاد الشاسعة، والتفاوت التنموي بين الأقاليم، وآثار الحرب الممتدة، تفرض نموذجاً مختلفاً يقوم على الجمع بين التخطيط المركزي والتنفيذ اللامركزي. فالدولة يجب أن تضع السياسات العامة والأولويات الاستراتيجية، بينما تُمنح الأقاليم مساحة واسعة لتحديد احتياجاتها وتنفيذ برامجها، بما يحقق تنمية أكثر عدالة، ويمنع تكرار المركزية التي ساهمت في إنتاج التهميش والصراعات.

ويعتقد خلف الله أن العدالة في توزيع مشاريع الإعمار ستكون أحد أهم اختبارات المرحلة المقبلة. فالسودان، كما يقول، دفع ثمناً باهظاً لسنوات طويلة من التنمية غير المتوازنة، حيث تركزت الخدمات والاستثمارات في مناطق محددة، بينما بقيت أقاليم واسعة خارج دائرة الاهتمام. وإذا أعيد إنتاج هذا النمط بعد الحرب، فإن أسباب الاحتقان ستظل قائمة، حتى لو توقفت المعارك.

ولهذا يدعو إلى أن تُبنى خطة الإعمار على معايير واضحة، تمنح الأولوية للمناطق الأكثر تضرراً، وللأقاليم التي عانت تاريخياً من التهميش، مع توزيع الاستثمارات بصورة تحقق قدراً من التوازن بين مختلف أنحاء البلاد، بدلاً من إعادة تدوير الفوارق القديمة.

وفي الوقت نفسه، يشدد على أن الدولة ينبغي أن تحتفظ بسيطرتها على القطاعات الاستراتيجية التي تمثل مصدر القوة الاقتصادية في المستقبل، وفي مقدمتها التعدين، والذهب، والصمغ العربي، والاتصالات، والطاقة، باعتبارها موارد سيادية لا يجوز أن تتحول إلى أدوات للمساومات السياسية أو الاقتصادية.

ويرى أن الاعتماد على الذات يجب أن يكون المبدأ الحاكم لأي مشروع اقتصادي جديد، لا بمعنى الانغلاق عن العالم، وإنما بمعنى أن يكون التمويل الخارجي عاملاً مكملاً، بينما تبقى الموارد الوطنية هي الأساس الذي يقوم عليه الاقتصاد. ويضيف أن السودان يمتلك من الإمكانات الطبيعية والبشرية ما يؤهله لبناء اقتصاد قوي، إذا ما أُديرت تلك الإمكانات بكفاءة وشفافية، بعيداً عن الفساد والمحاصصات السياسية.

ولا يغفل خلف الله البعد الاجتماعي لعملية الإعمار، مؤكداً أن إعادة بناء الاقتصاد لا يمكن أن تنجح إذا اقتصرت على المنشآت والمشروعات الكبرى، بينما تُترك آثار الحرب الثقيلة على المواطنين دون معالجة. فملايين النازحين واللاجئين، وآلاف الأسر التي فقدت مصادر دخلها، والشباب الذين خرجوا من سوق العمل، جميعهم يحتاجون إلى أن يكونوا جزءاً من عملية التعافي، لا مجرد متلقين للمساعدات الإنسانية.

ولهذا يدعو إلى أن تتحول مشاريع الإعمار إلى محرك لخلق فرص العمل، من خلال الاعتماد على العمالة المحلية، وتشجيع الصناعات الوطنية، وربط إعادة البناء ببرامج تدريب وتأهيل تستوعب الكفاءات التي فقدت وظائفها، وتعيد دمجها في النشاط الاقتصادي.

ويعتقد أن الاقتصاد السوداني لا يحتاج فقط إلى رؤوس أموال جديدة، بل يحتاج قبل ذلك إلى استعادة الثقة. فالمستثمر، سواء كان سودانياً أو أجنبياً، لن يغامر بأمواله في بيئة تفتقر إلى الاستقرار السياسي، أو يغيب عنها حكم القانون، أو تتعدد فيها مراكز اتخاذ القرار. ولهذا، فإن استعادة الثقة في مؤسسات الدولة تمثل، في تقديره، الخطوة الأولى نحو استعادة الثقة في الاقتصاد.

ومن هنا يعود خلف الله إلى الفكرة التي تكاد تتكرر في جميع محاور حديثه، وهي أن وقف الحرب ليس بنداً ضمن برنامج الإصلاح الاقتصادي، بل هو الشرط الذي يجعل أي إصلاح ممكناً. فلا يمكن، في رأيه، الحديث عن إعادة إعمار، أو جذب استثمارات، أو استقرار نقدي، أو زيادة الإنتاج، بينما تستمر الحرب في استنزاف الموارد، وتدمير البنية التحتية، ودفع الكفاءات إلى الهجرة.

ويذهب إلى أن بعض الخطابات السياسية تتعامل مع إعادة الإعمار وكأنها مرحلة يمكن الإعداد لها بالتوازي مع استمرار القتال، وهو تصور يصفه بأنه يفتقر إلى الواقعية. فالحرب لا تلتهم الموارد المالية فقط، بل تدمر البيئة التي يفترض أن تُنفذ فيها مشاريع التنمية، وتجعل أي استثمار عرضة للمخاطر، وتبدد ثقة المجتمع المحلي والدولي على السواء.

ولذلك، فإن الطريق إلى التعافي يبدأ، في نظره، من بناء توافق وطني واسع يضع نهاية للحرب، ويؤسس لمرحلة انتقالية قصيرة ومحددة المهام، تتفرغ لإعادة بناء مؤسسات الدولة، واستعادة الخدمات الأساسية، وتهيئة المناخ لانتقال ديمقراطي يقود إلى مؤسسات منتخبة تمتلك الشرعية اللازمة لإدارة عملية الإعمار.

ويؤكد أن السودان لا يحتاج بعد الحرب إلى مجرد إعادة بناء ما تهدم، بل إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والاقتصاد، وبين السلطة والمجتمع، بحيث يصبح الإنتاج هو مصدر الثروة، وتصبح العدالة في توزيع الموارد أساس الاستقرار السياسي. فالدول، كما يقول، لا تنهض بالإسمنت والحديد وحدهما، وإنما تنهض حين تضع الإنسان في قلب مشروعها الوطني، وحين تتحول التنمية إلى عقد اجتماعي جديد، لا إلى برنامج اقتصادي عابر.

خريطة الخروج من الأزمة 

ورغم الصورة القاتمة التي يرسمها المهندس عادل خلف الله للاقتصاد السوداني، فإنه يرفض الاستسلام لفكرة أن البلاد وصلت إلى طريق مسدود. فالأزمات، مهما بلغت قسوتها، لا تعني نهاية الدول، بقدر ما تفرض عليها مراجعة عميقة لخياراتها السياسية والاقتصادية. ومن هذا المنطلق، يعتقد أن السودان ما يزال يمتلك فرصة حقيقية للنهوض، لكنها فرصة مشروطة بإحداث قطيعة مع الأسباب التي قادت إلى الانهيار، لا بالاكتفاء بمعالجة نتائجه.

ويؤكد أن الحديث عن التعافي الاقتصادي ينبغي ألا يبدأ من الموازنة العامة أو أسعار الصرف أو حجم الديون، وإنما من سؤال أكثر جوهرية يتعلق بطبيعة الدولة التي يريد السودانيون بناءها بعد الحرب. فالاقتصاد، في تقديره، ليس قطاعاً منفصلاً عن السياسة، وإنما هو انعكاس مباشر لشكل السلطة، وطريقة إدارة الموارد، ومدى احترام المؤسسات وسيادة القانون.

ولهذا يرى أن الأولوية المطلقة تتمثل في وقف الحرب، باعتبارها الشرط الذي تسبقه كل الأولويات ولا يسبقه شيء. فكل يوم تستمر فيه المعارك يعني مزيداً من النزيف في الموارد، ومزيداً من التدمير لقاعدة الإنتاج، واتساع رقعة الفقر والنزوح، وتعقيد أي مشروع مستقبلي لإعادة البناء. أما محاولة إدارة آثار الحرب مع استمرارها، فيصفها بأنها محاولة لمعالجة الأعراض مع ترك المرض يتفاقم.

ومن وجهة نظره، فإن المرحلة التي تلي وقف الحرب ينبغي أن تقوم على توافق وطني واسع، يحدد برنامجاً انتقالياً قصير الأجل، لا تتحول فيه الحكومة إلى سلطة دائمة، وإنما إلى إدارة مؤقتة هدفها إعادة تشغيل مؤسسات الدولة، واستعادة الخدمات الأساسية، وتهيئة البلاد لانتقال ديمقراطي يفضي إلى مؤسسات منتخبة تملك التفويض الشعبي لإدارة الملفات الكبرى.

وفي هذا السياق، يلفت إلى أن نجاح أي برنامج اقتصادي لن يقاس فقط بقدرته على تحقيق معدلات نمو مرتفعة، وإنما بمدى انعكاسه على حياة المواطنين. فالدولة مطالبة، في رأيه، بأن توجه مواردها أولاً إلى الصحة والتعليم والمياه والكهرباء والخدمات الأساسية، وأن تعمل على ضبط أسعار السلع الضرورية، وإعادة بناء شبكات الحماية الاجتماعية، لأن التنمية التي لا يشعر بها المواطن تبقى مجرد أرقام في تقارير المؤسسات الدولية.

ولا يخفي خلف الله تحفظاته على النهج الذي حكم علاقة السودان بالمؤسسات المالية الدولية خلال العقود الماضية. فهو يرى أن مؤسسات بريتون وودز، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، أنشئت نظرياً لتحقيق الاستقرار والتنمية، غير أن ممارساتها العملية كثيراً ما خضعت لموازين القوى الدولية، وأصبحت سياساتها انعكاساً لمصالح الدول الكبرى أكثر من كونها استجابة لاحتياجات الدول النامية.

ويشير إلى أن برامج التكيف الهيكلي التي طُبقت في كثير من البلدان قامت على وصفات متشابهة، أبرزها الخصخصة، ورفع الدعم، وتقليص دور الدولة، وتحرير الأسواق، وهي سياسات يرى أنها أدت، في حالات كثيرة، إلى زيادة معدلات الفقر والبطالة، وتعميق المديونية، بدلاً من تحقيق التنمية المستدامة التي بشرت بها.

لكنه، في الوقت ذاته، لا يدعو إلى القطيعة مع العالم أو الانعزال عن النظام الاقتصادي الدولي، بل يؤكد أن المطلوب هو إعادة صياغة العلاقة مع المؤسسات المالية الدولية على أساس المصالح الوطنية، بحيث يصبح التمويل الخارجي وسيلة لدعم الإنتاج ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات، لا أداة لفرض سياسات جاهزة لا تراعي خصوصية الاقتصاد السوداني.

ويستحضر في هذا الإطار تجربة الحكومة الانتقالية بعد ثورة ديسمبر، التي سعت إلى إعادة دمج السودان في الاقتصاد العالمي، والاستفادة من مبادرة إعفاء الديون المعروفة بـ”هيبك”. ويقر بأن تلك المحاولة كانت تستهدف الخروج من العزلة الاقتصادية الثقيلة التي فرضتها سنوات العقوبات، لكنها واجهت تعقيدات داخلية وخارجية، قبل أن تتوقف عملياً بعد انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021، ثم تنهار تماماً مع اندلاع الحرب، لتعود البلاد مرة أخرى إلى دائرة العزلة، ويتجمد ملف الديون وإعادة الاندماج الدولي.

ولا يتوقف نقد خلف الله عند السياسات الاقتصادية، بل يمتد إلى بعض القرارات الإدارية التي صدرت خلال الحرب، وفي مقدمتها توصيات لجنة إصلاح الخدمة المدنية التي دعت إلى إنهاء خدمة عشرات الآلاف من العاملين في مؤسسات الدولة.

ويعتبر أن تلك التوصيات تعكس فهماً قاصراً لطبيعة الأزمة، لأنها تنظر إلى الجهاز الحكومي باعتباره عبئاً مالياً ينبغي التخلص منه، بينما يتطلب الواقع إعادة تشغيل مؤسسات الدولة استعداداً لمرحلة الإعمار. ويرى أن توقيت هذه المقترحات يثير تساؤلات كبيرة، خاصة في وقت تدعو فيه السلطات إلى عودة النازحين واللاجئين، وهو ما يستلزم توسيع الخدمات العامة، لا تقليصها.

ويحذر من أن معالجة الأزمة المالية عبر تقليص العاملين في الدولة قد تؤدي إلى نتائج عكسية، إذ يمكن أن تفضي إلى إضعاف المؤسسات التي يفترض أن تقود عملية إعادة البناء، فضلاً عن آثارها الاجتماعية على آلاف الأسر التي تعتمد على تلك الوظائف كمصدر دخل وحيد.

كما يعتقد أن الإصلاح الإداري الحقيقي لا يتحقق عبر قرارات جماعية بإنهاء الخدمة، وإنما عبر مراجعة شاملة لهياكل الدولة، ووضع معايير مهنية عادلة للتقييم، ومحاربة الفساد والمحسوبية، وإعادة بناء الخدمة المدنية على أساس الكفاءة والاستقلالية، بعيداً عن منطق التصفية السياسية الذي عرفته البلاد في محطات مختلفة من تاريخها.

وفي ختام قراءته، يعود خلف الله إلى الفكرة التي تشكل الخيط الناظم لكل رؤيته، وهي أن الأزمة السودانية، رغم مظاهرها الاقتصادية، تظل في جوهرها أزمة دولة. ولذلك فإن إنقاذ الاقتصاد لن يتحقق عبر إجراءات مالية معزولة، أو قرارات نقدية مؤقتة، بل عبر مشروع وطني يعيد تأسيس العلاقة بين السلطة والمجتمع، ويضع الإنتاج في قلب العملية الاقتصادية، ويعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة، ويؤسس لحكم ديمقراطي يستمد شرعيته من الإرادة الشعبية.

فالسودان، كما يرى، لا تنقصه الموارد، ولا تعوزه الإمكانات الطبيعية أو البشرية، لكنه يحتاج إلى إدارة رشيدة، وإرادة سياسية تضع المصلحة الوطنية فوق المصالح الضيقة، وتستبدل اقتصاد الحرب باقتصاد السلام، واقتصاد الريع باقتصاد الإنتاج.

وبقدر ما تبدو الطريق شاقة، فإنها، في تقديره، ليست مستحيلة. فالدول التي استطاعت النهوض بعد الحروب لم تكن أقل دماراً من السودان، لكنها امتلكت مشروعاً وطنياً جامعاً، ووضعت الإنسان والإنتاج والعدالة في قلب عملية إعادة البناء. أما الاكتفاء بإعادة تشييد ما هدمته الحرب، دون مراجعة الأسس التي قادت إليها، فلن يكون سوى تمهيد لدورة جديدة من الأزمات، قد تكون أكثر قسوة مما عرفته البلاد حتى اليوم.@adel ahim

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى