الصحافة التي صنعت السودان المتخيَّل .. كيف حوّل ملاك الجرائد الأميركية أزمة بريطانية إلى أسطورة شعبية

محمد أحمد شبشة

في عام 1883 اشترى جوزيف بوليتزر صحيفة New York World بثمن بخس، وفي العام التالي وصل الجنرال تشارلز غوردون إلى الخرطوم. لم يكن هذا التزامن محض مصادفة في أثره، بل كان لقاءً بين حدثين من طبيعتين مختلفتين سيُفضي اجتماعهما إلى شيء لم يقصده أحد: صناعة صورة بلد كامل في أذهان ملايين الأميركيين لم يكن أكثرهم قد سمع باسمه من قبل، أو كما وصفت إحدى الصحف الأميركية عام 1884 حال قرائها: “السودان بالنسبة إلى معظم الأميركيين ليس أكثر من كلمة عابرة.” كان بوليتزر يبحث عن قصص تُشعل الخيال وترفع التوزيع، وكان السودان يُقدّم كل يوم ما يكفي من الدراما والغموض والبطولة والموت لإشباع تلك الحاجة وأكثر.

لم تكن الصحافة الأميركية في تلك الحقبة كتلة واحدة متجانسة؛ كان فيها المحافظ الموالي للمصالح البريطانية، وفيها الشعبوي الساعي إلى التوزيع بأي ثمن، وفيها الليبرالي المنتقد للإمبريالية البريطانية انطلاقًا من مبادئ الجمهورية الأميركية التي نشأت أصلًا على رفض الاستعمار الإنجليزي. غير أن ما يلفت النظر هو أن هذه التيارات المتباينة، رغم اختلاف دوافعها وزوايا نظرها، أنتجت في نهاية المطاف صورة واحدة عن السودان؛ صورة الأرض الغامضة البعيدة التي يجري فيها شيء درامي وخطير ومثير للفضول، بينما ظل السودانيون أنفسهم في الهامش، حاضرين كجموع مبهمة لا كبشر لهم أسماء وحيوات.

كانت المفارقة الكبرى أن أشد المنابر الأميركية انتقادًا للإمبريالية البريطانية كانت في الوقت ذاته أكثرها إسهامًا في ترسيخ الصورة الاستشراقية عن السودان. فحين كانت صحيفة بوليتزر تنتقد غلادستون وتصف التدخل البريطاني في السودان بأنه نموذج للغطرسة الإمبريالية، كانت في الوقت ذاته تصف المقاتلين السودانيين بـ”الدراويش”، وتُقدّم المهدي شخصية غامضة متعصبة لا زعيمًا سياسيًا ذا مشروع وطني. وهكذا كان الانتقاد والتشويه يسيران جنبًا إلى جنب في العمود ذاته، لأن الإطار المرجعي لكلا الموقفين كان إطارًا واحدًا: السودان موجود لكي يكون مسرحًا لفعل أوروبي، سواء كان ذلك الفعل بطولة تستحق الثناء أم استعمارًا يستحق الانتقاد.

وحين اشترى وليام راندولف هيرست صحيفة New York Journal عام 1895 وبدأ منافسته الشهيرة مع بوليتزر في سباق التوزيع — وهو السباق الذي أفرز ما عُرف لاحقًا بـ”الصحافة الصفراء”، أي تلك الصحافة التي تُقدّم الإثارة والدراما على حساب الدقة والعمق في سعيها الدائم لرفع أعداد القراء — كانت قصة السودان قد أسست نموذجًا راسخًا في كيفية تناول أحداث العالم الخارجي: عناوين كبيرة ومثيرة، وشخصية بطولية أو شريرة في المركز، وخلفية جغرافية غريبة وأسطورية تمنح القصة نكهة الإثارة والغرابة. وكان السودان قد قدّم كل عناصر هذه المعادلة بامتياز؛ غوردون البطل الشهيد، والمهدي الزعيم الغامض، والصحراء التي لا تُقهر، والمعارك التي كسرت فيها جموع “الدراويش” التكتيك العسكري البريطاني الذي كان يُعتقد أنه لا يُهزم.

ثم جاءت معركة أم درمان عام 1898 لتُكمل ما بدأه سقوط الخرطوم، ولتُرسّخ في الذاكرة الأميركية صورة السودان كأرض يتصادم فيها التحديث الأوروبي مع الإسلام المقاتل، وكذلك فعلت أزمة فاشودة في العام ذاته حين تصادمت فرنسا وبريطانيا على أرض سودانية، إذ غطّت الصحافة الأميركية الأزمة بكل تفاصيلها الأوروبية لكن بلا كلمة واحدة عما يعنيه كل هذا للسودانيين الذين كانت أرضهم مسرح ذلك التنافس. وقد بلغ هذا النمط ذروته في عنوان نشرته صحيفة Pensacola Journal في يونيو 1922 يقول: “من يمسك السودان يمسك مصر — بدون السودان تصبح مصر قبرًا لشعبها.” لم يكن في ذلك العنوان سودانيٌّ واحد؛ السودان أداة في يد من يسيطر عليه، لا وطن لمن يسكنونه.

وهكذا تراكمت طبقة فوق طبقة من الصور والقصص والعناوين، بعضها من مناهضي الإمبريالية وبعضها من المتحمسين لها، وبعضها من سعي صادق لإثارة الرأي العام وبعضها من حسابات التوزيع والربح، لتصنع في النهاية ما يمكن تسميته “السودان الأميركي المتخيَّل”؛ ذلك السودان الذي لم يكن يشبه السودان الحقيقي في شيء، لكنه كان أكثر حضورًا وأكثر تأثيرًا في الوعي الشعبي الأميركي من أي وصف دقيق لما كان يجري فعلًا في أم درمان والجزيرة والنيل. وحين وقف مؤسسو معبد نيو برن عام 1916 أمام معضلة اختيار الاسم، لم يحتاجوا إلى تفكير طويل؛ فـ”السودان” كان الاسم الذي تشرّبوه من عقود من الصحافة، الاسم الذي كان يحمل في أذهانهم كل ما يريدونه: الغموض والفروسية والبُعد الأسطوري. لم يستعيروا اسم دولة، بل استعاروا صورة صنعتها الصحافة ورسّختها جيلًا بعد جيل، دون أن يدروا أن وراء ذلك الاسم بلدًا حقيقيًا بأهله وتاريخه ومجتمعه، وهو ما تحاول المقالة التالية أن تكشف عنه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى