محجوب والمرأة
الكمدة بالرمدة

أمير أحمد السيد
كان محجوب شريف عبارة عن حالة فريدة ومختلفة جدًا، رجل متسق مع كل ما يقول، فكانت المرأة في حياة محجوب تقديرًا خاصًا، ووعيًا واحترامًا لدورها وحقها وتطلعاتها وخياراتها في الحياة، ويظهر ذلك جليًا من خلال اتساق أقواله وقناعاته وأفعاله مع كل كتاباته شعرًا ونثرًا.
جاءت كتابات محجوب عن المرأة شعرًا ونثرًا تمنحها حقها كاملًا، وفيها تقدير وحب واضح، فكتب عن الأم، وكان نصيب مريم محمود، والدته، عظيمًا، يحكي لها عن عظيم حبه وأشواقه، وهو يطمئنها رغم معاناته داخل المعتقل.
ﻳﺎ ﻭﺍﻟﺪﺓ ﻳﺎ ﻣﺮﻳﻢ … ﻳﺎ ﻋﺎﻣﺮﺓ ﺣﻨﻴﺔ
ﺃﻧﺎ ﻋﻨﺪﻱ ﺯﻳﻚ ﻛﻢ … ﻳﺎ ﻃﻴﺒﺔ ﺍﻟﻨﻴﺔ
ﺑﺸﺘﺎﻕ ﻭﻣﺎ ﺑﻨﺪﻡ … ﺍﺗﺼﺒﺮﻱ ﺷﻮﻳﺔ
ﻳﺎ ﻭﺍﻟﺪﺓ ﻳﺎ ﻣﺮﻳﻢ
ﻣﺎ ﻧﻲ ﺍﻟﻮﻟﻴﺪ ﺍﻟﻌﺎﻕ … ﻻ ﺧﻨﺖّ ﻻ ﺳﺮﺍﻕ
ﻭﺍﻟﻌﺴﻜﺮﻱ ﺍﻟﻔﺮﺍﻕ … ﺑﻴﻦ ﻗﻠﺒﻚ ﺍﻟﺴﺎﺳﺎﻕ
ﻭﺑﻴﻨﻲ ﻫﻮ ﺍﻟﺒﻨﺪﻡ … ﻭﺍﻟﺪﺍﻳﺮﻭ ﻣﺎ ﺑﻨﺘﻢ
ﻳﺎ ﻭﺍﻟﺪﺓ ﻳﺎ ﻣﺮﻳﻢ………..
ظل محجوب في مشوار حياته مهمومًا بالمرأة، والتي كانت تمثل له الأم والأخت والزوجة، وكان يعتقد دائمًا أنه، وفي ظل الدكتاتوريات، كانت المرأة دائمًا هي التي تتحمل أقسى الظروف وعبء الحياة اليومية، بل وتصمد في مواجهتها، فكتب في ذلك عن الموظفة المهمومة بالحياة وبراتب لا يروي ظمأها، فيقول عنها:
بين العمل والبيت
فصد جبينها عرق
أم اليتامى بكت
لمن حسابها فرق
ماهية تمشي السوق
مركب مصيرها غرق
حق اللبن والزيت
الكسرة والكراس
هم في عيونها برق
الما بحس ما بهم
والخان هموموا سرق
هذا المرتب تب
ما بسدها الفرقة
ويقف محجوب سدًا منيعًا داعمًا للمرأة بكلماته القوية، مؤمنًا بها وبقدراتها ودورها في الحياة، ويسعى جاهدًا في كل صوره البديعة التي يرسمها أن يمنحها القوة ويبعدها عن الضعف والوهن، فيقول:
إنثى ولا دستة رجال
تمشي ما بتطأتي
ما بين بئر وشاطي
تطلع عالي واطي
نهارها مع السواقي
وليلها مع الطواقي
وعمرها للجهال
نعم، حقًا المرأة عظيمة، وظل محجوب يتناول في أشعاره وصوره الإبداعية المرأة في كل مكان، في البيت، في الشارع، في المصنع، وفي السوق، وفي القرى والأرياف والبوادي، مدافعًا عنها وعن دورها في الحياة وحقها في العمل والنضال من أجل الحرية ونيل حقوقها كاملة.

كان محجوب أيضًا ذلك الزوج العظيم النبيل الصادق الوفي، وقال في السنبلاية:
ﻟّﻤﺎ ﻋﺮﻓﺘﻚ ﺍﺧﺘﺮﺗﻚ ﺳﻌﻴﺪ ﺍﻟﺒﺎﻝ ..
ﻭﺧﺖّ ﺷﺒﺎﺑﻰ ﻣﺘﻴﻘﻦ
ﻋﻠﻴﻚ ﺁﻣﺎﻝ
ﻻ ﺟﻴﺘﻚ ﻗﺒﻴﻠﻪ..
ﻭﻻ ﺭﺟﻴﺘﻚ ﻣﺎﻝ
ﻭﻻ ﻣﺴﺤﻮﺭ
ﻭﻳﻮﻡ ﻣﺎ ﻛﻨﺖ ﻓﻲ ﻋﻴﻨﻰّ ..
ﺃﺟﻤﻞ ﻣﻦ ﺑﻨﺎﺕ ﺍﻟﺤﻮﺭ
ﺟﻴﺘﻚ ﻋﺎﺷﻖ ﺍﺗﻌّﻠﻢ
ﻣﻦ ﺍﻷﻳﺎﻡ
ﻭﻣﻦ ﺳﺄﻡ ﺍﻟﻠﻴﺎﻟﻰ ﺍﻟﺒﻮﺭ
ﻭﻣﻦ ﺃﺳﺮ ﺍﻟﻮِﻟِﻒ ﻛﺘّﺎﻝ
ﻟﻘﻴﺘﻚ ﻓﻰ ﻃﺸﺎﺷﻰ ﺩﻟﻴﻞ..
ﻭﻓﻰ ﺣﺮّ ﺍﻟﻬﺠﻴﺮﻩ ﻣﻘﻴﻞ
ﺭﻛﺰﺕ ﻋﻠﻰ ﺭﺿﺎﻙِ ﻋﺼﺎﻯ
ﻟﻘﻴﺘﻚ ﻓﻰ ﺣﻴﺎﺗﻰ ﺟﺬﻭﺭ
ﺑﻨﻴّﻪ ﺍﺗﻠﻔّﺤﺖ ﺑﺎﻟﻨﻮﺭ
ﻣﻬﺠّﻨﻪ ﻣﻦ ﻏﻨﺎ ﺍﻷﻃﻔﺎﻝ ..
ﻭﻣﻦ ﺳﻌﻒ ﺍﻟﻨﺨﻴﻞ ﻭﺍﻟﻨﻴﻞ
ﻭﻣﻦ ﻭﻫﺞ ﺍﻟﺸﻤﺲ ﻣﻮّﺍﻝ
نعم، وفاءً عظيمًا يعلمنا معنى الحب والوفاء لسيدة احتملت الكثير من أجل الوطن والفكرة، آمنت به، فكانت خير داعم لهذا الخير والحب والجمال، ركبت معه واختارت الطريق الصعب من أجل وطن وشعب وفكرة عظيمة.
رجل بهذه المواصفات العظيمة منحه الله قلبًا يحتمل حب الجميع، قلبًا أخضر يسع كل الناس بكل أشكالهم وطبائعهم، أحبهم بلا سبب ودون سبب. حقًا، ورغم المعاناة وشقاء الأيام وظلم الأنظمة الشمولية، إلا أنه استطاع الصمود في وجه كل العواصف العاتية التي واجهته في حياته، وكانت أميرة الجزولي هي من وقفت ودعمت وتحملت كل ذلك، فعملت على تنشئة بناته قويات صادقات.
فكتب محجوب لابنتيه مريم ومي من سجون الجلاد، وهي رسائل لأجيال وأجيال قادمة، فقال:
طلعتن من زوايا السجن كالبلاب
وبين السونكى والترباس وبالرقاق وحلق الباب
وعبر السور زى النجمة والعصفور
تجرن جدولاً رقاق
من حبل العشم فتلات
من حقل الوطن شتلات
امكمن الفى قلب جبتن لى
من تيابها شراع
منديلاً خيوطو شعاع
وكراساً مسطر بالضحى اللماع
وخط ايدا وشعورا الحى
شعورا الحي
وقالت لى قالت لى وقالت لى
سلامًا يا أبو مريم ومى
ثباتك شعلة فى ايدى
بناتك خلى راسن فوق
وحاشك الكلام النى
وحاتك ما انكسرنا وراك
ولابدًا يعود الحى
وفجرًا كالكرب حيبين
وشعب تترب حيقوم
ويملا شوارع الخرطوم
وتجر مدامع الحلال
تجر النم تسوى القوق
فوق سودانا فوق سودانا فوق
بدل شاهيك اشرب دم إذا قلت الكلام النى
وأنا الما عندى ليهن شىء
لا فى البنك ولا فى الدين سوى الكلمة المابتنداس
ولا بصبح مكان الرف ولا عصفورة جو الكف
ولا صقر يحلق فوق وينزل كف
نبض الشعب أجمل من بريق الماس
وأجمل من حليب الستره ما حبيت مشارب كاس
كما القمرية بين أغصانها أشرف من موائد ناس
وأقرب للوطن من ناس
وخيرًا جانا ما عم البلد وسواس
إذن فلتقرع الأجراس
مريم حضرى الكراس
أميرة ومى تعالن جاى
نغنى لآخر المشوار
نغنى لآخر الأنفاس
نغنى لآخر المشوار
نغنى لآخر الأنفاس…
نغنى لآخر الأنفاس…
وأيضًا كان قد أعلن عن فرحه وسعادته حينما أتت (مي)، الابنة الثانية، التي استقبلها بحب كبير جدًا وسعادة فائقة، وهي أيضًا درس عظيم جدًا قدمه لنا في حب البنات وعظمة دورهن في الحياة، فكتب تلك التبتبة الجميلة، كلها أمنيات وحب وأمل، غيرت كثيرًا من وعي السودانيين وفهمهم حول دور المرأة العظيم في الأسرة وما يمكن أن تقدمه، فكتب:
في اللحظة ديك والتو … لحظة الميلاد
كنتي نقطة ضوء
فرهدت بيك فرهيد …. وانتشيت بالريد
وطرت بيك الجو
قالوا أيضًا بت …..
قلت مالو ولو
بختي بختي .. أنت بتي .. أمي وأختي.. همي شيلي .. شيلي مني.. مني ختي
إتي
بشوفها عز التبتبة
بتي البريدة مرتبة
دولابا داك والمرتبا
جات من قبيل من مكتبا
أدت أبوها مرتبًا
سددنا دين دكان حسين … كستني توب
نجدنا كم.. كم مرتبة
جيهت بيتنا القديم
السقف داك والمسطبة
قيرا قيرا يا مهيرة
ياشتلاية جاتا مطيرة
تكبري أنت تشيلي حملنا
وتزيدينا ترانا كملنا
نسمع عنك ما يفرحنا
الأستاذة دي كتر خيرا
يوم تلقانا هي … بتوصلنا
وتحصلنا … تفك الحيرة
ما بتتصنت وما بتتعنت
ما بتاوق في حق غيرا





