الإسلام والعلمانية وأزمة الدولة لا أزمة الشعارات (4) الحوار الوطني… من تقاسم السلطة إلى بناء الدولة

محمد عمر شمينا

إذا كان الحوار الوطني ضرورة لا يكاد يختلف حولها اثنان، فإن السؤال الذي يستحق أن يسبق كل الدعوات إليه ليس: هل نتحاور؟ وإنما: حول ماذا نتحاور؟

فليست كل الحوارات سواء، كما أن ليست كل الاتفاقات السياسية قادرة على إخراج الدول من أزماتها. فقد تنجح الأطراف المتصارعة في وقف إطلاق النار، أو تشكيل حكومة انتقالية، أو توزيع المناصب بين القوى السياسية، ومع ذلك تظل أسباب الأزمة قائمة، لتعود بصورة أكثر تعقيداً عند أول اختبار حقيقي. ولهذا فإن قيمة أي حوار لا تقاس بمجرد انعقاده، وإنما بما يستطيع أن يؤسس له من قواعد تمنع تكرار الصراع.

لقد عرف السودان، منذ الاستقلال، أشكالاً متعددة من الحوارات والاتفاقات السياسية. بعضها جاء بعد انتفاضات شعبية، وبعضها جاء بعد حروب طويلة، وبعضها ولد تحت ضغوط إقليمية أو دولية، لكن القاسم المشترك بينها أن معظمها انشغل بكيفية إدارة المرحلة التالية، أكثر من انشغاله بكيفية بناء الدولة التي تمنع تكرار الأزمات. ولذلك كانت الاتفاقات تنجح أحياناً في إنهاء أزمة قائمة، لكنها كثيراً ما تعجز عن منع نشوء أزمة جديدة.

ولا يعني ذلك التقليل من أهمية الحوار، بل على العكس. فالحوار يظل الوسيلة الأكثر حضارية لمعالجة النزاعات، لأنه يفتح الباب أمام التفاهم بدلاً من اللجوء إلى القوة. كما أنه يعكس الاعتراف بأن أياً من الأطراف، مهما بلغت قوته، لا يستطيع أن يلغي الآخرين أو يحتكر المستقبل وحده. غير أن نجاح الحوار يتوقف على طبيعة الأسئلة التي تُطرح حول طاولته، وعلى الغاية التي يسعى إلى تحقيقها.

فإذا كان الهدف هو الوصول إلى تسوية سياسية مؤقتة، فإن نتائج الحوار ستكون مؤقتة بطبيعتها. أما إذا كان الهدف هو إعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين السلطة وحكم القانون، وبين الحقوق والواجبات، فإن الحوار يتحول من مجرد وسيلة لإدارة الأزمة إلى مدخل لإعادة بناء الدولة نفسها.

وهنا يظهر الفرق بين الحوار الذي يبحث عن اقتسام السلطة، والحوار الذي يبحث عن قواعد السلطة. فالأول ينشغل بمن يتولى الحكم، وبنسب المشاركة، وبالحقائب الوزارية، وبالترتيبات الانتقالية، وهي كلها قضايا مهمة، لكنها تظل مرتبطة بمرحلة زمنية محددة. أما الثاني فيسأل عن المبادئ التي ينبغي أن تحكم بها الدولة، أياً كان الحزب الفائز أو الحكومة القائمة. إنه يبحث في استقلال القضاء، وحياد المؤسسات العامة، والعلاقة بين السلطات، وضمان الحقوق والحريات، وآليات التداول السلمي للسلطة، وهي قضايا تتجاوز الحكومات لأنها تتعلق ببقاء الدولة نفسها.

وربما كان هذا هو الدرس الذي ينبغي أن يستخلصه السودانيون من تجاربهم المتراكمة. فالأزمات لم تكن تنشأ كل مرة بسبب غياب الاتفاق على الأشخاص، وإنما بسبب غياب الاتفاق على القواعد التي تضبط عمل الدولة. ولهذا كان كل تغيير سياسي يعيد النقاش إلى نقطة البداية، وكأن البلاد تبدأ تاريخها من جديد مع كل مرحلة انتقالية.

إن الحوار الوطني الحقيقي لا ينبغي أن يكون مناسبة لإعلان انتصار فريق على آخر، ولا ساحة لتصفية الحسابات السياسية، ولا وسيلة لفرض موازين القوى التي أفرزتها الحرب. فالحوار الذي يولد تحت تأثير الغلبة وحدها قد يحقق هدوءاً مؤقتاً، لكنه يصعب أن يؤسس لاستقرار دائم. أما الحوار الذي يقوم على الاعتراف المتبادل، وعلى الإيمان بأن الوطن يتسع للجميع، فهو وحده القادر على إنتاج عقد سياسي واجتماعي جديد يشعر الجميع بأنهم شركاء فيه لا مجرد أطراف خاضعة له.

ومن هنا، فإن نجاح أي حوار لا يقاس بعدد المشاركين فيه، ولا بطول جلساته، ولا بحجم التغطية الإعلامية التي يحظى بها، وإنما يقاس بقدرته على تحويل الاختلاف من مصدر للصراع إلى إطار للتنافس المشروع. فالدول لا تستقر لأن أبناءها أصبحوا متشابهين في الأفكار، وإنما لأنها وضعت قواعد عادلة تحكم اختلافهم وتحول دون تحوله إلى عنف.

كما أن الحوار يفقد كثيراً من قيمته إذا تحول إلى مجرد وسيلة لإنتاج سلطة جديدة، بينما تبقى مؤسسات الدولة على حالها. فما جدوى تغيير الحكومات إذا ظل القضاء ضعيفاً، والخدمة المدنية مسيّسة، والمؤسسات العامة خاضعة للمحاصصة، والعلاقة بين السلاح والسياسة غير محسومة؟ إن الدولة لا تتغير بتغيير الوجوه وحدها، وإنما تتغير عندما تصبح المؤسسات أقوى من الأشخاص، وحكم القانون أعلى من الإرادات السياسية، والدستور مرجعاً للجميع لا أداة بيد أحد.

ولعل السودان يقف اليوم أمام فرصة نادرة، رغم قسوة الحرب وما خلفته من دمار ومعاناة. فالأزمات الكبرى، على فداحتها، تتيح أحياناً فرصة لإعادة التفكير في المسلمات التي طال التعامل معها باعتبارها حقائق نهائية. وربما يكون أهم ما يحتاج إليه السودانيون اليوم هو الانتقال من منطق التسويات المؤقتة إلى منطق التأسيس الدائم، من البحث عن حكومة جديدة إلى البحث عن دولة جديدة، لا بمعنى إنشاء دولة أخرى، وإنما بإعادة بناء أسس الدولة التي حلم بها السودانيون منذ الاستقلال.

ولهذا، فإن الحوار الوطني لا ينبغي أن يكون نهاية الطريق، بل بدايته. فالحوار، مهما كان ناجحاً، يظل وسيلة، أما الغاية فهي بناء دولة تقوم على سيادة حكم القانون، واستقلال المؤسسات، والمواطنة المتساوية، والاحتكام إلى الدستور، بحيث لا تصبح السلطة سبباً لانقسام الوطن، ولا يتحول الاختلاف السياسي إلى تهديد لوجود الدولة.

وفي هذا المعنى، لا يكون الحوار مشروعاً لتقاسم السلطة، وإنما مشروعاً لبناء الدولة. وعندما يدرك السودانيون هذا الفرق، فإنهم لن يختلفوا فقط حول كيفية إنهاء الحرب، بل سيتفقون أيضاً على الكيفية التي تمنع اندلاع الحرب مرة أخرى.

هناك، ربما تبدأ الرحلة الحقيقية نحو دولة تستمد قوتها من مؤسساتها، لا من غلبة أي طرف، ومن اتفاق مواطنيها على قواعد العيش المشترك، لا على تشابه أفكارهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى