الكتابة للمستقبل ..السودان… الدولة التي لم تُؤسَّس بعد

غياب المبادئ فوق الدستورية وأزمة البنية التاريخية للدولة

د. صلاح أحمد الحبو

لم تكن الحرب السودانية مجرد انفجار مفاجئ في جسد الدولة، ولم تكن نتيجة خلاف عابر بين قوى سياسية أو عسكرية، بل كانت التعبير الأكثر قسوة عن أزمة تاريخية أعمق: أزمة دولة لم يكتمل تأسيسها بعد.

فالسودان، منذ نشأة الدولة الحديثة، امتلك مؤسسات سياسية وإدارية وجغرافية، لكنه لم يمتلك بصورة واضحة العقد المؤسس للدولة؛ أي مجموعة المبادئ العليا التي تسبق الدستور وتمنح الدولة معناها، وتحدد حدود السلطة، وطبيعة العلاقة بين المجتمع ومؤسسات الحكم، وما الذي لا يجوز لأي سلطة تجاوزه مهما كانت شرعيتها الانتخابية أو قوتها العسكرية.

وهنا تكمن إحدى أكبر إشكالات التجربة السودانية؛ فقد انشغلت البلاد عبر تاريخها السياسي بصياغة الدساتير وتعديلها وإسقاطها، لكنها لم تنجح في بناء مرجعية تأسيسية ثابتة تحمي الدولة من تقلبات السياسة وصراعات السلطة.

فالدستور، مهما بلغت جودة نصوصه، يظل وثيقة سياسية قابلة للتغيير إذا لم يستند إلى مبادئ أعمق منه. أما المبادئ فوق الدستورية فهي تمثل «الضمير المؤسس للدولة»؛ القواعد التي لا تخضع للمساومة السياسية، لأنها تتعلق بجوهر وجود الدولة واستمرارها.

إن الأزمة السودانية ليست في غياب الدستور فقط، بل في غياب ما يسبق الدستور. فقد تعاقبت على السودان دساتير متعددة، مدنية وعسكرية، انتقالية ودائمة، لكن معظمها تعامل مع الدولة باعتبارها جهازًا للحكم، لا باعتبارها مشروعًا تاريخيًا يحتاج إلى تأسيس فكري وقيمي.

ولهذا ظلت الدولة السودانية معرضة لإعادة إنتاج أزماتها؛ لأن الصراع كان دائمًا حول من يحكم، وليس حول طبيعة الدولة التي ينبغي أن يحكمها الجميع.

إن قراءة البنية التاريخية للدولة السودانية تكشف أن هناك عناصر قوة كامنة يمكن البناء عليها؛ فالسودان يمتلك تاريخًا عريقًا في التكوين الحضاري، ومجتمعًا متنوعًا يمتلك خبرات متراكمة في التعايش، وموارد بشرية وطبيعية هائلة، كما أن فكرة الدولة الوطنية ليست غريبة على تجربته. لكن المشكلة لم تكن في غياب مقومات الدولة، بل في عدم اكتمال الأساس الفلسفي والمؤسسي الذي يجمع هذه المقومات في مشروع وطني مستدام.

لقد ظلت الدولة السودانية تتحرك بين نموذجين غير مكتملين: دولة مركزية ورثت أدوات الحكم الحديثة دون أن تبني شرعيتها الاجتماعية الكاملة، ودولة سياسية حاولت استيعاب التنوع لكنها عجزت عن إنتاج عقد وطني جامع. وبين النموذجين بقي سؤال التأسيس مؤجلًا.

ومن هنا فإن مستقبل السودان لا يمكن أن يبدأ من إعادة بناء ما تهدم فقط، بل من إعادة التفكير في معنى الدولة نفسها. فإعادة الإعمار الحقيقي ليست إعادة بناء المدن والبنية التحتية فقط، وإنما إعادة بناء الأصول غير المادية للدولة: الثقة، الشرعية، الهوية الوطنية، استقلال المؤسسات، وسيادة القانون.

إن السودان بعد الحرب يحتاج إلى الانتقال من مرحلة إدارة الدولة إلى مرحلة تأسيس الدولة. وهذا يتطلب صياغة مبادئ فوق دستورية تشكل المرجعية العليا لأي دستور قادم، مثل: وحدة الدولة، المواطنة المتساوية، التداول السلمي للسلطة، حياد المؤسسات الوطنية، استقلال القضاء، عدم استخدام القوة للوصول إلى الحكم، واحترام التنوع باعتباره ثروة وطنية لا تهديدًا سياسيًا.

هذه المبادئ ليست بديلاً عن الدستور، بل هي الإطار الذي يمنح الدستور معناه وقوته. فالدستور يحدد قواعد الحكم، أما المبادئ فوق الدستورية فتحدد فلسفة الدولة وحدودها الأخلاقية والتاريخية.

إن التجارب العالمية تؤكد أن الدول المستقرة لم تُبنَ فقط عبر النصوص الدستورية، بل عبر توافقات تأسيسية عميقة حول الأسئلة الكبرى: ما هي الدولة؟ من هو المواطن؟ ما حدود السلطة؟ وما القيم التي لا يجوز انتهاكها؟

ولهذا فإن معركة السودان القادمة ليست فقط معركة إعادة إعمار، بل معركة إعادة تأسيس. فالعودة إلى ما قبل الحرب ليست حلًا، لأن ما قبل الحرب هو الذي أنتج أسبابها. المطلوب هو بناء دولة جديدة تستفيد من دروس التاريخ، وتنتقل من دولة تتصارع عليها القوى إلى دولة تكون أكبر من الجميع.

إن السودان لا يحتاج فقط إلى دستور جديد، بل يحتاج قبل ذلك إلى عقد تأسيسي جديد يعيد تعريف الدولة باعتبارها ملكًا مشتركًا لكل مواطنيها، ويجعل المبادئ فوق الدستورية رأس المال السيادي غير المادي الذي يحمي الجمهورية من الانهيار المتكرر.

فالمستقبل السوداني لن يُكتب فقط بما سيُبنى من مؤسسات، بل بما سيتم الاتفاق عليه من مبادئ لا يجوز سقوطها بسقوط الحكومات أو تغير موازين القوة. هناك تبدأ الدولة الحقيقية؛ عندما تصبح القيم المؤسسة أقوى من الأشخاص، والمؤسسات أقوى من الصراعات، والوطن أكبر من السلطة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى