مخيمات الكرامة في النيل الأزرق… ملاذ من الحرب يواجه خطر الانهيار الصحي

أفق جديد

لم تعد معاناة آلاف النازحين في مخيمات “الكرامة” بإقليم النيل الأزرق تقتصر على فقدان المأوى بعد الفرار من القتال، بل امتدت إلى معركة يومية من أجل الحصول على مياه آمنة ومرافق صحية تحفظ الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية. ومع حلول موسم الأمطار، تتصاعد المخاوف من تحول المخيمات إلى بؤر لتفشي الأمراض، في وقت حذرت فيه الأمم المتحدة من أن انهيار خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة يهدد حياة أكثر من 170 ألف نازح، ويضعهم أمام أزمة إنسانية متفاقمة.

حذرت الأمم المتحدة، الأربعاء الماضي، من أن أكثر من 170 ألف نازح في مخيمات النزوح بإقليم النيل الأزرق يواجهون أوضاعًا إنسانية وصحية بالغة الخطورة، نتيجة الانهيار الواسع في خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة، وسط مخاوف من تفشي الأمراض مع موسم الأمطار.

وتضم مواقع “الكرامة” 13 موقعًا للنزوح، بينها 9 مخيمات رئيسية في الدمازين، إضافة إلى مواقع في الروصيرص وباو، ويقطنها نازحون فروا من مناطق باو وقيسان والكرمك بسبب القتال منذ مطلع العام.

وقالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) ومجموعة المياه والإصحاح والنظافة، في تقييم مشترك أُنجز خلال مايو ويونيو 2026، إن الأوضاع الحالية خلقت بيئة مثالية لانتقال الأمراض المنقولة بالمياه، مشيرة إلى أن إقليم النيل الأزرق أصبح إحدى بؤر انتشار التهاب الكبد الوبائي (E) بعد تسجيل مئات الإصابات منذ مارس الماضي.

معاناة يومية

تقول فاطمة إسحق، مواطنة نازحة من قيسان (35 عامًا)، لـ”أفق جديد”: “أصبح الحصول على الماء هو أصعب جزء في يومنا. نستيقظ قبل شروق الشمس ونقف في الصف لساعات، وأحيانًا نعود من دون أن نحصل على ما يكفي. إذا تأخرنا نضطر إلى استخدام مياه من مصادر لا نثق بنظافتها، ولا نملك ثمن شراء مواد لتنقيتها”.

من جهته، يقول آدم عبد الله، نازح من الكرمك (46 عامًا)، لـ”أفق جديد”: “بعد وصول أعداد كبيرة من الأسر إلى المخيم، لم تعد المرافق تكفي الجميع. نقاط المياه مزدحمة طوال الوقت، والمراحيض امتلأت منذ أشهر، وكثير من الناس أصبحوا يقضون حاجتهم في العراء، خصوصًا عندما تمتلئ الحفر أو تغمرها مياه الأمطار”.

بدورها، تقول حليمة جبريل، وهي أم لخمسة أطفال نزحت من باو، لـ”أفق جديد”: “أكثر ما أخشاه هو مرض الأطفال. أصيب بعضهم بالإسهال أكثر من مرة، ومع الأمطار تزداد الروائح والحشرات حول أماكن السكن. نحاول المحافظة على النظافة، لكن الماء قليل، والصابون أصبح نادرًا أو مرتفع الثمن.”

انتشار الكوليرا

وأوضح التقرير أن الأمطار والفيضانات تؤدي إلى غمر المراحيض وتسرب الفضلات إلى مصادر المياه، فيما تزيد المياه الراكدة وضعف شبكات التصريف من احتمالات انتشار الكوليرا والإسهال المائي الحاد والملاريا والحصبة، بينما تتحمل النساء والأطفال العبء الأكبر بسبب مسؤولية النساء عن جلب المياه، إلى جانب نقص المرافق الآمنة وارتفاع مخاطر العنف والتحرش.

وأضاف أن موجات النزوح الأخيرة وضعت ضغطًا غير مسبوق على شبكات المياه والصرف الصحي والخدمات الصحية، في وقت لم تتمكن فيه الاستجابة الإنسانية من مواكبة الزيادة الكبيرة في أعداد النازحين، كما أسهم ارتفاع أسعار الوقود واضطراب سلاسل الإمداد في زيادة كلفة تشغيل خدمات المياه وتقليص قدرة الأسر على شراء مستلزمات النظافة.

واعتمد التقييم على مقابلات مع 1337 أسرة، وتقييم 69 مرفقًا للمياه والإصحاح، إلى جانب مراجعة 18 دراسة وتقريرًا.

وأشار إلى أن الأطفال يمثلون غالبية سكان المخيمات، إذ تقل أعمار 60% منهم عن 18 عامًا، بينهم 23% دون الخامسة، فيما يعيش 91% من السكان أوضاعًا شديدة أو حرجة في خدمات المياه والإصحاح والنظافة، وصُنفت معظم المخيمات ضمن المستوى الخامس “الحرج”.

أعباء يومية

وبيّن التقرير أن غالبية الأسر لا تحصل على الحد الأدنى من المياه الذي توصي به المعايير الإنسانية، إذ يحصل 68% على أقل من 15 لترًا للفرد يوميًا، بينما يحصل 49% على أقل من 7.5 لترات، وهو الحد الأدنى اللازم للبقاء على قيد الحياة. كما تعتمد معظم الأسر على ساحات المياه والصهاريج والشبكات العامة، فيما لا يزال بعض السكان يستخدمون المياه السطحية مباشرة.

ولفت إلى أن النساء يتحملن المسؤولية الرئيسية في جمع المياه، وتستغرق الرحلة أكثر من نصف ساعة لدى نسبة كبيرة من الأسر، وهو ما يزيد الأعباء اليومية والمخاطر الأمنية.

وأكد التقرير أن أزمة المياه لا ترتبط فقط بندرة الإمدادات، وإنما أيضًا بتدهور البنية التحتية، إذ تعرضت 82% من منشآت المياه لأضرار خلال الأشهر الستة الماضية، ولا تزال نسبة كبيرة منها بحاجة إلى إعادة تأهيل. كما وصف نتائج فحوصات جودة المياه بأنها “مقلقة للغاية”، بعدما أظهرت أن معظم مرافق المياه لا تستوفي الحد الأدنى من مستويات الكلور اللازمة للوقاية من الأمراض.

وكشف التقييم أن 49% من الأسر تمارس التغوط في العراء بسبب نقص المراحيض أو سوء حالتها، بينما لا تتجاوز نسبة الأسر التي تتمتع بخدمات صرف صحي أساسية 2%. كما تتشارك عشرات الأسر مرحاضًا واحدًا، في حين أفادت 79% من الأسر بوجود فضلات بشرية مكشوفة داخل المخيمات، الأمر الذي يفاقم مخاطر انتقال الأمراض، خصوصًا خلال موسم الأمطار.

مخاطر أمنية

وأشار التقرير إلى أن 30% من الأسر أبلغت عن مخاطر أمنية تواجه النساء والفتيات أثناء استخدام المراحيض، بسبب نقص الإضاءة وبعد المرافق وغياب الفصل بين الجنسين، ما يدفع كثيرات إلى تجنب استخدامها ليلًا أو تقليل شرب المياه.

وفي جانب النظافة، أوضح التقرير أن 82% من السكان يعيشون أوضاعًا شديدة أو حرجة، بينما تواجه 84% من الأسر صعوبة في الحصول على الصابون، وتفتقر 74% منها إلى مستلزمات النظافة الأساسية، ما يضطرها إلى تقليل غسل اليدين أو مشاركة الصابون أو استخدام بدائل غير آمنة.

وأضاف أن ما بين 65 و70% من النساء والفتيات يفتقرن إلى مستلزمات إدارة الدورة الشهرية، فيما أفادت أكثر من نصفهن بصعوبة أو عجز عن إدارتها بصورة آمنة وكريمة، بسبب نقص المستلزمات وغياب المرافق الملائمة، وهو ما ينعكس سلبًا على صحتهن وقدرتهن على ممارسة أنشطتهن اليومية، ولا سيما الفتيات في سن الدراسة.

ويعكس تقرير الأمم المتحدة حجم الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية المتزايدة وقدرة الاستجابة الحالية، في ظل استمرار النزوح وتدهور الخدمات الأساسية. وبينما تزداد المخاوف من انتشار الأمراض مع ذروة موسم الأمطار، يبقى توفير المياه الآمنة والصرف الصحي ومستلزمات النظافة تحديًا عاجلًا، ليس فقط للحد من الكارثة الصحية، وإنما لحماية آلاف الأسر التي وجدت نفسها، بعد الفرار من الحرب، تواجه معركة أخرى من أجل البقاء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى