السودان.. بين ملك وحاكم عام

أ. د أبوبكر حمد

دائمًا ما تترك الإمبراطورية البريطانية عند إعلان استقلال مستعمراتها القديمة أنماطًا دستورية متعددة لتأمين انتقال السلطة، لضمان استمرار التبعية السياسية والاقتصادية، وتأمين تدفق المواد الخام من تلك الدول المستقلة حديثا إلى مصانع “بريطانيا العظمى”، وضمان استمرار استقبالها لمنتجات هذه المصانع فى دورة اقتصادية مستمرة لا تنتهي.

ولضمان هذا التدفق، كان لا بد للهيكل السياسى الجديد فى الدول حديثة الاستقلال أن يرتبط بصلة وثيقة مع “التاج البريطانى” إما عبر بقاء “الملك” على رأس الهرم، أو تعيين “حاكم عام” يمثل “التاج”، وإذا لم يتوفر الأمران، يتم دمج الدولة حديثة الاستقلال تحت مظلة رابطة “دول الكومنولث” (Commonwealth of Nations)، وهى رابطة سياسية واقتصادية تضم 56 دولة مستقلة، كانت فى معظمها مستعمرات أو أقاليم سابقة تابعة للإمبراطورية البريطانية، وتتشارك الأهداف نفسها. وهذا فى الواقع يعيدنا إلى مسألة الحرية والتحرر من التبعية الاقتصادية للمستعمر.

ويتضح هذا النموذج الاستعمارى حتى فى أعرق الديمقراطيات الغربية التى كانت تابعة لـ “التاج البريطاني”. ففى السادس من شهر مايو عام 2026، قامت بريطانيا بتعيين حاكم عام جديد على كندا (الحاكم رقم 31)، وهي القاضية الكندية السابقة “لويز أربور”. وفى خطاب “مارك كارنى” رئيس وزراء كندا، بمناسبة مباركة تعيين الحاكمة الجديدة، حاول “كارنى” تذكير العالم بسلطات وصلاحيات الحاكم العام، وذكر منها أن الحاكم العام هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، أي أنه هو الذي يأمر بتحريك الجيوش داخل البلاد وخارجها، ومن صلاحياته حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات مبكرة، واعتماد تعيين رئيس الوزراء أو سحب التكليف منه، وترك البرلمان يعين آخر. وهنا نلاحظ أنها الصلاحيات والسلطات الدستورية نفسها المتركزة فى يد الملك؛ وذلك بهدف ضمان بقاء خيوط السيادة.

وفى الحالة السودانية، اتخذ هذا المخاض الدستورى أبعاداً شديدة التعقيد نتيجة لطبيعة “الحكم الثنائى” (الإنجليزى-المصرى) ، والتجاذبات الأيديولوجية والطائفية المحلية التى رسمت مسار الاستقلال بعيداً عن الصيغ الاستعمارية التقليدية.

وحتى نتعرف جيدًا على جذور هذا المخاص بتفاصيله، ينبغى علينا العودة للنصف الأول من القرن الماضى، حيث اللقاءات التاريخية التى جمعت الرئيس الأمريكى الأسبق فرانكلين روزفلت، برئيس الوزراء البريطانى الأسبق ونستون تشرشيل والتى تُوجت بميثاق الأطلسى عام 1941 (Atlantic Charter)، الذى حدد أهداف الحلفاء فى الحرب العالمية الثانية. حينها كان الهاجس الأكبر لدى الإمبراطورية البريطانية، هو التهديد الذي تشعر به من قبل النازية فى ألمانيا، والفاشية فى إيطاليا، والشيوعية فى “الاتحاد السوفيتى”، وأنه يجب مواجهة هذه الأفكار والاستعداد للحرب المتوقعة.

هنا تبلو الاستهداف الاستراتيجى للإمبراطورية البريطانية، بأن تكون الهند والسودان هما الحليفين فى الحرب من ناحية الغذاء والتمويل، ومن ناحية الرجال والقتال، وأيضًا من ناحية المواقع العسكرية؛ فالجبهة فى الهند تتأثر بمحيطها مع اليابان والصين، وفى الناحية الأخرى يواجه السودان الوجود الإيطالى فى شمال إفريقيا وفى مناطق الصومال وإثيوبيا وغيرها.

وبشكل عام تأثرت النخب المثقفة فى المستعمرات البريطانية -لا سيما فى الهند والسودان- بالتحولات الجيوسياسية التى أعقبت صعود الأنظمة الشمولية (النازية، الفاشية، والشيوعية) فى أوروبا بدءًا من عام 1933. فبعد ظهور النازية فى ألمانيا، كثّف البريطانيون حواراتهم فى الهند والسودان بهدف قيام مؤتمر جامع للقيادات المثقفة فى البلدين. وفى السودان، سُمى هذا التجمع بـ “مؤتمر الخريجين”؛ وقد أُنشئ هذا المؤتمر ليتولى إدارة شئون السودان فى المجالات الصحية، والتعليمية، والثقافية، والاجتماعية، مع تقديم وعود بمنح الحقوق بعد نهاية الحرب، نظرًا لأنه سيتم استغلال مقدرات السودان والهند فى المجهود الحربى.

وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية مباشرة، تم اقتراح أن تكون السيادة فى السودان سيادة وطنية تحت ظل نظام ملكى. وقد تسبب هذا المقترح فى انقسام بداخل مؤتمر الخريجين إلى ثلاث تيارات:

التيار الأول: يمثله طائفة الأنصار، والذي أيد المقترح البريطاني بأن يكون السيد عبدالرحمن المهدى ملكًا على السودان، فى إطار كيان وطنى مستقل تمامًا عن مصر وبريطانيا، ووافقت بريطانيا عليه ملكًا -رغم أنه سليل الخصومة التاريخية فى الحرب التى دارت عند دخول الإنجليز للسودان بين الإنجليز والمهدية – لكنها رأت فيه حليفًا محتملاً تحت المظلة البريطانية.

التيار الثانى: طالب بالانضمام إلى مصر تحت قيادة الملك فاروق. وهم “مجموعة الأشقاء” “الاتحاديين” التى ترفض خيار ملك من حزب الأمة، فوافقوا على مقترح الإنجليز بأن يكون “ملك مصر” الملك فاروق، ملكًا على وادي النيل “مصر والسودان”.

التيار الثالث: طالب بتنصيب السيد على الميرغنى ملكًا، انطلاقًا من فرضية أنه ينتمي إلى “الأشراف”. وفى هذا السياق، قام السيد على الميرغنى بزيارة إلى ملوك الحجاز والعراق والمغرب لطلب تأييدهم، وهو ما حظي بقبول من الملوك وموافقة من الإنجليز أيضًا. وبذلك أصبحت هناك ثلاث خيارات ملكية مطروحة.

فى مقابل هذه المشاريع أو التيارات، ظهرت “الحركة الوطنية للتغيير” التي دعت إلى التحرر قبل الحرية الشكلية نفسها، لتكون ضد مشروع قيام ملكية فى السودان، وهى مدرسه فكرية ضمت في صفوفها عددًا كبيرًا من المتعلمين، والمثقفين، والنقابات، والاتحادات؛ وكانت تعرف باختصار “حستو” “الحركة السودانية للتحرر الوطنى” حيث رفضت فكرة الملكية تمامًا. وكمساومة تم طرح فكرة قيام “مجلس شيوخ” يتم تكوينه ليتقاسم السلطة مع الملك (وكان ذلك فى عام 1947)، إلا أن الحركة تمسكت بموقفها الرافض للملكية.

وفى الوقت الذي نالت فيه الهند استقلالها عام 1947 نفسه، تعطل استقلال السودان بسبب الضغوط المستمرة من “الحركة الوطنية للتغيير” التى رأت عدم ضرورة وجود ملك فى السودان.

وفى عام 1952، قامت فى مصر ثوره 23 يوليو وألغت النظام الملكى هناك، وبناءً على ذلك أُلغيت فكرة الملكية فى السودان تمامًا، واستُبدلت فورًا بمشروع استمرار “الحاكم العام”. وكان المقترح يقضى بأن يستمر الحاكم العام الإنجليزى فى منصبه لفترة، على أن يسلم السلطة لاحقًا لحاكم عام سودانى.

هنا تطورت “الحركة الوطنية للتغيير” واستقطبت عددًا أكبر من المعارضين الذين كانوا سابقًا يؤيدون فكرة الملكية، فانضموا إليها لتتشكل جبهة جديدة سُميت “الجبهة المعادية للاستعمار”. ونجحت هذه الجبهة فى رفض مقترح الحاكم العام، وطالبت بأن يكون الهدف هو “تقرير المصير” وليس مجرد “الحكم الذاتى” بعد الاستقلال.

نتيجة لهذه الضغوط، قام الإنجليز بعدها بإلغاء مجلس الشيوخ والاستعاضة عنه بـ “مجلس سيادة وطنى”؛ وهو مجلس يترأسه رئيس يتقاسم الصلاحيات مع أعضاء آخرين، ليكون هذا المجلس بديلاً عن فكرة الملك أو الحاكم العام ومجلس الشيوخ. وفى ديسمبر 1955، أعلن البرلمان السودانى استقلال بلاده، والذي أصبح نافذًا فى الأول من يناير عام 1956، ووافقت بريطانيا على منح السودان الاستقلال، لكنها عادت تطلب مقابل ذلك أن ينضم السودان إلى رابطة “دول الكومنولث”، وهو المطلب الذى عارضته وأفشلته حركات التحرر، وأعلن السودان استقلاله كاملاً من داخل البرلمان.

وأدار المجلس السيادى البلاد، وهو الهيكل الدستورى ذاته الذى استقبل الملكة إليزابيث الثانية فى زيارتها إلى السودان عام 1965، مما عكس تصفية تامة للإرث الاستعمارى التشريعى وتأسيس صيغة حكم سودانية خالصة.

ومع ذلك ظلت معضلة التبعية الاقتصادية قائمة، وهنا نجد أن الثورات المدنية والانقلابات التى قامت جميعًا كانت تدور حول هدف واحد وهو البحث عن “التحرر الفعلى”. ونجد أنه عندما يكون على رأس السلطة حكمًا مدنيًا نجد لديه -إلى حد ما- ميلاً للرجوع إلى التبعية، بينما كانت الانقلابات تأتى رافعة شعارات الانفكاك والتحرر الوطنى، لتستمر الدوامة صعودًا وهبوطًا دون أن تنجح أى منها فى تأسيس نموذج اقتصادى مستقل ومستقر.

هذا ما نجده فى السودان من ناحية الحرية والتحرر، والملك، والحاكم العام، ورابطة “دول الكومنولث” التى كانت مستعمرات استقلت عن الإمبراطورية البريطانية، وتركت خلفها واحدة من النماذج الثلاثة لضمان الاستمرارية، فنجد هذه الدول دائمًا ما تعلن أو تحدد “يوم التحرر” الخاص بها، وما بين انقلابات وثورات وحركات تحرر يتأرجح التحرر ذهابًا وإيابًا.

حتى الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، التى نالت استقلالها قبل نحو 250 عاماً، كان أول شعار رفعته هو التحرر (Liberty) وليس مجرد الحرية (Freedom)؛ مما يؤكد أن التحرر من التبعية الاقتصادية للمستعمر هو صيرورة تاريخية مستمرة، فرغمًا عن مسيرة السنوات الطويلة من محاولات الانفكاك، لا تزال هذه الدول تجدد مواصلتها فى طريق التحرر من التبعية الاستعمارية، وتعتبر الولايات المتحدة الأمريكية أسرع هذه الدول خطى نحو التحرر الكامل والانفكاك الشامل من شباك التبعية الاستعمارية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى