3 سدود إثيوبية بعد «النهضة» تضع السودان ومصر أمام معادلة مائية جديدة

عبد الهادي الحاج
بعد أشهر من افتتاح سد النهضة الإثيوبي الكبير، تتجه إثيوبيا إلى توسيع منظومتها الكهرومائية على النيل الأزرق عبر ثلاثة سدود جديدة، في خطوة من شأنها تعزيز قدرتها على توليد الكهرباء ورفع حجم المياه المخزنة لديها، وفق ما أوردته تقارير ومراكز أبحاث دولية.
تتحدث المعلومات المنشورة عن مشاريع ثلاث سدود هي كارادوبي وماندايا وبيكو آبو، بتكلفة إجمالية تقدر بنحو 10.5 مليارات دولار، وقدرة توليدية إضافية تصل إلى 5700 ميغاواط، كما تشير تقديرات أوردها موقع (أفريكا إنتليجنس) إلى أن السعة التخزينية المستهدفة للسدود الثلاثة تبلغ نحو 140 مليار متر مكعب، مقارنة بنحو 74 مليار متر مكعب لسد النهضة.
بينما نُسبت تقارير إلى وزارة المياه والطاقة الإثيوبية إعلان خطط تنفيذ المشاريع في 24 مارس 2026، إلا أن تقارير أخرى لمشروع التهديدات الحرجة (وهو مركز أبحاث وسياسات أمريكي) أفادت بأن إثيوبيا أعلنت في أواخر مارس بدء تلقي عروض من شركات دولية لتنفيذ المشاريع.
وتذهب ذات التقارير إلى أنه تمت مناقشة هذه المشاريع لسنوات، فيما أدرجت دراسة أكاديمية أُجريت عام 2024، استناداً إلى عمل ممول من مبادرة حوض النيل، المشاريع الثلاثة جميعها ضمن مشاريع النيل الأزرق المقترحة، ومشروعي كارادوبي وبيكو آبو، يُعتبران بديلين في أحد التكوينات المحتملة لثلاثة سدود.
وبحسب ما أورد موقع (ميدل إيست فورم) نقلاً عن وزير المياه والطاقة والري الإثيوبي هابتامو إيتيفا، تأتي الاستثمارات البالغة 10.5 مليارات دولار ضمن خطة إثيوبيا لتوفير الكهرباء لجميع السكان بحلول عام 2030، وتعزيز موقع البلاد كمصدر رئيسي للطاقة في أفريقيا، من خلال تصدير فائض الكهرباء إلى كينيا والسودان وجيبوتي وجنوب السودان.
ووفق المصدر ذاته، يُتوقع أن تسهم المشروعات الثلاثة في زيادة إمدادات الطاقة في إثيوبيا بنحو 25%، في إطار توجه أوسع لتعزيز قدراتها في إنتاج الطاقة الكهرومائية وتوسيع صادراتها من الكهرباء.
مستقبل إدارة المياه
هذه الخطوة تطرح تساؤلات تتجاوز إنتاج الكهرباء، إلى مستقبل إدارة مياه النيل الأزرق، في ظل امتلاك إثيوبيا منظومة متزايدة من البنية التحتية المائية في أعلى النهر، وانعكاساتها المحتملة على السودان ومصر، الدولتين الواقعتين في اتجاه المصب.
الباحثة في ملف دبلوماسية المياه والعلاقات الدولية، رقية الجيلاني، ترى أن الحديث لا يتعلق بإنشاء سد جديد بمعزل عن سد النهضة، وإنما بإقامة منظومة متكاملة من ثلاثة سدود إضافية أعلى بحيرة سد النهضة، تتراوح السعة التخزينية لكل منها بين 40 و50 مليار متر مكعب.
الجيلاني، أكدت لـ«أفق جديد» أن اكتمال هذه المنظومة يعني عملياً مرور المياه المتجهة إلى السودان ومصر عبر أربع نقاط تحكم متتالية بدلاً من نقطة واحدة، بما يمنح إثيوبيا قدرة أكبر على التحكم في توقيت تدفقات المياه وكمياتها.
من ناحيته، يحذر وزير الري المصري الأسبق وخبير الموارد المائية، محمد نصر الدين علام، من أن إنشاء سدود ضخمة جديدة في أعالي النيل الأزرق قد يمنح إثيوبيا قدرة أكبر على حجز تدفقات النهر عن مصر والسودان لفترات طويلة.
وقال علام لـ«أفق جديد» إن بلوغ السعة التخزينية لهذه السدود نحو 150 مليار متر مكعب قد يتيح، نظرياً، حجب مياه النيل الأزرق عن البلدين لمدة تصل إلى ثلاث سنوات متتالية، فضلاً عن إمكانية استخدام جزء من المياه المخزنة في الزراعة أو أغراض استهلاكية أخرى، محذراً من أن لذلك تداعيات كبيرة على مصر والسودان.
منظومة تكاملية لسد النهضة
تشير معلومات فنية إلى أن سد كارادوبي سيعمل على احتجاز الرواسب في المنبع، بما قد يسهم في إطالة العمر التشغيلي لسد النهضة، بينما يوفر سد ماندايا طاقة أساسية على مدار العام، في حين يستغل سد بيكو آبو أضيق ممر في النيل الأزرق لزيادة الضغط الهيدروليكي.
هذه الوظائف تذهب إلى أن السدود الثلاثة قد تُصمم للعمل ضمن منظومة متكاملة بالتوازي مع سد النهضة، وليس كمشروعات منفصلة لإنتاج الكهرباء، وهو ما يفتح المجال أيضاً أمام تأثيرات بيئية محتملة مرتبطة بتغير تدفقات المياه وحركة الرواسب والنظام البيئي للنيل الأزرق نتيجة تشغيل السدود مجتمعة.
وفي هذا الصدد يشير وزير الري المصري الأسبق، إلى أن من بين التأثيرات المحتملة للسدود الجديدة كيفية تشغيلها وإدارة عمليات التخزين والتصريف وانعكاس ذلك على دولتي المصب.
ويستشهد بما وصفه بزيادة كميات المياه التي صرفتها إثيوبيا من سد النهضة خلال العام الماضي، وما ترتب على ذلك – بحسب قوله – من غمر مساحات واسعة من الأراضي في السودان، إلى جانب آثار سلبية على مصر.
لكن الباحثة رقية الجيلاني، ترى أن تعدد السدود قد يعزز فنياً القدرة على التحكم في الفيضانات الموسمية، لكنه في المقابل يزيد مخاطر حدوث تغيرات مفاجئة في كميات المياه المُطلقة في حال غياب التنسيق بين دول حوض النيل.
وتشير إلى أن السودان اختبر بالفعل، مع تشغيل سد النهضة، تداعيات مرتبطة بتذبذب التدفقات، تمثلت – بحسب قولها – في انحسار المياه في أجزاء من النهر، وتوقف بعض محطات مياه الشرب في الخرطوم، وارتفاع مستويات عكارة المياه.
وعلى المستوى البيئي، تحذر الجيلاني من أن تعدد السدود قد يؤدي إلى احتجاز كميات أكبر من الطمي الذي كان يصل إلى الأراضي الزراعية في دول المصب، فضلاً عن زيادة الفاقد الناتج عن التبخر من تعدد البحيرات الاصطناعية في منطقة تتسم أصلاً بمناخ شبه جاف.
إمكانية العودة لاتفاق قانوني
من شأن هذا التوسع أن يزيد أهمية قواعد واضحة وملزمة لتنظيم عمليات الملء والتشغيل والتخزين والتصريف، خصوصاً خلال فترات الجفاف والسنوات الشحيحة الأمطار، بما يضمن ألا تؤدي قرارات التشغيل المنفردة لأي من السدود إلى أضرار جسيمة في دول المصب.
كما أن وجود عدة سدود تعمل ضمن منظومة واحدة يجعل التنسيق بشأن تبادل البيانات، وإدارة الفيضانات، والتعامل مع حالات الطوارئ، وتحديد كميات التصريف وتوقيته، أكثر ضرورة من السابق، نظراً لاتساع نطاق التأثير المحتمل لأي قرار تشغيلي إثيوبي.
أما من الناحية القانونية، قد يفتح تحريك هذه المشاريع مجالاً أمام الدول الثلاث لإعادة بناء مسار تفاوضي أكثر شمولاً، لا يقتصر على سد النهضة وحده، وإنما يمتد إلى منظومة السدود الإثيوبية الجديدة وآليات إدارتها مجتمعة.
وزير المياه والطاقة والري الإثيوبي هابتامو إيتيفا، أكد أن بلاده لا تحتاج إلى إذن من أي دولة لتطوير مواردها المائية، وقال إيتيفا، في تصريحات لموقع «نبض أفريقيا» الإعلامي الحكومي، إن إثيوبيا دولة ذات سيادة وستواصل تطوير مواردها المائية بما يتوافق مع مصالحها الوطنية.
واستشهد بسد النهضة، الذي قال إن بلاده شيدته دون الحصول على إذن من أي دولة أخرى، وستواصل النهج ذاته إذا قررت تطوير مواردها المائية في أحواض أنهار أخرى.
وأكد الوزير الإثيوبي أن الهدف من مشروعات السدود هو توليد الطاقة الكهرومائية، مشيراً إلى أن فوائد سد النهضة تتجاوز حدود إثيوبيا من خلال تصدير الكهرباء إلى دول الجوار.
وفي ما يتعلق بالتعاون الإقليمي، دافع إيتيفا عن نهج بلاده في إدارة موارد حوض النيل، مستشهداً بمبادرة حوض النيل واتفاقية الإطار التعاوني بوصفهما نموذجين للجهود الرامية إلى تعزيز الاستخدام المشترك للنهر.
وقال إن إثيوبيا كانت “سخية للغاية” في تطوير روافد النيل، مضيفاً أن أديس أبابا كانت المبادرة إلى الدعوة للتعاون بين دول حوض النيل.
موقف الوزير الإثيوبي أكد عليه وزير الري المصري الأسبق وخبير الموارد المائية، بأن إثيوبيا لا تبدي رغبة في إبرام اتفاقيات قانونية ملزمة لتنظيم عمليات ملء وتشغيل سدودها، مستشهداً بما وصفه بمسار الخلافات الممتد على مدى نحو 15 عاماً بشأن سد النهضة.
بينما تنظر الباحثة في ملف دبلوماسية المياه، رقية الجيلاني، إلى أن إمكانية التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن السدود الجديدة تظل قائمة من الناحية النظرية، في ظل الأطر التي يوفرها القانون الدولي للأنهار العابرة للحدود.
لكنها تعتبر أن التحدي الأساسي لا يكمن في غياب الأطر القانونية فقط، وإنما في ضعف الإرادة السياسية لتحويلها إلى التزامات واضحة وقابلة للمساءلة.
وتشير إلى أن مصر والسودان تفاوضا لأكثر من 13 عاماً بشأن سد النهضة من دون التوصل إلى اتفاق، في وقت اتبعت إثيوبيا نهجاً يقوم على فرض الأمر الواقع من خلال البناء ثم الدخول في مفاوضات لاحقة.
وتؤكد الجيلاني، أن الدرس الأبرز أمام الخرطوم والقاهرة يتمثل في ضرورة التحرك دبلوماسياً وقانونياً منذ الإعلان عن مشاريع السدود الجديدة، بدلاً من الانتظار إلى حين اكتمال أعمال البناء.





