القوى المناهضة للحرب تعيد تعريف الطريق إلى السلام

أديس أبابا – أفق جديد

بلورت القوى السياسية والمدنية السودانية المناهضة للحرب وغير المصطفة مع أي من طرفيها، في ختام اجتماعها التشاوري بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا، وثيقة موقف مشترك ترسم تصوراً متكاملاً لإنهاء الحرب وإطلاق عملية سلام سودانية، وتحدد في الوقت ذاته موقفاً واضحاً من دعوة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان إلى ما أسماه «الحوار السوداني». وتأتي الوثيقة في أعقاب اجتماع استمر يومي 22 و23 أغسطس 2026، بمشاركة قوى سياسية ومدنية ومنظمات مجتمع مدني وشبكات نسوية وشبابية وشخصيات عامة من المفكرين والأكاديميين والأدباء والمثقفين، في لقاء وُصف بأنه محاولة لتوحيد موقف القوى التي ترفض الحرب ولا تصطف مع أي من طرفيها. وكانت الاجتماعات قد ركزت على تقييم تطورات الحرب، والرؤى الوطنية لعملية السلام، وخارطة طريق إعلان المبادئ السوداني، وأدوار الوساطات الخارجية، إلى جانب دعوة البرهان للحوار.

وتنطلق الوثيقة من توصيف شديد القتامة للأوضاع في السودان، معتبرة أن البلاد تواجه كارثة إنسانية متفاقمة بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، وأن المدنيين دفعوا الثمن الأكبر من القتل والنزوح وفقدان المساكن والذاكرة الاجتماعية، بينما تحولت الحرب إلى عامل لتفكيك النسيج الاجتماعي وإطالة أمد الانقسام. وتضع القوى الموقعة على الوثيقة وقف الحرب وحماية المدنيين ووصول المساعدات الإنسانية في صدارة الأولويات، معتبرة أن أي عملية سياسية لا تنطلق من إنهاء الحرب ومعالجة آثارها الإنسانية ستظل عاجزة عن إنتاج سلام حقيقي.

رفض اختزال السلام في الحوار

وتحتل دعوة البرهان إلى «الحوار السوداني» موقعاً مركزياً في الوثيقة، التي ترفض اعتبار الدعوة بصيغتها الحالية عملية سلام مكتملة الأركان. وتقول الوثيقة إن ما يُطرح تحت مسمى الحوار لا ينسجم، من حيث الجوهر والمنهج، مع المعايير المعروفة لعمليات إنهاء الحروب، مؤكدة أن السلام الحقيقي يمر بمراحل تبدأ بوقف العدائيات لأغراض إنسانية، ثم ترتيبات أمنية وسياسية انتقالية، وصولاً إلى وقف دائم ومستدام لإطلاق النار ضمن مظلة مستقلة ومتفق عليها، قبل الانتقال إلى عملية سياسية تعالج جذور الحروب السودانية المتكررة.

وتقول القوى المناهضة للحرب إن عقد حوار داخل مناطق خاضعة لسيطرة طرف واحد من أطراف النزاع يمثل، في نظرها، إقراراً سياسياً بواقع الانقسام العسكري الذي أفرزته الحرب. وتربط الوثيقة بين مكان انعقاد الحوار وطبيعته السياسية، محذرة من أن عقده في منطقة يسيطر عليها أحد المتحاربين يمكن أن يمنح واقع التقسيم الميداني صفة سياسية دائمة، وهو ما تعتبره مساساً بوحدة السودان وحق السودانيين في المشاركة المتساوية في تقرير مستقبل بلادهم.

 

وتذهب الوثيقة أبعد من ذلك، معتبرة أن الحوار الذي يأتي في ظل استمرار العمليات العسكرية والقصف والكارثة الإنسانية لا يمكن أن يكون مدخلاً موثوقاً إلى السلام. وترى أن فصل المسار السياسي عن ضرورة وقف الحرب سيُفرغ العملية السياسية من غايتها الأساسية، لأن الهدف النهائي لأي حوار جاد يجب أن يكون وقف الحرب وإنهاء الكارثة الإنسانية، وليس إدارة واقعها أو التعايش معه.

ثلاثة مسارات

وتطرح الوثيقة بدلاً من ذلك تصوراً لعملية سلام متكاملة تقوم على ثلاثة مسارات متزامنة ومترابطة: المسار الإنساني، ومسار وقف إطلاق النار، والمسار السياسي السوداني.

ويستهدف المسار الإنساني حماية المدنيين وفتح الطرق أمام المساعدات وعودة النازحين واللاجئين، بينما يبدأ مسار وقف إطلاق النار بهدنة إنسانية شاملة وفورية تمهد لوقف دائم ومستدام لإطلاق النار. أما المسار السياسي فيتجه إلى حوار سوداني شامل وشفاف يعالج جذور الحروب الأهلية ويضع الأساس لحلول مستدامة، بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع نتائج الحرب ومظاهرها.

وتشترط الوثيقة أن تتضمن العملية إجراءات إنسانية عاجلة، بينها فتح ممرات وصول المساعدات، وضمان حرية الحركة، وعودة النازحين واللاجئين، وإطلاق سراح المعتقلين، ورفع القيود المفروضة على العمل المدني والسياسي، إلى جانب معالجة الأزمات الإنسانية العاجلة الناتجة عن الحرب.

من يمثل السودانيين؟

وفي تصورها للعملية السياسية، تؤكد الوثيقة ضرورة أن تعكس المشاركة واقع السودان الاجتماعي والسياسي، لا واقعاً مصطنعاً تفرضه موازين القوى العسكرية. وتدعو إلى تمثيل متوازن وعادل للشباب والنساء والقوى الاجتماعية والنازحين واللاجئين، إلى جانب القوى المناهضة للحرب وغير المصطفة مع أي من طرفيها. كما تشدد على ضرورة أن تكون العملية السياسية سودانية الملكية والقرار، مع الاستفادة من الدعم الإقليمي والدولي دون السماح بتحول الوساطة الخارجية إلى بديل عن الإرادة السودانية.

وتطرح الوثيقة مجموعة واسعة من القضايا التي ينبغي أن تدخل في صلب عملية السلام، من بينها شكل الدولة وعلاقة الدين بالدولة، والمواطنة المتساوية، ونظام الحكم، وإنهاء ما تصفه باختطاف الدولة بواسطة النظام السابق، وبناء جيش وطني موحد، وتحقيق العدالة وإنهاء الإفلات من العقاب، ومعالجة قضايا الأرض وحقوق النازحين واللاجئين وإعادة الإعمار، إضافة إلى التعليم والصحة والخدمات الأساسية ودور النساء والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة في صناعة القرار، فضلاً عن الدستور الانتقالي والنظام الانتخابي ومبادئ المرحلة الانتقالية.

وبذلك تتعامل الوثيقة مع السلام باعتباره عملية لإعادة تأسيس الدولة، وليس مجرد اتفاق لإنهاء القتال. وهي تضع، بصورة واضحة، مسافة بين اتفاق يوقف إطلاق النار مؤقتاً وبين تسوية سياسية مستدامة تعالج الأسباب التي أنتجت الحروب المتكررة في السودان.

الوساطة الدولية

وتبدي القوى الموقعة موقفاً إيجابياً مشروطاً تجاه جهود الوساطة الإقليمية والدولية. وترى الوثيقة أن خارطة الطريق الدولية الصادرة في سبتمبر 2025 تمثل مرجعية مناسبة لعملية السلام، خصوصاً من حيث إعطائها الأولوية لوقف الحرب وتحديد مسار زمني للعملية وطرح تصور لمستقبل مدني للسودان، لكنها في الوقت ذاته تشدد على ضرورة أن تكون الملكية السودانية للقرار كاملة، وأن يجري تحديد المشاركين والأجندة والتوقيت بصورة واضحة.

وتدعو الوثيقة إلى تنسيق الجهود الدولية والإقليمية، محذرة من أن تعدد مسارات الوساطة من دون تنسيق قد يؤدي إلى إضعاف الضغط على أطراف الحرب ويفتح الباب أمام استغلال التناقضات بين الوسطاء. وفي المقابل، ترى أن توحيد جهود الوسطاء وتوزيع الأدوار ضمن إطار واحد متسق يمكن أن ينتج عملية أكثر تماسكاً وقابلية للتنفيذ على الأرض.

ويأتي هذا الموقف في وقت تتزايد فيه التحركات الدبلوماسية حول السودان، فيما كانت اجتماعات أديس أبابا تستهدف أيضاً تطوير موقف مشترك تجاه عمل «الخماسية» والوساطات الخارجية. وكانت تقارير سبقت الاجتماع قد أشارت إلى أن المشاركين يعتزمون إجراء لقاءات مع مكونات اللجنة الخماسية ومناقشة تصميم العملية السياسية ومعايير المشاركة والتمثيل فيها.

النظام السابق

وتتضمن الوثيقة موقفاً حاسماً من عودة المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية إلى المشهد السياسي من خلال عملية السلام. وتقول القوى المشاركة إن القوى التي تعتبرها مسؤولة عن إشعال الحرب والاستفادة من استمرارها لا ينبغي أن تحصل على مكافأة سياسية عبر إعادة إدماجها في العملية السياسية، معتبرة أن القوى المرتبطة بالنظام السابق أسقطتها ثورة ديسمبر، ولا ينبغي أن تتحول أي عملية حوار جديدة إلى مدخل لإعادة إنتاج نفوذها السياسي.

وهذا الموقف يضيف إلى الوثيقة بعداً يتجاوز الحرب الحالية، إذ يربط إنهاء النزاع بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والقوى السياسية والعسكرية، وبمنع إعادة إنتاج النظام السياسي الذي سبق الحرب، وفقاً للرؤية التي طرحتها القوى المشاركة.

رسالة إلى السودانيين

وفي الجزء الأخير من الوثيقة، تتحول اللغة السياسية إلى نداء مباشر للسودانيين في الداخل والخارج، وفي المدن والأرياف ومعسكرات النزوح واللجوء ومناطق السيطرة المختلفة. وتدعو الوثيقة إلى توحيد الصوت المدني والضغط من أجل وقف فوري للحرب، مؤكدة أن السلام حق وليس منحة، وأن السودانيين يملكون الحق في الحياة والأمان والعودة إلى ديارهم والعدالة والمحاسبة، وفي وطن يتسع للجميع ولا تحدد مستقبله وقائع فرضتها المدافع والسلاح.

وتختتم القوى المناهضة للحرب موقفها بالتأكيد على استعدادها للعمل مع القوى السودانية التي تشاركها أهداف إنهاء الحرب وحماية المدنيين والتحول الديمقراطي، وتدعو إلى خفض التصعيد وإقرار هدنة إنسانية فورية وشاملة تقود إلى وقف إطلاق النار، ثم إلى عملية سلام حقيقية تستجيب لتطلعات السودانيين، مع توجيه الشكر لإثيوبيا لاستضافتها الاجتماع وتوفيرها مساحة للتشاور بين القوى السودانية.

وتعكس الوثيقة، في مجملها، محاولة من القوى المناهضة للحرب وغير المصطفة مع طرفيها للانتقال من مجرد رفض القتال إلى تقديم تصور سياسي متكامل لما ينبغي أن يأتي بعده. وهي لا تكتفي برفض دعوة البرهان للحوار، بل تضع معايير للعملية التي يمكن أن تقبل بها: وقف الحرب، معالجة الكارثة الإنسانية، ضمان وحدة السودان، عملية سياسية سودانية الملكية، مشاركة واسعة ومتوازنة، معالجة جذور النزاعات، وبناء مؤسسات دولة جديدة على أساس مدني وديمقراطي. وتأتي أهمية الوثيقة أيضاً من اتساع القوى والمكونات المشاركة في الاجتماع الذي سبق صدورها، والذي جمع قوى سياسية ومدنية وشبكات نسوية وشبابية وشخصيات عامة، في محاولة لإنتاج موقف أكثر تماسكاً للقوى الرافضة للحرب وغير المنحازة لأي من طرفيها.

وبهذا المعنى، فإن وثيقة أديس أبابا لا تقدم رداً عابراً على مبادرة سياسية قائمة، وإنما تضع إطاراً تفاوضياً وسياسياً متكاملاً من وجهة نظر القوى التي صاغتها: السلام يبدأ بإيقاف الحرب، ولا يكتمل إلا بمعالجة أسبابها، ولا تكون له شرعية ما لم يكن السودان نفسه، بمكوناته المدنية والاجتماعية والسياسية، صاحب القرار في تحديد مستقبله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى