اقتصاد متآكل وموت مشتت في الطرقات ..السودان.. «برمودا العقوبات والحرب»

أفق جديد
يمضي السودان بوتيرة متسارعة نحو التفكك، لا لأن الحرب أضحت مجرد مواجهة عسكرية بين جنرالين متصارعين، بل لأن طرفيها، وفق دبلوماسي أفريقي تحدث إلى «أفق جديد»، بات كل منهما ينظر إلى الحرب بوصفها تحدياً شخصياً ومعركة كسر إرادات، متجاهلاً في الوقت ذاته الكلفة الهائلة التي يدفعها السودان بشراً واقتصاداً ودولةً ومجتمعاً. ويقول الدبلوماسي إن هذه الحقيقة ستكون حاضرة بقوة في جلسة مجلس الأمن الدولي التي تُعقد اليوم الاثنين بطلب من الدنمارك، وسط تسريبات صحافية تتحدث عن اتجاه الولايات المتحدة إلى طرح مقترحات أكثر تشدداً، بينها فرض حظر على الطيران في مناطق سيطرة الجيش وقوات الدعم السريع، وتوسيع حظر توريد السلاح ليشمل كامل الجغرافيا السودانية، بدلاً من اقتصاره على إقليم دارفور.
وبحسب الدبلوماسي الأفريقي، فإن تمرير قرارات بهذه الحدة لن يكون أمراً يسيراً في مجلس أمن منقسم حول السودان وتتنازع مواقفه مصالح القوى الكبرى وحسابات حلفائها الإقليميين. وهو تقدير يتقاطع مع ما قاله دبلوماسي سوداني يعمل سفيراً في دولة أوروبية لـ«أفق جديد»، مؤكداً أن الخرطوم، وفق تعبيره، أجرت تفاهمات مع الصين وروسيا ودول أخرى، وبمساعدة حلفائها في الإقليم، لمواجهة ما وصفه بمحاولات الاستهداف الأمريكية للسودان. وقال السفير: «مطمئنون إلى أن هذه القرارات لن تمر»، لكنه لم يُخفِ في الوقت نفسه مخاوفه من أن واشنطن، ومن خلفها إسرائيل بحسب تعبيره، لن تقف مكتوفة الأيدي، وأن فشل تمرير هذه الإجراءات داخل مجلس الأمن قد يدفعها إلى ابتكار مسارات أخرى للضغط والاستهداف.
خرائط النفوذ
وبينما تتجاذب العواصم الكبرى خرائط النفوذ والضغط والعقوبات، يتآكل السودان من الداخل؛ اقتصادٌ ينهار، ومؤسسات تتفكك، وسكان يتحركون بين مناطق الحرب والنزوح، فيما يتحول الموت إلى مشهد مشتت على الطرقات والمدن والأقاليم. وفي المسافة بين حرب لا يبدو أن جنرالاتها مستعدون لوضع حد لها، وعقوبات دولية قد تزيد من خنق اقتصاد منهك أصلاً، يجد السودان نفسه عالقاً في «برمودا» سياسية وعسكرية واقتصادية، تتقاطع فيها الحرب مع العقوبات، وتضيع في مياهها دولة بأكملها.
ففي مدينة المناقل، قال قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، الجمعة الماضية، إن السودان «لا نستبعد في الأيام الجاية العقوبات على السودان»، من دون أن يحدد الجهة التي قد تصدرها، أو طبيعة العقوبات التي يتوقعها، أو الأسباب التي قد تقود إليها. غير أن وضع التصريح في سياقه الزمني والسياسي يكشف أن الرجل كان يتحدث في لحظة تتقاطع فيها ثلاثة مسارات دولية نشطة حول السودان: مسار أوروبي يتجه إلى تشديد الضغط على اقتصاد الحرب، ومسار أممي يقترب من محطة تجديد نظام العقوبات الخاص بدارفور، ومسار أميركي راكم خلال الأشهر الأخيرة حزم عقوبات استهدفت شبكات مرتبطة بالحرب.
وقبل 48 ساعة فقط من حديث البرهان، نشرت «أفريكا إنتلجنس» المقربة من مخابرات إحدى الدول الأوروبية تقريراً عن رفض السلطة القائمة في بورتسودان مقترحاً أوروبياً يتعلق بحماية البنية التحتية المدنية، وهو الرفض الذي دفع مبعوثة الاتحاد الأوروبي للقرن الأفريقي أنيت فيبر، وفق التقرير، إلى إعادة النظر في دورها كوسيط. ولا تثبت هذه الواقعة وجود علاقة مباشرة بين الخلاف الأوروبي وتحذير البرهان من العقوبات، لكنها تضيف إلى المشهد احتكاكاً دبلوماسياً جديداً وقع في توقيت بالغ الحساسية.
عقوبات جديدة
وتزداد أهمية المسار الأوروبي بالنظر إلى أن بروكسل لم تعد تكتفي بالوساطة والبيانات السياسية، ويقول الدبلوماسي الأفريقي، غير مستبعد، أن يفرض الاتحاد الأوروبي عقوبات جديدة على السودان: «في 13 يوليو وسّع مجلس الاتحاد الأوروبي نظام العقوبات المتعلق بالسودان، بإجراءات قطاعية تستهدف ما وصفه بـ«اقتصاد الحرب»، شملت حظر شراء أو استيراد أو نقل الذهب القادم من السودان، إلى جانب حظر تصدير الزئبق والسيانيد المستخدمين في عمليات التعدين».
ويقول الاتحاد إن الغرض من هذه الإجراءات هو تجفيف مصادر تمويل النزاع والضغط على الجهات التي تسهم في إطالته. ويضم نظام العقوبات الأوروبي حالياً 13 فرداً وثمانية كيانات، فيما مُدد العمل به حتى أكتوبر 2026، بما يترك الباب مفتوحاً أمام إضافة أسماء وكيانات جديدة أو توسيع الإجراءات القطاعية. واتسع الأثر السياسي لهذه الخطوة في نهاية يوليو، بعدما أعلنت دول أخرى مواءمة سياساتها مع التدابير الأوروبية الخاصة بالذهب ومواد التعدين.
لكن البرهان قد يكون كان ينظر إلى نيويورك أيضاً، فالسودان يقترب من موعد مهم في مجلس الأمن يتعلق بنظام العقوبات المفروض على دارفور بموجب القرار 1591. وكان المجلس قد جدد، بموجب القرار 2791 الصادر في سبتمبر 2025، التدابير القائمة حتى 12 سبتمبر 2026، ومدد ولاية فريق الخبراء حتى 12 أكتوبر. ويشمل النظام حظر السلاح المتعلق بالفاعلين في دارفور، فضلاً عن تجميد الأصول وحظر السفر على المدرجين في القائمة، فيما يملك فريق الخبراء صلاحيات تتبع انتهاكات نظام العقوبات والتحقيق في تمويل الجماعات المسلحة ورفع المعلومات إلى لجنة العقوبات بشأن الأفراد والكيانات المرشحة للإدراج.
عقوبات متحركة
ولم تكن آلية العقوبات الأممية ساكنة خلال العام الحالي؛ ففي أبريل أضافت لجنة عقوبات السودان أربعة أسماء جديدة إلى قائمتها، في مؤشر على أن نظام 1591 لا يرتبط فقط بالتجديد الدوري، وإنما يظل أداة قابلة لإدراج أفراد وكيانات جديدة متى توافرت الشروط وحصل التوافق داخل اللجنة. ولعل ما يزيد من دلالة ذلك أن السلطة القائمة في بورتسودان كانت تتابع الملف على نحو مباشر؛ ففي 10 أغسطس ناقشت اللجنة العليا السودانية للتنسيق مع الأمم المتحدة الاستعداد للجمعية العامة وملف القرار 1591 وتقرير فريق الخبراء، في وقت أكد فيه وزير الخارجية محيي الدين سالم أن الحكومة تتابع التقرير وتعد تحركها الدبلوماسي بشأنه.
وفي واشنطن، ثمة مسار ثالث لا يقل أهمية. فقد وسعت الولايات المتحدة خلال الأشهر الماضية استخدام أدوات العقوبات المرتبطة بالحرب، وكان آخرها في 26 يونيو، عندما فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على ثمانية أفراد وكيانات قالت إنهم مرتبطون بشبكات لشراء الأسلحة وتجنيد المقاتلين وتغذية النزاع عبر طرفيه. ومن ثم فإن احتمال صدور إجراءات أميركية إضافية ليس افتراضاً بعيداً، وإن كانت المعلومات المتاحة علناً لا تقدم حتى الآن دليلاً على أن واشنطن أعدت حزمة عقوبات جديدة بالتحديد خلال الأيام التي أشار إليها البرهان.
وفيما يرى الدبلوماسي الأفريقي أن مسعد بولس يعمل تحت ضغط شديد، خاصة إذ إنه بعد عام ويزيد من طلب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان من الرئيس الأمريكي التدخل لإنهاء الصراع في السودان، لم يستطع الرجل أن يفعل شيئاً، ويمضي قائلاً إن وضع بولس داخل الإدارة الأمريكية لم يعد كما كان، فالرجل لم يتمكن من إحداث أي تقدم في الملفات التي أُسندت إليه، وهذا يجعله يخشى أن يُدمغ بالفشل، خاصة أن إنجازه الوحيد كان في توقيع اتفاق بين الكونغو ورواندا، وحتى هذا مهدد بالانهيار في أية لحظة.
البند السابع
وعضد الصحافي والمحلل السياسي المقيم في واشنطن عبد الرحمن الأمين ما ذهب إليه الدبلوماسيان بأن انقسام مجلس الأمن البائن حول القضايا الدولية يصعب من مهمة مسعد بولس في مجلس الأمن، مشيراً إلى أن حظر التسليح والطيران من بنود البند السابع، والبند السابع في ظل هذا الانقسام وتشكيلة مجلس الأمن الحالية يصعب أن يُتخذ مثل هكذا قرار. ويضيف الأمين في حديثه لـ«أفق جديد» أن الأعضاء غير الدائمين هم، إلى جانب البحرين، كل من الصومال ونيجيريا والكونغو، مؤكداً أن تركيبة بهذا الشكل لن يكون في مقدورها اتخاذ قرار، مشيراً إلى تبدل أوراق الصراع في المنطقة وارتفاع حجم النفوذ الإقليمي على طرفي الصراع.
المشهد، إذن، لا يقدم إجابة قاطعة عن الجهة التي كان البرهان يقصدها، لكنه يوضح شيئاً أكثر أهمية: تحذيره صدر في لحظة تتقاطع فيها ثلاثة مسارات عقوبات نشطة حول السودان. المسار الأوروبي يتجه إلى استهداف مصادر تمويل الحرب، والمسار الأممي يقترب من محطة تجديد نظام 1591 مع استمرار إمكانية إدراج أسماء جديدة، بينما تحتفظ واشنطن بسجل حديث في توسيع العقوبات على شبكات مرتبطة بطرفي النزاع.
وهنا تكمن أهمية العبارة التي أطلقها البرهان في المناقل. فالفارق كبير بين أن يكون قد تلقى معلومات عن عقوبات وشيكة، وبين أن يكون قد استبق سياسياً احتمالاً بات يراه أكثر ترجيحاً في ضوء تصاعد الضغوط الدولية وتوتر علاقات السلطة في بورتسودان مع عدد من العواصم والمؤسسات. وحتى الآن، لا تسمح المعطيات العلنية بالحسم بين الاحتمالين. لكن المؤكد أن تحذير البرهان لم يأتِ في فراغ سياسي أو دبلوماسي؛ لقد جاء في لحظة أصبح فيها السودان محاصراً بين حرب تستنزف اقتصاده، وعقوبات تتسع أدواتها، وضغوط دولية تبحث بصورة متزايدة عن مصادر تمويل الصراع والشبكات التي تمده بالحياة.





