سلام مؤجل أم إدارة للأزمة؟ .. قراءة في الخطة الأمريكية الجديدة

الهادي الشواف
بعد تعثر لقاءات المجموعة الخماسية، تعود واشنطن إلى واجهة المشهد السوداني بورقة جديدة تبدو للوهلة الأولى أكثر اكتمالاً من المبادرات السابقة، فقد أكد مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، في حديثه الأخير إلى قناة «الحرة» التزام واشنطن بإنهاء الحرب، وكشف عن خطة تقوم على خمسة محاور: هدنة إنسانية، وضمان وصول المساعدات، وحماية المدنيين، والتفاوض على وقف دائم لإطلاق النار، ثم إطلاق عملية سياسية مستقلة وشاملة بقيادة مدنية، وأخيراً التعافي وإعادة الإعمار.
حين تعود واشنطن لتطرح خطتها ذات المحاور الخمسة، فإنها لا تفعل ذلك من فراغ سياسي، بل من داخل منطق إدارة الأزمات الذي يحكم السياسة الأميركية تجاه الملفات الهامشية في سلم أولوياتها الجيوستراتيجية، فالسودان رغم مأساته الإنسانية غير المسبوقة وآثار الحرب الكارثية، يظل بالنسبة لواشنطن ملفًا من الدرجة الثانية أو الثالثة، تدار أزمته وفق توازنات معينة لا السعي بشكل جاد لحلها، ويتم التعامل معها بوصفها تقاطعًا لمصالح إقليمية ودولية أكبر مثل أمن البحر الأحمر وتوازنات القرن الأفريقي والنفوذ الخليجي المتصارع والعلاقة مع مصر والسعودية والإمارات.
الخطة تسلسل بلا إلزام:
المتأمل في البنود الخمسة يلحظ أنها صياغة فنية تقنية أكثر منها مشروعًا سياسيًا متكاملاً. إنها خطة “تسلسلية” لا “إلزامية” تفترض توفر إرادة الأطراف المتحاربة، لكنها لا تضع آليات واضحة تجبرهم على الانتقال من بند إلى آخر، وهذا هو مكمن الهشاشة الجوهرية. فالخطة تصف الغاية المنشودة أكثر مما تحدد الطريق الملزم إليها، حين يعلن بولس أن واشنطن “تتطلع لقبول الأطراف المعنية بها دون شروط مسبقة”، فإن هذه العبارة ذاتها تكشف الحقيقة المرة، وهي أن الخطة عرض لا قرار، ورجاء لا إملاء.
هل واشنطن جادة؟
سؤال يحتاج تفكيكًا لا جوابًا مباشرًا. الجدية الأميركية ليست مسألة نوايا صرفة، ولكنها دالة على حساب المصالح، صحيح أن هناك مؤشرات على تحرك فعلي وعقوبات جديدة ودعوات لوقف استخدام السلاح الكيميائي وتواصل مستمر مع طرفي الحرب وضغط علني عبر الإعلام، لكن هذه المؤشرات تصطدم بحقيقة أخرى فاضحة: فشل اجتماع الخماسية نفسه، الذي كان من المفترض أن يشكل الغطاء الإقليمي للخطة، بسبب خلافات غير معلنة بين الإمارات ومصر حول إدارة المرحلة الانتقالية. حين يعجز الوسيط الأميركي عن التوفيق بين حلفائه الإقليميين قبل أن يواجه طرفي الحرب أنفسهما، فإن ذلك يكشف أن أدوات الضغط الأميركية، رغم وجودها، مشروطة بإرادة سياسية لم تبلغ بعد درجة الحسم.
فالجدية هنا جدية “إدارية” لا “حاسمة”. ربما واشنطن تريد ضبط إيقاع الأزمة بما يمنع انفجارها الكامل أو تمددها الإقليمي، لا بالضرورة إنهاءها بحل عادل وشامل، وهذا فارق جوهري بين “إدارة الصراع” و”حله”. الأول يبقي على الفاعلين متوازنين في حالة توتر محسوب، والثاني يستدعي تفكيك بنية القوة القائمة على العنف ذاته.
أدوات الضغط.. موجودة لكنها غير فعالة:
نعم، تملك أميركا أدوات العقوبات المالية، والنفوذ على الحلفاء الممولين لطرفي النزاع، والموقف في مجلس الأمن، وورقة الاعتراف الدولي بأي حكومة مستقبلية، لكن هذه الأدوات تصطدم بواقعين معقدين: الأول هو أن الدعم الخارجي لطرفي الحرب لا يأتي من فراغ، إنما من شبكة مصالح إقليمية متعددة القطبية (خليجية ومصرية وأفريقية) لا تخضع جميعها للإرادة الأميركية المطلقة في زمن ترامب، الذي يفضل الصفقات الانتقائية على الالتزامات الاستراتيجية الشاملة، والثاني هو أن الجيش السوداني نفسه، كما عبّر البرهان صراحة، يرفض أي تفاوض مباشر مع قوات الدعم السريع، معتبرًا القنوات الأميركية وسيطًا لا شريكًا في تفاوض مباشر. هذا الرفض يفرغ بند التفاوض للوصول إلى وقف دائم لإطلاق النار من مضمونه العملي، ويجعله حبرًا على ورق ما لم تتغير معادلة توازن القوة والضعف.
اللعبة الأعمق.. تبادل الأدوار لا حل الأزمة:
هنا يكمن جوهر السؤال: هل هذه الخطة أداة حل أم أداة تأجيل مُدار؟ التاريخ القريب يميل إلى الإجابة الثانية، فمنذ اندلاع الحرب تعاقبت المبادرات من منبر جدة مرورًا بالرباعية ومبادرات إقليمية متفرقة، كلها تشترك في سمة واحدة: إعادة إنتاج ذات الصيغة بصياغات لغوية متجددة، دون أن تمس البنية العميقة للصراع، أي من يملك شرعية احتكار العنف في السودان ومن يمول هذا العنف من الخارج. فحين تتغير المفردات (“خماسية” بدل “رباعية”)، وتبقى المضامين ثابتة، فإننا أمام ما يمكن تسميته بـ”إعادة تدوير الأزمة”، وهي آلية تحافظ على استمرار الحرب بمستوى محكوم من التوتر ريثما تنضج التوازنات الدولية والإقليمية المرتبطة بالسودان: موقع سد النهضة، والموانئ على البحر الأحمر، والذهب، والصراع الخليجي المصري غير المعلن على شكل السودان القادم.
أين تكمن فرص النجاح؟
هناك، رغم كل التشاؤم، فرصة حقيقية، لكنها ليست كبيرة ولا تلقائية، ويمكن تقديرها بأنها ترتفع إذا انتقلت واشنطن من دور «الوسيط» إلى دور صانع الحوافز والضغط الفعال، فواشنطن عليها أن تنتقل من محاولة إقناع المتحاربين بالسلام إلى إعادة تشكيل البيئة التي تجعل الحرب نفسها خياراً غير قابل للاستمرار. فالطرفان لم يعودا في وضع يسمح لهما بتجاهل الضغوط إلى ما لا نهاية، فالحرب استنزفت الدولة والمجتمع والاقتصاد وخلقت واقعاً إقليمياً بالغ الخطورة، كما أن استمرار الحرب بات يهدد بتثبيت الانقسام الجغرافي والسياسي وتحويل السودان إلى فضاء دائم للحروب بالوكالة، وقد حذرت المجموعة الخماسية نفسها من خطر التفكك وتفاقم الكارثة الإنسانية، لكن العقبة الأساسية هي أن كل طرف لا يزال يعتقد أن الزمن قد يعمل لمصلحته، وهنا يصبح التفاوض بالنسبة إليه امتداداً للحرب، ولكن بأدوات أخرى، وهي كسب الشرعية وتثبيت المكاسب الميدانية وشراء الوقت وتحسين الموقع التفاوضي وانتظار تغير موازين القوى.
بين الأمل المشروط واليقظة النقدية:
الفرصة الحقيقية لنجاح هذه الخطة، إن وجدت، لا تكمن في نصها، بل في لحظة نضوج الإنهاك الداخلي لدى طرفي الحرب حين يصبح الاستمرار أعلى كلفة من التسوية، لكن هذه اللحظة لم تحن بعد ما دام كل طرف يعول على حسم عسكري أو على تعب الطرف الآخر. بينما تستمر البنادق في صناعة الوقائع، فإنه لن يكون سلاماً مؤجلاً فحسب، بل قد يصبح شكلاً أكثر أناقة من إدارة الحرب إلى أن تتغير موازين القوى، والسودانيون في نهاية المطاف ليسوا مجرد موضوع لخطة تصاغ في واشنطن، وإنما هم الفاعل الغائب الحاضر الذي بدونه تبقى كل الخطط الخارجية إدارة لأزمته لا فكاكًا منها. إذن المطلوب هو تحرك القوى الرافضة للحرب بفعالية أكبر لخلق أكبر جبهة شعبية وازنة لصناعة دولة سودانية تعبر من الحرب إلى الديمقراطية بدلاً عن سودانٍ آخر يدخل في حرب طويلة على شكل دول ومناطق نفوذ وسيطرة.





