الحرب التي تسكن في الداخل.. جروح نفسية تهدد جيلاً في السودان

الخرطوم: ابتسام حسن
يفترض أن تكون السكاكين جزءاً من مطبخ البيت، يراها الأطفال هناك ولا يلمسونها، ولا تكون جزءاً من ألعابهم، وأن تكون أصوات الرصاص بعيدة عن ذاكرتهم.
لكن الحرب في السودان قلبت كثيراً من هذه التفاصيل الصغيرة، وأدخلت العنف إلى حياة أطفال لم يعرفوا منه سوى ما شاهدوه أو سمعوه من حولهم.
في إحدى المدن السودانية، لاحظت استشارية علم النفس ابتسام محمود أحمد الأمين أن بعض الأطفال بدأوا يحملون السكاكين، وأن العنف تسلل إلى ألعابهم، فيما ازداد الضرب داخل المدارس.
مشاهد تبدو عابرة للوهلة الأولى، لكنها بالنسبة إلى المختصين قد تكون مؤشرات على آثار نفسية وسلوكية أعمق خلّفتها سنوات من الحرب.
فالحرب لم تترك وراءها فقط مدناً مدمرة وملايين النازحين، وإنما تركت أيضاً جيلاً يحمل في ذاكرته مشاهد من القتل والنزوح والفقد والخوف، وأسراً تحاول استعادة حياتها وسط ضغوط نفسية واجتماعية متزايدة.
حرب لا تنتهي عند توقف الرصاص:
المؤكد أن الحرب تركت أثراً أقل ظهوراً، وفق الخبراء النفسيين، وهو أثر ممتد في حياة الناس يصاحبهم في سكينتهم وحركتهم، يسكن في عقول الأطفال ويرافق الأسر في قلقها الدائم، عندما نلاحظ العنف المتسلل إلى ألعاب الصغار وسلوكهم في التعامل خلال يومهم الاعتيادي.
تقول استشارية علم النفس ابتسام محمود أحمد الأمين لـ«أفق جديد»: «لاحظت أن الأطفال يحملون سكاكين، وحتى لعب الأطفال فيها عنف».
بالنسبة إليها، لم يعد الأمر مجرد سلوك عابر يمكن تجاهله، بل مؤشر على أن الحرب بدأت تعيد تشكيل الطريقة التي يفكر بها الأطفال ويتعاملون بها مع العالم من حولهم.
وتحذر ابتسام من أن ما يراه السودانيون اليوم قد يكون مقدمة لمرحلة أصعب، إذ إن اعتياد العنف والخوف والفقدان قد يتحول، مع مرور الوقت، إلى سلوك اجتماعي راسخ.
تداعيات الحرب:
لا تبدو الآثار النفسية للحرب مجرد انطباعات فردية، إذ تشير مؤشرات ميدانية أولية لوزارة الصحة إلى أن سنوات القتال تركت آثاراً عميقة على مختلف فئات المجتمع، ولا سيما الأطفال والنساء وكبار السن والنازحين، مع تزايد الاضطرابات المرتبطة بالنزوح وفقدان الأحبة والتعرض للعنف والضغوط الاقتصادية والاجتماعية.
وفي محاولة لفهم حجم هذه التداعيات والاستعداد لاحتياجات المرحلة المقبلة، بدأت وزارة الصحة مسحاً تقييمياً لخدمات الصحة النفسية في ولاية القضارف، على أن يمتد لاحقاً إلى بقية ولايات السودان، ويبحث المسح في واقع الخدمات المتاحة، وجاهزية المرافق الصحية، وتوفر الكوادر والأدوية وآليات الإحالة، ومدى إدماج الصحة النفسية في الرعاية الصحية الأولية.
وكشف المسح الأولي لوزارة الصحة أن المؤشرات الأولية تؤكد أن الحرب خلّفت آثاراً نفسية عميقة على مختلف فئات المجتمع، وخاصة الأطفال والنساء وكبار السن والنازحين.
وانطلاقاً من مسؤولية وزارة الصحة، متمثلة في إدارة الصحة النفسية والمعاقرة، في تعزيز خدمات الرعاية النفسية، انطلقت عملية المسح التقييمي لخدمات الصحة النفسية بولاية القضارف بعدد من المحليات، بهدف الوقوف على الواقع الحالي للخدمات، وتحديد الفجوات والاحتياجات، ووضع خطط تطوير تستجيب للزيادة المتنامية في الطلب على خدمات الصحة النفسية، على أن يشمل المسح كل ولايات السودان.
وتقول مديرة إدارة الصحة النفسية بوزارة الصحة في القضارف، د. توحيد عبدالله حسن، إن إجراء المسح بات ضرورة ملحة لتوفير بيانات دقيقة تساعد في تحديد الاحتياجات وتوجيه الموارد، مشيرة إلى أن الحرب أوجدت احتياجات نفسية متزايدة لدى فئات مختلفة من المجتمع.
ولا يتعلق الأمر، في نظر القائمين على المسح، بإضافة خدمة جديدة إلى النظام الصحي بقدر ما يتعلق بالتعامل مع أحد أكثر آثار الحرب عمقاً وأقلها ظهوراً؛ فالجروح التي تتركها الحرب في النفس قد لا تُرى، لكنها قد تستمر طويلاً بعد أن تتوقف أصوات البنادق.
سكاكين بأيدي الأطفال
آثار الحرب لم تعد تظهر فقط في وجوه الناجين أو في حكايات من فقدوا بيوتهم وأحباءهم، بل بدأت تتسلل إلى سلوك الأطفال أنفسهم. تقول استشارية علم النفس ابتسام محمود أحمد الأمين إنها لاحظت في إحدى المدن السودانية أطفالاً يحملون السكاكين، فيما تحولت ألعاب بعضهم إلى مشاهد تحاكي العنف، وازدادت مظاهر الضرب داخل المدارس.
وتقول الأمين إن الحرب واحدة من أبرز العوامل التي يمكن أن تؤدي إلى الاضطرابات النفسية، موضحة أن هذه الاضطرابات قد ترتبط بعوامل وراثية أو بظروف التربية والنشأة، لكنها قد تظهر أو تتفاقم بفعل الصدمات التي يتعرض لها الإنسان.
وتضيف، في حديث لـ«أفق جديد»، أن الحرب في السودان خلّفت سلسلة واسعة من الصدمات، بسبب ما تعرض له المدنيون من قتل وخطف واغتصاب واعتداء ونهب وتدمير للممتلكات، فضلاً عن النزوح وفقدان المنازل والأحبة، وهي تجارب تقول إنها أسهمت في زيادة الضغوط والاضطرابات النفسية.
لكن معرفة حجم المشكلة تظل صعبة، بحسب الأمين، بسبب غياب إحصاءات دقيقة عن الأمراض النفسية، إلى جانب لجوء كثير من المرضى إلى الشيوخ والممارسات الروحية بحثاً عن تفسير لمعاناتهم، في ظل وصمة اجتماعية لا تزال تحيط بزيارة الطبيب النفسي في المجتمع السوداني.
ومع ذلك، تشير الملاحظة الميدانية إلى ارتفاع ملحوظ في الاضطرابات النفسية، بالتزامن مع خطر آخر برز بصورة أكبر وسط الشباب: المخدرات.
وترى الأمين أن الحروب تهيئ بيئة مناسبة لانتشار تجارة المخدرات، خصوصاً عندما يجد الشباب أنفسهم أمام واقع قاسٍ من فقدان التعليم والعمل والأسرة والمنزل، أو يعيشون في مناطق النزوح واللجوء.
وتقول إن تراكم هذه الخسارات لا يترك الشباب أمام أزمة مادية فقط، بل قد يدفعهم إلى أزمات نفسية واضطرابات سلوكية، في محاولة للهروب من واقع أصبحت فيه الحرب جزءاً من تفاصيل حياتهم اليومية.
وفي هذا المشهد، لا تبدو السكين التي يحملها طفل مجرد لعبة، ولا المخدرات التي يصل إليها شاب مجرد سلوك منفصل؛ فكلاهما، في نظر المختصين، قد يكون وجهاً من وجوه حرب بدأت آثارها تنتقل من ساحات القتال إلى داخل المجتمع.
الأمراض التي تختبئ خلف الحرب
ولا تقتصر تداعيات الحرب النفسية على الخوف والقلق وحدهما، إذ تشير الأمين إلى أن الاضطرابات التي قد يعاني منها السودانيون تشمل الاكتئاب والقلق النفسي والفصام، إلى جانب اضطرابات الطفولة، مثل التوحد وفرط الحركة.
وتوضح أن التعامل مع هذه الحالات يختلف بحسب طبيعتها ودرجة حدتها، إذ يتولى الطبيب النفسي التشخيص والعلاج الدوائي عند الحاجة، بينما يقدم الاختصاصي أو الاستشاري النفسي جلسات العلاج والدعم النفسي، بمشاركة كوادر متخصصة في تقديم الخدمات المساندة.
وترى أن توفير هذه الخدمات أصبح أكثر إلحاحاً في ظل الظروف التي فرضتها الحرب، خصوصاً مع اتساع دائرة الصدمات والفقد والنزوح، وما يمكن أن تتركه من آثار طويلة الأمد على الأطفال والأسر والشباب.
العنف الذي يبقى بعد الحرب
لكن ما تخشاه الأمين لا يتوقف عند الاضطرابات النفسية التي يمكن تشخيصها وعلاجها، إنما يمتد إلى سلوك المجتمع نفسه.
توضح أن الحرب قد تترك وراءها أشكالاً من العنف والجرائم حتى بعد توقف القتال، بعدما يصبح العنف جزءاً مألوفاً من الحياة اليومية.
وتروي الأمين أنها لاحظت، خلال وجودها في إحدى المدن السودانية، أطفالاً يحملون السكاكين، وألعاباً تعكس مشاهد عنيفة، إلى جانب زيادة مظاهر العنف ضد الأطفال داخل المدارس.
وتستشهد بحادثة لطفل قتل ابن جيرانه بعد أن أكل كلب الأخير دجاجة، معتبرة أن مثل هذه الوقائع تعكس خطورة اعتياد العنف وتراجع القدرة على التعامل مع الخلافات بعيداً عن القوة.
وتقول الأمين إن استمرار الحرب قد يجعل المواطن يألف العنف، وتحذر من ظهور سلوكيات لا تشبه الصورة التي عرف بها المجتمع السوداني، حيث يوصف بأنه طيب ومسالم ومعطاء ومتعاون.
وتضيف أن الحرب ستفرز متغيرات اجتماعية ونفسية عميقة، من بينها ارتفاع معدلات الطلاق والمشكلات الأسرية وجرائم العنف، إلى جانب تراجع المستوى الأكاديمي للأطفال.
وتصف الأمين هذه الظواهر بأنها كوارث ما بعد الحرب، محذرة من أن تجاهلها قد يؤدي إلى تغيرات كبيرة في سلوك المجتمع.
الصحة النفسية قبل إعادة البناء
ترى استشارية علم النفس ابتسام محمود أحمد الأمين أن معالجة آثار الحرب النفسية يجب ألا تنتظر انتهاء كل الأزمات الأخرى، لأن الإنسان المتعافي نفسياً هو أساس أي عملية لإعادة بناء المجتمع.
وتقول: «هناك كثير من المشاكل تتضاءل أمام الصحة النفسية، لأن الصحة النفسية تجعل الإنسان راضياً عن نفسه ومنتجاً، وإذا كان مدمراً نفسياً فلا نتوقع منه أي إنتاج».
وتدعو إلى إنشاء مجلس أعلى للصحة النفسية، إلى جانب مكاتب للدعم النفسي والاجتماعي في الأحياء يمكن أن تقدم خدماتها للسكان في أماكن قريبة من حياتهم اليومية.
كما تنوه إلى أن المساجد والمراكز المجتمعية يمكن أن تكون جزءاً من هذه المنظومة، من خلال تخصيص مساحات يعمل فيها اختصاصيون نفسيون واجتماعيون لمساعدة الأسر والأطفال والشباب.
كما طالبت الأمين بإطلاق برامج توعوية عبر التلفزيون والإذاعة ووسائل التواصل الاجتماعي، لتغيير النظرة إلى المرض النفسي وتشجيع الأسر على طلب المساعدة منذ ظهور العلامات الأولى.
وتوضح أن المشكلة ليست فقط في علاج من وصل إلى مرحلة المرض، وإنما في اكتشاف الألم النفسي مبكراً، قبل أن يتحول إلى عنف أو إدمان أو تفكك أسري أو طفل يحمل سكيناً بدلاً من لعبة.
القضارف تبدأ البحث عن آثار الحرب
في وقت بدأت فيه آثار الحرب تظهر في سلوك الأطفال والشباب والعلاقات داخل الأسر، تحاول ولاية القضارف الاقتراب من الجانب الأقل ظهوراً في الأزمة: الصحة النفسية.
ودشنت الولاية أول مسح تقييمي لخدمات الصحة النفسية على مستوى السودان، في محاولة لرسم صورة أوضح عن واقع الرعاية النفسية، وما تملكه من مرافق وكوادر وإمكانات، وما تحتاج إليه في مرحلة تزداد فيها الضغوط الناجمة عن الحرب والنزوح والفقد.
وأطلق المدير العام لوزارة الصحة بولاية القضارف، أحمد الأمين آدم، أعمال المسح الذي تنفذه الإدارة العامة للرعاية الصحية الأساسية، ممثلة في إدارة الصحة النفسية والمعاقرة، مستهدفاً في مرحلته الأولى ست محليات هي: القريشة، وباسندة، وقلع النحل، والرهد، والمفازة، والقلابات الشرقية.
ويهدف المسح إلى إنشاء قاعدة بيانات تشمل المؤسسات والجهات التي تقدم خدمات الصحة النفسية، إلى جانب حصر الكوادر والإمكانات المتاحة، وتحديد الفجوات والاحتياجات التي ينبغي التعامل معها خلال المرحلة المقبلة.
وقال آدم إن الحرب أفرزت تحديات كبيرة على الصحة النفسية للمواطنين، من بينها ارتفاع معدلات الاضطرابات النفسية والاكتئاب، بالتزامن مع تنامي تعاطي المخدرات والإدمان.
وتعمل الولاية، وفقاً له، على إنشاء مركز متخصص لعلاج الإدمان، باعتباره أحد الاحتياجات التي فرضتها المرحلة، بينما يستهدف المسح تقديم معلومات دقيقة تساعد السلطات الصحية على تحديد الأولويات وتوجيه الموارد.
ولا تنظر السلطات الصحية إلى المسح باعتباره مجرد عملية لحصر المرافق والخدمات، بل محاولة لفهم ما تركته الحرب خلفها داخل الإنسان، ووضع أساس لخدمات قد يحتاج إليها السودانيون طويلاً بعد أن تهدأ أصوات القتال.
قاعدة بيانات لوجع الحرب:
الوصول إلى الأشخاص الذين يحتاجون إلى المساعدة يبدأ أولاً بمعرفة حجم الاحتياج وأماكن وجود الخدمات، ولهذا يأتي المسح في القضارف على مرحلتين، تبدأ الأولى بست محليات، على أن تشمل المرحلة الثانية المحليات الست المتبقية.
تقول مديرة الإدارة العامة للرعاية الصحية الأساسية، إنسام أحمد عثمان، إن الهدف هو بناء قاعدة بيانات متكاملة ترصد المؤسسات التي تقدم خدمات الصحة النفسية، وتقيّم واقعها الحالي، وتحدد احتياجاتها والتدخلات المطلوبة، بما يساعد على التوسع في تقديم الخدمات خلال المرحلة المقبلة.
ونفذت وزارة الصحة تدخلات لتأهيل مصحة الأمراض النفسية وتهيئتها لاستقبال المرضى، إلى جانب توسيع برامج التوعية بمخاطر المخدرات وسط الشباب واليافعين، بالتعاون مع إدارة مكافحة المخدرات، واستهدفت هذه البرامج الداخليات والأسواق والمدارس.
وترى مديرة إدارة الصحة النفسية، توحيد عبدالله حسن، أن المسح يمثل محطة مفصلية في تطوير خدمات الصحة النفسية بالولاية، لأن أي خطة لن تكون أكثر من تقدير ما لم تستند إلى معلومات تعكس الواقع الفعلي.
وتقول إن الإدارة تسعى إلى بناء قاعدة بيانات علمية تساعد على تحسين جودة الخدمات وضمان وصولها إلى المواطنين في مختلف محليات القضارف، على أن تشكل نتائج المسح المرجعية التي تستند إليها خطط التوسع في خدمات الصحة النفسية خلال السنوات المقبلة.
قد تكون هذه البيانات أكثر من مجرد أرقام، فهي محاولة لمعرفة من يحتاج إلى المساعدة، وأين يوجد، وما الذي يمكن فعله قبل أن تتحول آثار الحرب الصامتة إلى أزمات يصعب احتواؤها.





