“بلاك أوت” الحرفيون يجنون خسارات فادحة

مغيرة حربية
رغم انقطاع التيار الكهربائي لأكثر من أسبوعين عن ورشته الصغيرة في كرري، ظل المعلم عبد البديع يواظب، كعادته، على الحضور كل صباح، ينظف المكان ويتفقد الماكينات ويتلقط الأخبار المتضاربة عن عودة الكهرباء ليستأنف العمل ويوفي بالتزامات الزبائن التي أخذت في التراكم حتى ضاق بها الميدان الصغير الذي تطل عليه ورشة الحدادة وكادت أن تغلق الطريق.
ظل “بُلبُل” وهو اللقب الذي يطلقه عليه الزبائن والجيران متمسكا بالحضور للورشة حتى في أقسى أيام الحرب وأشدها ضراوة، لم ينزح سوى لأسابيع قليلة، عاد بعدها لمباشرة العمل رغم القصف المدفعي العنيف وتناقص السكان في المنطقة: رغم قسوة تلك الأيام وبشاعتها، لكننا كنّا أفضل حالاً”. يقول المعلم بلبل وهو يبتلع غيظه. يشرح لـ”أفق جديد”: “كانت الكهرباء بالمجان ولا تنقطع مطلقاً عن المنطقة وكانت السلع رخيصة، مقارنة بموجات الغلاء الطاحنة هذه الأيام”. ويضيف بحسرة: “الصنائعية، بلا حماية، حافظت على الورشة طوال أيام الحرب دون سند من أية جهة ولم يتبق لنا سنام لنأكل منه”.
شلل شبه تام
ليست ورشة المعلم بلبل وحدها، فقد أطبق شلل كامل على ورش الحرفيين جراء انقطاع الكهرباء التام، عقب برمجة القطوعات القاسية لأكثر من 12 ساعة في اليوم، مما خلف خسارات أولية فادحة وتعطيل للعاملين أو تسريح أكثرهم، بحسب جولة ميدانية لـ”أفق جديد” كشفت عن حجم الكارثة. أبواب مغلقة لعشرات الورش، ماكينات ساكنة، خشب وحديد يعلوه الصدأ، عمال يجلسون بلا عمل.
يخبر الماحي وهو صاحب ركشة تحت الصيانة أنه خسر كل مدخراته التي وفرها لصيانة الركشة: “أحضرتها قبل انقطاع الكهرباء بيوم واحد. أنا وصاحب الورشة أكلنا أموال الصيانة”. يقول ضاحكاً بسخرية. يضيف في حديث لـ”أفق جديد”: “الإسبير غالٍ جداً وأسعار الصيانة مرتفعة، لا أعرف كيف أجمع المال مرة أخرى”.
بدوره يخبر الطيب، صاحب الورشة التي قصدها الماحي للصيانة، أنه لا يستطيع توفير كهرباء بديلة رغم تكدس المحل وحاجته الماسة للعمل: “المولدات باهظة الثمن وكلفة تشغيلها أعلى، وبالنسبة للطاقة الشمسية فإن أسعارها في زيادة كل يوم”. يقول لـ”أفق جديد” ومن ثم يضيف: “نطالب الدولة بالتدخل لتمليك الورش بالطاقة الشمسية عبر البنوك وبأقساط ميسرة”.
غياب المنظومة
ورغم تأكيده أن السودان يمتلك مورداً شمسياً كبيراً، فإن المهندس وليد الريح، يقول لـ”أفق جديد” إن الطاقة الشمسية لا تستطيع وحدها حل مشكلة شبكة وطنية تحتاج إلى كهرباء موثوقة على مدار الساعة، خصوصاً للمصانع والتبريد والمياه والتعدين، ومن الأفضل استخدامها ضمن أنظمة هجين، مع التوليد القابل للتحكم، بحيث تخفض الطاقة الشمسية الحمل على المحطات الحرارية أثناء النهار، بينما تغطي المحطات الحرارية أحمال المساء والليل، مع استخدام البطاريات في حالة كانت مجدية اقتصادياً.
يضيف: “من الخطأ اختزال أزمة الكهرباء في السودان في السؤال الذي يحاول الإجابة عليه الكثيرين هذه الأيام: هل نستخدم الطاقة الشمسية أم الرياح أم التوليد الحراري؟ والحقيقة أنه لا إجابة، فهذا الخيار يأتي في نهاية عملية التخطيط وليس في بدايتها. مشكلتنا الحقيقية هي غياب منظومة كهرباء وطنية متكاملة مبنية على أرقام و”خط أساسي” واضح للطلب والإنتاج والنقل والتوزيع والتكلفة وهي مشكلة قديمة تعذر حلها.
يقول الريح: “قبل الحرب كانت القدرة المركبة في السودان نحو 3.2 غيغاوات، بينما بلغ أقصى طلب مسجل نحو 2.56 غيغاوات. وبعد الحرب تضررت محطات وشبكات رئيسية بصورة كبيرة، وتدور تقديرات غير رسمية حول انخفاض القدرة المتاحة إلى نحو 1.2 غيغاوات، وهو رقم يحتاج إلى تدقيق ميداني شامل، فالسودان يحتاج بعد الحرب وفي مرحلة إعادة البناء إلى جزء من التوليد الحراري لأنه يوفر قدرة يمكن التحكم فيها، ويجب إخراج القرارات السياسية اليومية من تشغيل قطاع الكهرباء، وإنشاء جهاز رقابي مستقل يراقب الأداء والتعرفة وجودة الخدمة”.
أدوات تقليدية
استعاد المعلم محمد حامد أدواته التقليدية اليدوية لإنجاز عمله في ورشة النجارة. يقول في حديث لـ”أفق جديد” إنه لا يستطيع انتظار عودة الكهرباء أكثر: “حتى لو عادت فإن البرمجة قاسية والعمل لا يحتمل”. ويضيف: “لجأت لاستخدام المنشار اليدوي والفارة والصنفرة، صحيح أنها تؤخر إنجاز العمل بسرعة ولكنها أفضل من البطالة. نطالب ببرمجة واضحة للقطوعات ومساعدة الحرفيين للعودة للمناطق الصناعية وتمويلهم بعد الخسارات التي طالتهم جراء الحرب”.
ويقدر اتحاد أصحاب الحرف عدد الورش المتأثرة في الحرب بأكثر من 4500 ورشة، يعمل بها بصورة مباشرة أكثر من 18 ألف عامل وصنايعي، خرجت جميعها عن الخدمة ولاذ أغلب العمال بالأحياء والميادين الداخلية وسط المساكن أو هجروا المهنة وتحولوا عنها لأعمال هامشية أخرى.





