من كتابي «بلاغة الضحك» المسرح الأهلي بأمبدة

 

السر السيد

السر السيد

يُعدّ المسرح الأهلي بأمبدة واحداً من أهم دور العرض المسرحي في ولاية الخرطوم في مطلع تسعينيات القرن الماضي، كما يُعتبر واحداً من المبادرات الطليعية في مسيرة المسرح السوداني. وقصته، كما يرويها الفنان محمد شريف، هي:

ربطتني، ولا تزال، بالسيد محمد إدريس الهادي صلة زمالة، فقد درسنا سوياً بمدرسة ود نوباوي الوسطى. لذلك، لما جاءني يحمل فكرة حول ضرورة وجدوى تأسيس دار عرض للمسرح في مدينة أمبدة، في الأرض الواقعة شمال محطة ود البشير، تقاطع شارع العرضة مع شارع حمد النيل، وجدت نفسي متحمساً للفكرة، ربما أكثر منه، خاصة وأن كل النذر تشير إلى أن المسرح القومي قد يتوقف عاجلاً أم آجلاً. فقد سبق أن اتصل بي الضابط المسؤول عن أمن منطقة الإذاعة والتلفزيون، يطلب مني عدم تقديم أي عروض بالمسرح القومي، تجنباً لأي تجمع في هذه المنطقة، خاصة وأن انقلاب الثلاثين من يونيو كان في أيامه الأولى.

في تلك الأيام، وسعياً لتأهيل المسرح الوليد، كتبت خطاباً للسيد وزير الثقافة والإعلام، عبد الله محمد أحمد، طالباً منه أن يسمح لنا بأخذ بعض كشافات الإضاءة القديمة غير المستعملة، المرمية في المسرح القومي، وأشياء أخرى يمكن صيانتها وإعادة تأهيلها. وقد أوضحت في الخطاب أن المسرح الجديد سيغطي أنشطة الحركة المسرحية، خاصة في ظل الظروف التي يعيشها المسرح القومي. إلا أن السيد الوزير أبدى تشدداً غريباً، ورفض رفضاً باتاً أن نأخذ حتى ولو مسماراً، مع جفاء في المقابلة وتبرم من الفكرة نفسها. فربما كان يظن أن الإنقاذ لا تضع المسرح والأنشطة الفنية ضمن أجندتها… ربما.

بعد ذلك حملت مطالبي وتوجهت إلى السيد إبراهيم نايل إيدام، عضو مجلس قيادة الثورة بوزارة الشباب والرياضة، فاستقبلني بترحاب شديد، وأصدر أمره للوزارة بمنحنا ما نريد. وقد سمحوا لنا بالاستعانة بالقليل من الأشياء القديمة… بضع كشافات وسلك صبّان، ليس أكثر…

بذلنا جهداً مقدراً ونحن نعد العدة ليوم الافتتاح، وكان أن دعوت الزبير محمد صالح لافتتاح المسرح. فصلتني به صلة قديمة تمتد إلى أيام مدرسة وادي سيدنا وداخلية أبو قرجة، كما أشرت في ثنايا هذه التداعيات. وقد حضر، مشكوراً، وشاهد عرضنا، مسرحية «الناس العملو قروش»، وتبرع لنا بمبلغ كبير، مائتي ألف جنيه، ساعدنا كثيراً، فأهلنا الصالة وخشبة المسرح إلى حد معقول.

كانت المعاناة الكبيرة بالنسبة لنا هي التصديق، وقد حصلنا عليه بشق الأنفس من بعض المتنفذين بأمبدة. ولكن ما إن بدأت انطلاقة المسرح حتى بدأ بعض سكان الحي في جمع توقيعات المواطنين ضد المسرح، بحجة أنه مفسدة، ورفعوها للمدير التنفيذي إبراهيم نجيب، الذي كان مثقفاً ومدركاً لأهمية المسرح، ولكن لا مفر له من الرضوخ لرغبة بعض سكان الحي، وعلى رأسهم اللجنة الشعبية!!!

ومتين؟… في عز سطوات اللجان الشعبية.

ولم ينقذنا من هذا التطرف إلا السيد علقم، محافظ أم درمان…

وتكررت حرب العرائض، وتكرر ذهابي إلى أعيان الحي واحداً واحداً، وفي منازلهم، فاقتنع بعضهم، والبعض الآخر تظاهر بالاقتناع مجاملة. فكان لا بد مما ليس منه بد؛ فاتصلت بالأخ سليمان محمد سليمان، عضو مجلس قيادة الثورة، والذي كان قد أصبح وزيراً للثقافة والإعلام، وذهبت إليه. فبيني وبينه صلات حميمة وإعجاب متبادل. فلبى دعوتي، وجاء وحضر عرضاً من عروض «الناس العملو قروش»، بل وخاطب جمهور العرض، مبيناً أهمية المسرح ودوره في المجتمع…

بعدها خفت غلواء اللجنة الشعبية، لتبدأ حرب الحجارة. فقد كوّن بعض شباب الحي فرقة لقذفنا بالحجارة، مما سبب لنا الضيق والانزعاج الشديد. فكرت في هذه المصيبة، وتعاملت معها بالجدية المطلوبة، فاستطعت أن أتعرف على قائد الفرقة ورأس الفتنة، ووجدته عاطلاً عن العمل. فما كان مني إلا أن ألحقته بالعمل معنا في المسرح، فسكنت العاصفة وهدأت الأمور.

ليتردد بعد ذلك اسم مدينة أمبدة في الإذاعة والتلفزيون والصحف، مع كل إعلان لكل مسرحية تُعرض في المسرح الأهلي بأمبدة. وصار الكل يتناقل أخبار هذا الصرح الحضاري وهذا الإنجاز الاستثنائي، بين مكذب ومصدق.

واندفعت الجماهير من أمبدة، ومن الخرطوم، ومن بحري، ومن أم درمان، بل ومن كل صوب في العاصمة المثلثة. فحزمت أمري ودعوت صديقي الأستاذ بدر الدين طه، الذي كان والياً للخرطوم، فلبى دعوتنا، وتحدث لجمهور العرض، ووعدنا بتحويل المسرح إلى مسرح مغلق.

واستمرت العروض، وبدأت المسرحيات تحقق دخلاً طيباً. وهنا تحركت اللجنة الشعبية مرة أخرى، مطالبة بنسبة من قيمة التذكرة، فوقفت ضد هذا المطلب «ألف أحمر»، وجادلتهم في هذا الأمر كثيراً.

وفي النهاية، وللحق أقول، إن أعضاء اللجنة الشعبية بالحارة التاسعة، حيث المسرح الأهلي، كانوا، رغم تعنتهم الظاهر ضد المسرح، في منتهى الرقي والطيبة والسلوك الحميد.

قدمنا العديد من المسرحيات، وبدأت بمسرحياتي: «الناس العملو قروش»، و«في انتظار البترول»، و«الجن الكلكي»، و«سجين رقم 13»، وذلك لأن المسرحيين قد تهيبوا التجربة في البداية، ولما بان لهم نجاحها أقبلوا؛ فجاءت فرقة الأصدقاء المسرحية، ولأكثر من مرة، وجاءت جماعة السديم المسرحية؛ وجاء أحمد رضا دهيب ومجموعته، وجاءت فرقة أضواء المسرح بمسرحية «أوسطى أحمد»، وجاء عماد الدين إبراهيم بمسرحية «عنبر المجنونات»، وعدت أنا بمسرحية «بيت الجماعة».

وهكذا، إلى أن انسابَت الحركة المسرحية، وبدأ موسم الهجرة إلى المسرح الأهلي بأمبدة. فقد شهد هذا المسرح العديد من الأعمال، وما ذكرته لا يعدو أن يكون بعضاً منها.

لما بدأت الحركة المسرحية تفقد بريقها، وأصيبت بالتكلس، وبالتالي تراجع جمهورها، بل وفقدته، لم يسلم المسرح الأهلي بأمبدة من هذا المصير المحزن. وحينها فكر الأخ محمد إدريس في التراجع عن الفكرة، بل والتخلي عنها. فاتفقنا أن نجرب العروض السينمائية مؤقتاً، وبعائدها ننقذ ما يمكن إنقاذه.

ولكن عندما نجحت العروض السينمائية نجاحاً باهراً، انحاز الأخ محمد إدريس لفكرة العروض السينمائية تماماً، وبات راغباً عن المسرح، بل وزاهداً فيه، خاصة وأن فرقاً مسرحية كثيرة لم تفِ بالتزاماتها معه. وهنا تم الانفصال.

هذه، باختصار، حكاية صرح ثقافي وحضاري وتنويري أضاء مدينة، ثم انطفأ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى