الكيزان.. حين أرادوا إذلال شعب فأهلكوا وطنًا

إبراهيم هباني
المشكلة مع الكيزان ليست أنهم حكموا السودان وفشلوا. لو كانت مجرد حكومة فاشلة لأغلق السودانيون دفترها كما أغلقوا دفاتر حكومات كثيرة. المشكلة أنهم أرادوا تغيير السوداني نفسه، وإخضاع دولة كاملة لتنظيم اعتقد أن من حقه أن يقرر للناس كيف يعيشون ويفكرون، ومن هو المؤمن، ومن هو الوطني، ومن يستحق أن يكون مواطنًا كامل الحقوق.
دخل الإخوان السلطة بانقلاب، ثم شرعوا في صناعة وطن على مقاس التنظيم، ومواطن مطيع على مقاس الأيديولوجيا. لم يريدوا حكم السودانيين فقط، بل إعادة تربيتهم وهنا بدأت المهزلة.
جاءوا باسم “المشروع الحضاري”، يتحدثون عن العفة والزهد والأمانة. راقبوا ملابس النساء، وطاردوا الشباب، ونصبوا أنفسهم أوصياء على مجتمع عرف الدين والسماحة ومكارم الأخلاق قبل أن يعرف تنظيمهم.
لكن بعد 3 عقود ونيف، أصبح السؤال معكوسًا: من كان يحتاج إلى التربية؟!
الشعب السوداني، أم الذين جاءوا لتربيته؟
السوداني لم يكن يحتاج إلى كوز ليعلمه حرمة الجار والضيف والمرأة والكبير. هذه قيم عاشها الناس في القرى والمدن قبل المشروع الحضاري ثم جاء التنظيم ليحول الأخلاق من قيم يمارسها المجتمع إلى سلطة تمارسها الدولة على المجتمع.
والأغرب أن الموعظة كانت دائمًا للفقراء.
ظهرت حول السلطة طبقة من أصحاب الشركات والعقارات والثروات والامتيازات، بينما كان المواطن مطالبًا بالصبر والتقشف. تستطيع الدولة أن تسأل فتاة عن ثوبها، لكن السؤال عن ثروة صاحب نفوذ يصبح أكثر تعقيدًا. صارمة مع المجتمع، وأكثر تسامحًا عندما يصل الأمر إلى دوائر السلطة.
وهنا تتجلى أخلاق الإخوان التي صنعتها سنوات الكوزنة: أخلاق لا تقاس بالفعل بقدر ما تقاس بالانتماء؛ الخطأ جريمة إن ارتكبه الخصم، وله ألف مبرر إن ارتكبه الأخ. التنظيم فوق الدولة، والولاء مقدم على الكفاءة، والطاعة أعلى من المواطنة، والمختلف خصم في الأخلاق والدين قبل أن يكون خصمًا في السياسة.
هكذا لم تعد الكوزنة مجرد انتماء تنظيمي، بل منظومة قلبت المعايير، واستخدمت الدين لمنح السلطة قداسة، والتمكين شرعية، وإقصاء الآخرين فضيلة.
ومن هنا أيضًا نفهم قاموس التخوين الذي عاش عليه المشروع. المختلف عميل، والخصم خائن، والمعارض مأجور، ومن يرفض خطابهم عدو للدين أو الجيش أو الوطن.
يتغير الاتهام، لكن المحكمة واحدة، والقاضي دائمًا هو التنظيم.
والتمكين لم يكن مجرد فصل موظفين وتعيين إخوان مكانهم. كان مشروعًا لإعادة هندسة الدولة. أضعفت الخدمة المدنية، وسُيست المؤسسات، واتسعت شبكات النفوذ، ولم يسلم الجيش نفسه من الاستقطاب والأدلجة.
والحصيلة لا تحتاج إلى لجنة تحقيق. انظر إلى السودان دولة فقدت جنوبها، واقتصاد أنهكته الأزمات، ومؤسسات أضعفها التسييس، ثم وطن مثخن بالسلاح، ومدن مدمرة، وملايين النازحين واللاجئين.
ومع ذلك، لا يزال بعض الذين شاركوا في صناعة الطريق إلى هذه الكارثة يقفون أمام السودانيين في هيئة الواعظ.
وهنا تصبح المفارقة ساخرة، لولا أنها مغموسة في الدم. من أضاع دولة يحدثك عن الوطنية.
ومن مارس التمكين يحدثك عن الكفاءة ومن صادر الحرية يحدثك عن الديمقراطية.
ومن أدخل الدين إلى سوق السلطة يتهم الآخرين بأنهم أعداء الدين.
السودان الذي تسلمه الإسلاميون لم يكن جنة. كانت فيه حروب وفقر وأزمات تاريخية، ولا يمكن تحميلهم كل أمراضه. لكنهم حكموا ثلاثين عامًا، وهي مدة تكفي لأن يسألهم السودانيون: أين المشروع الحضاري؟ أين الاقتصاد؟ أين المؤسسات؟ أين الوحدة؟ بل أين الجنوب؟
لكن هناك كلمة واحدة لا يحبها التنظيم: أخطأنا.
دائمًا هناك متآمر آخر، وخصم آخر، ومؤامرة أخرى. الجميع متهم إلا صاحب التجربة.
لقد أرادوا إذلال شعب حتى يطيع التنظيم، لكنهم أخطأوا في قراءة السودانيين.
هذا شعب قد يصبر طويلًا، لكنه لا يقبل الإذلال. وحين خرج في ديسمبر، خرج أعزل في مواجهة الرصاص ليقول إن الوطن أكبر من الجماعة، وإن كرامة الإنسان لا تحتاج إلى شهادة حسن سلوك من تنظيم.
أرادوا مواطنًا مطيعًا، فانتفض المواطن. أرادوا دولة للتنظيم، فأهلكوا الدولة. وأرادوا تعليم السودانيين الفضيلة، فانتهت تجربتهم بسؤال فاضح لا يستطيع أي مؤتمر تنظيمي الإجابة عنه:.
من كان يحتاج إلى التربية حقًا: الشعب السوداني السمح الواعي، أم الذين حاولوا إذلاله باسم الدين؟
السودان لم يكن يحتاج إلى مشروعهم الحضاري. كان يحتاج فقط إلى أن يتركوه وطنًا





