الدلنج.. قطاع صحي على شفا الانهيار

نمارق الجاك
تمر مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان بظرف صحي وإنساني بالغ التعقيد، مع خروج معظم المرافق الصحية عن الخدمة، وتراجع قدرة المرافق المتبقية على تقديم الرعاية الطبية، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الصحية للسكان وسط أوضاع أمنية وإنسانية استثنائية.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن عدداً كبيراً من المرافق الصحية في المدينة أصبح خارج الخدمة بصورة كاملة، بينما تواصل بعض المرافق المتبقية العمل بإمكانات محدودة لا تتناسب مع حجم الاحتياجات السكانية المتزايدة. ويأتي ذلك في ظل نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية، ومحدودية أعداد الكوادر الطبية والصحية، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على خدمات الرعاية الصحية الأولية، وعلى نحو أكثر خطورة على خدمات الأمومة والطفولة والتغذية ومكافحة الأمراض والأوبئة المرتبطة بموسم الخريف.
وتزداد المخاوف مع دخول موسم الخريف، الذي عادة ما يصاحبه ارتفاع في معدلات الإصابة بالملاريا وحمى الضنك والإسهالات المائية وغيرها من الأمراض، في وقت تفتقر فيه المدينة إلى منظومة صحية قادرة على الاستجابة السريعة لاحتياجات السكان، سواء على مستوى الوقاية أو التشخيص أو العلاج.
وبحسب بيان نشرته منصة الدلنج 24 الإخبارية، فإن استمرار تدهور الوضع الصحي يمثل تهديداً مباشراً لصحة المواطنين والمقيمين في المدينة، ولا سيما المرضى الذين يحتاجون إلى تدخلات عاجلة أو إلى علاج منتظم ومستمر. ويحذر البيان من أن توقف المرافق الصحية أو ضعف قدرتها التشغيلية قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات المضاعفات والوفيات التي كان بالإمكان تفاديها، فضلاً عن زيادة احتمالات انتشار الأمراض في ظل تراجع خدمات الوقاية والتشخيص والعلاج.
ولا تنفصل الأزمة الصحية في الدلنج عن الظروف الاستثنائية التي عاشتها المنطقة خلال السنوات الماضية، والتي عمّقت من الاحتياجات الإنسانية والصحية، وجعلت السكان أكثر اعتماداً على مرافق صحية مستقرة وآمنة وقادرة على تقديم الخدمات الأساسية.
ويقول متحدث باسم شبكة الأطباء، فضّل حجب اسمه، في تصريح لـ«أفق جديد» أدلى به أيضاً إلى قناة الجزيرة، إن ما بين 70 و80 في المئة من المراكز الصحية التي تقدم خدمات الرعاية الصحية الأولية أصبحت خارج الخدمة تماماً، عازياً ذلك إلى استهداف المراكز الصحية من قبل قوات الدعم السريع، إلى جانب النقص الحاد في الكوادر الطبية والصحية.
ويضيف أن الوضع يثير مخاوف متزايدة من تفاقم الأوبئة مع موسم الخريف، خصوصاً حمى الضنك والملاريا والإسهالات المائية، بالتزامن مع ارتفاع حالات سوء التغذية وسط الأطفال، وهو ما يزيد الضغط على ما تبقى من مرافق صحية عاملة في المدينة.
وتأتي هذه التطورات في وقت تعاني فيه الدلنج أصلاً من تراجع كبير في الخدمات الصحية الأساسية، نتيجة تأثير الحرب على البنية التحتية الصحية، وتعطل سلاسل الإمداد، وصعوبة وصول الأدوية والمستلزمات الطبية، فضلاً عن مغادرة أو فقدان عدد من الكوادر الطبية والصحية.
وفي ظل هذه الأوضاع، دشنت شبكة الإعلاميين الشباب في الثامن من أغسطس الجاري بمدينة الدلنج مشروعاً لتوفير الأثاث والمستلزمات الطبية لمستشفى الدلنج المرجعي، في إطار تدخلات إنسانية تستهدف دعم القطاع الصحي وتحسين بيئة تقديم الخدمات الطبية داخل المستشفى.
وشمل المشروع توفير 14 سريراً طبياً، و14 مرتبة طبية مبطنة عالية الجودة، و24 قطعة ملاءة، إلى جانب عشرة مقاعد للانتظار، بسعة ثلاثة أشخاص للمقعد الواحد. ويهدف التدخل إلى تلبية جانب من الاحتياجات الأساسية للمستشفى، وتحسين بيئة المرضى والعاملين، في ظل النقص الكبير الذي تعاني منه المؤسسات الصحية في المدينة.
وجاء المشروع بدعم من المجلس النرويجي للاجئين (NRC)، باعتباره أحد التدخلات الإنسانية الرامية إلى مساندة المؤسسات الصحية في المناطق المتأثرة بالحرب، حيث تواجه المرافق الطبية تحديات متزايدة تتعلق بالبنية التحتية والمستلزمات والكوادر والقدرة على الاستجابة للاحتياجات المتنامية.
ويقول عضو في شبكة الإعلاميين الشباب بمدينة الدلنج، فضّل حجب اسمه لدواعٍ أمنية، لـ«أفق جديد»، إن استهداف المسيّرات للمرافق الصحية خلال الفترة الماضية أدى إلى اتساع الفجوة الصحية في المدينة، ووصف التدهور الذي أصاب القطاع بأنه «مريع».
ويشير إلى أن استهداف المراكز الصحية أدى إلى مقتل ثلاثة من الكوادر الطبية أثناء أدائهم لعملهم، وهو ما أسهم في اتساع الفجوة في الكوادر الطبية داخل المدينة، إلى جانب تأثير الحصار على دخول الأدوية والمستلزمات الطبية.
ويضيف أن الأدوية بدأت في الفترة الأخيرة تصل إلى المدينة عبر المنظمات الإنسانية وقوافل المساعدات، إلا أن ذلك لم يضع حداً للأزمة، مؤكداً أن التدهور في القطاع الصحي لا يزال مستمراً.
ويقول إن مستشفى الدلنج المرجعي يعاني نقصاً حاداً في الكوادر الطبية، في ظل ما وصفه بعدم الاهتمام الكافي من وزارة الصحة بالموظفين والأطباء العاملين داخل المدينة. ويشير إلى أن بعض العاملين في القطاع الصحي يتقاضون رواتب لا تتجاوز 25 ألف جنيه، بينما تصل رواتب الأطباء الاختصاصيين إلى نحو 75 ألف جنيه، وهي مبالغ، بحسب قوله، لا تتناسب مع الظروف المعيشية الصعبة وحجم المخاطر التي يواجهها العاملون في القطاع الصحي.
ولا تقتصر الأزمة على نقص الكوادر، إذ تواجه المستشفيات والمراكز الصحية أيضاً شحاً في الأجهزة والمعدات الطبية، الأمر الذي يحد من قدرتها على التعامل مع الحالات المرضية المختلفة، ويجبر السكان في بعض الأحيان على البحث عن العلاج خارج مناطقهم.
ويشير عضو شبكة الإعلاميين الشباب إلى أن الوضع في مدينة كادوقلي، عاصمة الولاية، أكثر صعوبة من الدلنج، إلى درجة أن بعض المرضى يضطرون إلى الانتقال من كادوقلي إلى الدلنج للحصول على العلاج، رغم الصعوبات الأمنية واللوجستية التي ترافق حركة المرضى بين المدينتين.
ويعكس هذا الواقع حجم الاختلال الذي أصاب المنظومة الصحية في جنوب كردفان، حيث لم تعد المشكلة مرتبطة بمرفق صحي واحد أو نقص مؤقت في دواء بعينه، وإنما باتت أزمة متكاملة تشمل البنية التحتية والكوادر والأدوية والمعدات وسلاسل الإمداد، فضلاً عن المخاطر الأمنية التي تحيط بالعاملين والمنشآت الصحية.
وتزداد خطورة الوضع في الدلنج مع استمرار الحرب، إذ إن أي تراجع إضافي في الخدمات الصحية قد يترك آلاف السكان دون رعاية طبية أساسية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى خدمات الطوارئ والأمومة والطفولة والتغذية ومكافحة الأمراض.
كما أن ضعف خدمات الرصد الوبائي والوقاية والتشخيص يرفع احتمالات تفشي الأمراض، خصوصاً خلال موسم الخريف، بينما قد يؤدي ضعف خدمات التغذية إلى تفاقم حالات سوء التغذية بين الأطفال، ويزيد من هشاشة الفئات الأكثر عرضة للخطر.
وتكشف الأزمة الصحية في الدلنج عن جانب آخر من تداعيات الحرب لا يظهر دائماً في أرقام المعارك والضحايا، لكنه يمس الحياة اليومية للسكان بصورة مباشرة؛ فتعطل المستشفى أو غياب الطبيب أو نقص الدواء قد يحوّل حالة مرضية قابلة للعلاج إلى مأساة، ويجعل الوصول إلى الرعاية الصحية نفسه تحدياً يهدد حياة المرضى.
وفي ظل هذه الظروف، تبدو الحاجة ملحة إلى تدخل إنساني عاجل لدعم المرافق الصحية العاملة في الدلنج، وتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية والأجهزة الضرورية، إلى جانب دعم الكوادر الطبية والصحية وتأمين بيئة آمنة تمكنهم من مواصلة أداء عملهم.
كما تتطلب الأزمة ضمان وصول المساعدات الإنسانية والإمدادات الطبية بصورة منتظمة، وعدم استخدام المرافق الصحية أو العاملين فيها كأهداف في سياق العمليات العسكرية، بما يضمن استمرار تقديم الخدمات الأساسية للسكان.
إن ما تواجهه الدلنج لم يعد مجرد نقص عابر في الخدمات الطبية، وإنما أزمة صحية وإنسانية تهدد حياة السكان بصورة مباشرة، في ظل تعطل معظم المرافق الطبية، وشح الأدوية والمعدات، ونقص الكوادر، وتصاعد مخاطر الأمراض والأوبئة.
ويحتاج إنقاذ القطاع الصحي في المدينة إلى تحرك فوري ومشترك من الحكومة والمنظمات الإنسانية والإغاثية والجهات الدولية، قبل أن يتحول التدهور الحالي إلى كارثة يصعب احتواؤها.
فإنقاذ القطاع الصحي في الدلنج ليس ترفاً ولا ملفاً يمكن تأجيله إلى ما بعد الحرب، بل ضرورة إنسانية عاجلة، تتصل مباشرة بحق السكان في الحياة والعلاج، وبقدرة المدينة على الصمود أمام واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية قسوة في تاريخ المنطقة.





