البرهان.. يكاد المريب بأن يقول خذوني

حيدر المكاشفي
عبارة الفريق أول عبد الفتاح البرهان التي قالها أمام المصلين في مسجد المناقل يوم الجمعة الماضية، والتي جاء فيها إنه لا يستبعد ويتوقع فرض عقوبات على السودان وعليه، ثم يستدرك بالقول: (ولكننا لن نركع)، تستدعي للذاكرة عجز بيت شعر ذائع ومثل مشهور، عجز بيت الشعر يقرأ: (يكاد المريب بأن يقول خذوني)، وهو عجز لصدر يقول: (هيهات لا تخفى علامات الهوى)، والبيت للشاعر ابن سهل الأندلسي، وصار يُضرب للشخص المخطئ أو المرتبك الذي يفضح نفسه بنفسه من شدة الخوف والقلق، كأنه يطلب من الناس أن يكشفوه ويأخذوه، وأما المثل المشهور فمؤداه: (الحرامي في راسو ريشة)، ومعنى المثل أن الحرامي دائماً ما يترك أثراً أو شارة تدل عليه، أي أنه لا بد من أن يوقع نفسه بشيء يبدو منه، وللمثل قصتان؛ قصة تروى عن نبي الله سليمان عليه السلام، نقلتها بعض كتب التراث، منها ابن قتيبة في كتاب (عيون الأخبار)، وفي كتاب (أخبار الظُّراف والمتماجنين) لابن الجوزي، وخلاصتها أن شيخاً سُرقت له إوزة، فشكا ذلك إليه، فخطب الناس فقال: ما بال أحدكم يسرق إوزة جاره وريشها على رأسه، فمد رجل يده إلى رأسه كأنه يمسحه، فقال: خذوه فهو صاحبكم، والقصة الأخرى تتفق مع السابقة في التفاصيل، ولكنها تنسب الحكاية لشيخ إحدى القرى.
الشاهد أن حديث البرهان عن احتمال فرض عقوبات على السودان وعليه، ليست مجرد جملة عابرة في خطبة جمعة. فحين يقول رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش ذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط هو لماذا يتوقع البرهان العقوبات، بل أيضاً ماذا يعرف الرجل ولم يقله؟ فالمعروف عن العقوبات في السياسة الدولية أنها لا تهبط من السماء فجأة، ولا تُفرض عادة لمجرد أن دولة ما تخوض حرباً، بل دائماً ما يكون وراءها ملفات وتقارير وضغوط ومعلومات وتحقيقات ومواقف سياسية، وقد تسبقها في العادة إشارات وتحذيرات ومطالب وشروط. ولذلك فإن إعلان البرهان توقعه للعقوبات يفتح الباب أمام قراءة تتجاوز ظاهر العبارة إلى ما وراءها.
قد يكون الرجل يستشرف ببساطة مساراً دولياً أصبح أكثر تشدداً تجاه الحرب السودانية، خصوصاً مع تصاعد التقارير الدولية عن الانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون، واستمرار الحرب وتضاؤل فرص الحل السياسي. وقد تكون تصريحاته محاولة لتهيئة الرأي العام السوداني نفسياً وسياسياً لاحتمال صدور عقوبات جديدة. لكن ثمة احتمالاً آخر أكثر إثارة للجدل، هو أن تكون لدى قيادة الجيش مؤشرات فعلية على عقوبات يجري إعدادها أو بحثها في دوائر دولية.
وهنا تصبح العبارة الأكثر إثارة للاهتمام هي: (وعليه)، فالفارق كبير بين أن يقول رئيس حكومة الأمر الواقع: (نتوقع عقوبات على السودان)، وبين أن يضيف إليها: (وعليه)، أي عليه شخصياً أو على قيادة الجيش. فذلك يوحي بأن الحديث لا يتعلق بعقوبات عامة على الدولة، وإنما بإجراءات قد تطال أشخاصاً بعينهم من المسؤولين عن إدارة الحرب أو المتهمين بالمسؤولية عن انتهاكات أو عرقلة جهود السلام. وهذا تحديداً ما يجعل التصريح يستحق التوقف عنده.
فإذا كانت العقوبات مجرد احتمال عام، فما الذي يجعل رئيس حكومة الأمر الواقع يتوقع أن تطاله شخصياً؟ هل وصلته تحذيرات؟ هل توجد معلومات عن ملفات يجري إعدادها؟ هل هناك تحرك دبلوماسي لا يزال بعيداً عن العلن؟ أم أن الرجل أراد استباق الصدمة السياسية والإعلامية بإعلانها بنفسه قبل أن تعلنها مصادر أخرى، مثل التي أعلنها من بعد حديثه مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية، وفحواها أنه، أي بولس، سيطرح خلال جلسة مجلس الأمن الدولي المنعقدة يوم الاثنين المقبل بشأن السودان، مقترحاً لفرض حظر طيران في المناطق الخاضعة لسيطرة كل من القوات المسلحة السودانية والدعم السريع، إضافة إلى مقترح بحظر توريد السلاح إلى الجيش السوداني والدعم السريع.
الحقيقة أننا لا يمكننا الجزم بأي من الاحتمالات التي أشرنا إليها من التصريح وحده، لكن مجرد طرحها يكشف أهمية العبارة. أما الشطر الثاني من كلام البرهان: (لن نركع)، فهو ينتمي إلى خطاب سياسي مألوف في مواجهة الضغوط الخارجية. وهو خطاب يقوم على تحويل العقوبات من قضية تتعلق بسلوك الحكومة أو أطراف الحرب إلى معركة بين الإرادة الوطنية والإملاءات الأجنبية.
المشكلة أن هذا الخطاب، مهما كان جذاباً من الناحية العاطفية، لكنه لا يجيب عن السؤال الأساسي: لماذا تُفرض العقوبات أصلاً؟ فإذا كانت العقوبات بسبب الانتهاكات ضد المدنيين، فإن الرد عليها لا يكون بمجرد القول: (لن نركع)، وإنما بوقف الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، وإذا كانت بسبب عرقلة جهود السلام، فإن الرد الطبيعي يكون بإزالة أسباب العرقلة والمضي نحو تسوية سياسية. وإذا كانت بسبب الحرب نفسها، فإن أفضل وسيلة لتجنب المزيد من العقوبات هي إنهاء الحرب، لا تحويل العقوبات إلى معركة خطابية.
فالمواطنون المدنيون العزل هم الذين سيدفعون الثمن الأكبر لأي عقوبات جديدة. فقد أثقلت الحرب كاهلهم، وانهارت العملة، وارتفعت الأسعار، وتدهورت الخدمات، واتسعت دائرة الفقر والنزوح والجوع. ولذلك فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يُطرح على سلطة الأمر الواقع ليس هو: هل سنركع للعقوبات؟ وإنما ماذا فعلنا وسنفعل حتى لا يدفع الشعب ثمنها؟
وعموماً، يظل السؤال مشروعاً: لماذا اختار البرهان أن يفتح بنفسه ملف العقوبات ويتحدث عن توقعها في هذا التوقيت تحديداً؟ ولماذا جمع بين احتمال العقوبات عليه شخصياً وبين التأكيد على أنه (لن يركع)؟ قد يكون ذلك محاولة لرفع معنويات أنصاره، وقد يكون رسالة إلى الداخل بأن القيادة مستعدة لمواجهة الضغوط الدولية، وقد يكون أيضاً رسالة إلى الخارج مفادها أن العقوبات لن تغير موقف السلطة. وربما يكون مجرد استباق سياسي لما يعتقد البرهان أنه قادم.
غير أن الأخطر في الأمر هو أن تتحول العقوبات إلى قدر محتوم في الخطاب الرسمي، بدلاً من أن تكون جرس إنذار يدفع إلى مراجعة السياسات التي تقود إليها. فالدول لا تُقاس قوتها بعدد العقوبات المفروضة عليها، ولا بقدرتها على إعلان: (لن نركع). القوة الحقيقية للدولة هي قدرتها على حماية مواطنيها، وإنهاء الحرب، ومنع الانتهاكات، والحفاظ على مؤسساتها، وإعادة فتح الطريق أمام السياسة.
أما تحويل كل ضغط خارجي إلى معركة كرامة وطنية، فقد يمنح السلطة مساحة خطابية مؤقتة، لكنه لا يوقف الحرب، ولا يطعم الجائع، ولا يعيد النازح إلى منزله. وأن يُقال للمواطن السوداني إن هناك عقوبات قادمة، ثم يُطلب منه أن يهتف: (لن نركع)، فذلك يعني أن المواطن قد يجد نفسه مرة أخرى أمام فاتورة حرب لا تخصه، وعقوبات لم يطلبها، وقرارات لم يشارك في صنعها، ويظل دائماً هو الضحية الأبرز لهذه الحرب اللعينة.





