من الشراكة إلى الاصطفاف الاستراتيجي.. كيف تطورت علاقة الجيش السوداني بتركيا؟

أفق جديد
لم تبدأ علاقة الجيش السوداني بتركيا مع اندلاع الحرب في أبريل ٢٠٢٣، لكنها دخلت مع الحرب مرحلة مختلفة جذريًا، انتقلت فيها من علاقات سياسية واقتصادية وعسكرية تقليدية إلى شراكة دفاعية أخذت تتسع تدريجيًا، حتى أصبحت في ٢٠٢٦ أكثر وضوحًا على المستويين العسكري والسياسي. ولم يعد الحضور التركي في السودان مقتصرًا على الاتفاقات أو الاستثمارات أو العلاقات الدبلوماسية، بل أصبح مرتبطًا بصورة مباشرة بتطور قدرات الجيش السوداني في ميدان القتال، من المسيّرات والذخائر إلى أنظمة الدفاع الجوي، بالتزامن مع انتقال الاتصالات بين المؤسستين العسكريتين في البلدين إلى مستويات رفيعة. والأكثر دلالة في هذا التحول ليس فقط وصول السلاح والتكنولوجيا التركية إلى الجيش، وإنما التغير الذي طرأ على لغة الصحافة التركية نفسها؛ فبعد أن كانت تتحدث عن العلاقات التركية السودانية أو الدعم التركي للسودان، بدأت بعض المنابر الدفاعية والتحليلية تصف الجيش السوداني صراحة بأنه «الجيش السوداني المدعوم من تركيا»، في مقابل تقديم الدعم السريع باعتباره قوة «مدعومة من الإمارات». وهذه النقلة اللغوية تكشف تحولًا أعمق في طريقة النظر إلى الحرب؛ إذ لم تعد تُقدَّم في بعض الإعلام التركي باعتبارها صراعًا سودانيًا داخليًا فحسب، وإنما باعتبارها جزءًا من تنافس إقليمي على السودان والبحر الأحمر، تتقاطع فيه مصالح أنقرة مع مصالح الجيش السوداني في مواجهة الدعم السريع وحلفائه الإقليميين..
جذور العلاقة
تعود جذور هذه العلاقة إلى ما قبل الحرب بسنوات طويلة، لكن عام ٢٠١٧ يمثل نقطة التحول الأبرز. فقد شكلت زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى السودان في ديسمبر من ذلك العام محطة مفصلية، جرى خلالها توقيع اثنتي عشرة اتفاقية وبروتوكولًا ومذكرة تفاهم، وإنشاء آلية للتعاون الاستراتيجي رفيع المستوى. ولم تكن تلك الاتفاقات عسكرية في جوهرها، بل شملت الاقتصاد والزراعة والطاقة والثقافة والتعليم والأمن والتعاون العسكري، في إطار استراتيجية تركية أوسع لتوسيع الحضور في أفريقيا والوصول إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي. وكان مشروع تطوير جزيرة سواكن ومينائها أحد أكثر رموز تلك المرحلة إثارة للانتباه، لأنه عكس رغبة أنقرة في بناء حضور طويل الأمد على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
غير ان تردد نظام البشير الذي كان حائرا مابين المضي قدما في التحالف مع حركات الإسلام السياسي ام الاتجاه بكلياته للتحالف مع دول الخليج حال دون ان تنفيذ تلك الاتفاقيات وظلت العلاقة بين البلدين ترواح مكانها مابين الفتور والحيوية غير ان تركيا وفقا لدبلوماسي سوداني رفيع
لم تدخل السودان مع الحرب، وإنما دخلتها وهي تملك أصلًا شبكة من المصالح والعلاقات مع الدولة السودانية ومؤسساتها السياسية والعسكرية، وهو ما منح العلاقة الحالية قاعدة أعمق من مجرد صفقات سلاح ظهرت بعد أبريل ٢٠٢٣
وأضاف الدبلوماسي الذي تحدث لـ” افق جديد” شريطة عدم نشر اسمه قائلا: لم يؤد سقوط نظام عمر البشير في أبريل ٢٠١٩ إلى انهيار هذه العلاقة، كما كان يمكن أن يحدث لو كانت قائمة بصورة أساسية على العلاقة الشخصية بين أردوغان والبشير أو على الارتباط الأيديولوجي بالحركة الإسلامية.
وعلى الرغم من أن الروابط الإسلامية والسياسية لعبت دورًا في بناء الثقة خلال عهد البشير، فإن السلوك التركي بعد سقوطه أظهر قدرًا واضحًا من البراغماتية؛ فقد شارك وزير الخارجية التركي آنذاك مولود تشاووش أوغلو في مراسم توقيع الوثيقة الدستورية في الخرطوم في أغسطس ٢٠١٩، في إشارة إلى استعداد أنقرة للتعامل مع المرحلة الانتقالية الجديدة. ولذلك فإن اختزال العلاقة الحالية بين تركيا والجيش السوداني في العامل الإسلامي وحده لا يفسر مسارها؛ فالحسابات التركية تتصل بالدولة السودانية ومؤسساتها وموقعها الجغرافي وموانئها ومواردها ودورها في البحر الأحمر، بقدر اتصالها بالروابط السياسية والفكرية التي نشأت في عهد النظام السابق.
بعد انقلاب أكتوبر ٢٠٢١ أصبحت المؤسسة العسكرية القوة السياسية الأكثر تأثيرًا في السودان، ثم جاء اندلاع الحرب بين الجيش والدعم السريع في أبريل ٢٠٢٣ ليعيد ترتيب العلاقة التركية السودانية بصورة جذرية. ففي بداية الحرب حاولت أنقرة الحفاظ على صورة الطرف القادر على التواصل مع مختلف الأطراف، لكن تغير طبيعة المعارك دفعها تدريجيًا إلى الاقتراب من الجيش. فقد تحولت الحرب من مواجهة تعتمد على المشاة والمدفعية إلى حرب تستخدم بصورة واسعة المسيّرات والاستطلاع والضربات الدقيقة والحرب الإلكترونية والدفاع الجوي، وهي المجالات التي راكمت فيها تركيا خلال السنوات السابقة خبرة وصناعة عسكرية متقدمة. وهنا التقت حاجة الجيش السوداني إلى أسلحة ملائمة لطبيعة الحرب الجديدة مع رغبة الصناعة الدفاعية التركية في توسيع حضورها الخارجي، وأصبح السودان ساحة عملياتية حقيقية تظهر فيها قدرات الأسلحة التركية في ظروف حرب مفتوحة ومعقدة.
وكانت المسيّرات أبرز حلقات هذا التحول. فقد كشفت صحيفة واشنطن بوست في مارس ٢٠٢٥، استنادًا إلى وثائق ورسائل وعقود وسجلات رحلات ومواد مصورة، عن صفقة قالت إن قيمتها لا تقل عن مائة وعشرين مليون دولار، وشملت مسيّرات بيرقدار تي بي اثنتين ورؤوسًا حربية ومعدات مرتبطة بها، كما تحدث التحقيق عن دعم فني ميداني للجيش السوداني ووجود موظفين مرتبطين بالشركة التركية في السودان. وبغض النظر عن تفاصيل الصفقة ومدى دقة كل ما ورد فيها، فإن أهميتها السياسية والعسكرية تكمن في أنها نقلت الحديث عن التعاون العسكري التركي السوداني من نطاق التكهنات إلى مستوى أكثر تحديدًا. ومع ذلك، يبقى من الضروري التمييز بين الدولة التركية والشركات الدفاعية التركية؛ فوجود شركة تركية ومعدات تركية في الحرب لا يعني بالضرورة أن تركيا أعلنت رسميًا دخولها الحرب إلى جانب الجيش، وهو تمييز ظلت أنقرة حريصة عليه في خطابها السياسي والدبلوماسي.
تطور أهم
لكن التطور الأهم لم يكن في مجرد امتلاك الجيش للمسيّرات، وإنما في تطور نوعية التكنولوجيا المستخدمة. فخلال ٢٠٢٥ و٢٠٢٦ انتقل الحديث من بيرقدار تي بي اثنتين إلى أقينجي، وهي مسيّرة أثقل وأكثر قدرة على حمل الذخائر والعمل في مهام بعيدة ومعقدة. ونشرت وسائل إعلام دفاعية تركية تقارير عن استخدام الجيش السوداني لأقينجي، وتحدثت عن عمليات ضد منظومات دفاع جوي تابعة للدعم السريع، بل وعن استخدام ذخائر ذكية تركية الصنع. وإذا صحت هذه التقارير، فإن العلاقة تكون قد تجاوزت مرحلة بيع السلاح إلى منظومة أكثر تعقيدًا تشمل الطائرة والذخيرة والاستطلاع والتشغيل والدعم الفني والخبرة العملياتية. وهنا يصبح أثر تركيا في الحرب مختلفًا؛ فالتكنولوجيا التركية لم تعد مجرد قطعة سلاح داخل ترسانة الجيش، وإنما أصبحت جزءًا من الطريقة التي يخوض بها الجيش الحرب ويعيد بها تشكيل ميزان القوة في الجو.
وقد ظهر أثر ذلك بصورة أكبر خلال العمليات التي انتهت باستعادة الجيش للخرطوم، حيث أصبح التفوق في استخدام المسيّرات عنصرًا مهمًا في العمليات العسكرية. وبذلك تحولت العلاقة التركية من علاقة بين مورد سلاح ومؤسسة عسكرية إلى علاقة يؤثر فيها التطور التقني للطرف الأول في الأداء القتالي للطرف الثاني. وفي المقابل، يوفر السودان للصناعة الدفاعية التركية بيئة عملياتية مختلفة عن بيئات الاختبار التقليدية؛ حرب واسعة، مساحات شاسعة، خطوط مواجهة متحركة، ومواجهة متصاعدة بين أسراب من المسيّرات. ولذلك لم تعد الصحافة الدفاعية التركية تتعامل مع السودان باعتباره مجرد سوق للسلاح، وإنما باعتباره ساحة تُختبر فيها منتجات الصناعة العسكرية التركية وتظهر فيها قدراتها أمام جمهور إقليمي ودولي.
منظومات مدمرة
وظهر التطور الأكثر إثارة في أغسطس ٢٠٢٦ مع تقارير تركية عن ظهور آثار لما قيل إنه منظومة حصار أ التركية الصنع في الحرب السودانية. وإذا تأكد بصورة مستقلة أن الجيش السوداني يستخدم هذه المنظومة، فإن ذلك سيشكل نقلة مهمة في طبيعة التعاون؛ لأن الدفاع الجوي يمثل طبقة مختلفة تمامًا عن المسيّرات الهجومية، ويشير إلى احتمال اتساع التعاون ليشمل بناء شبكة دفاع جوي أكثر تعقيدًا. وتكتسب المسألة أهمية خاصة في ظل تحول السودان إلى واحدة من أكثر ساحات حرب المسيّرات نشاطًا في أفريقيا. وفي يوليو ٢٠٢٦ تناولت مراكز ومواقع دفاعية تركية استخدام أقينجي في السودان، وذهبت بعض الروايات إلى الحديث عن اشتباكات جوية بين المسيّرات، وهي روايات تحتاج إلى تحقق مستقل، لكنها تكشف في حد ذاتها حجم الاهتمام التركي بالسودان باعتباره ساحة تعرض فيها قدرات السلاح التركي في حرب حقيقية.
وهنا تحديدًا تبرز النقلة الأهم: لغة الصحافة التركية. ففي المراحل الأولى كانت التغطية تتحدث عن «العلاقات التركية السودانية» أو «دعم تركيا للسودان»، وهي لغة تمنح أنقرة مساحة واسعة للمناورة الدبلوماسية. ثم ظهرت صياغة «الدعم التركي للجيش السوداني»، قبل أن تنتقل بعض المواقع الدفاعية والتحليلية إلى توصيف أكثر مباشرة: «الجيش السوداني المدعوم من تركيا»، في مقابل «الدعم السريع المدعوم من الإمارات». وهذه ليست مجرد صياغة صحفية؛ فهي تعيد تعريف الحرب نفسها. فالجيش يصبح في هذه الرواية جزءًا من مجال النفوذ التركي، بينما يصبح الدعم السريع جزءًا من مجال النفوذ الإماراتي، وتتحول المعارك من صراع على السلطة داخل السودان إلى مواجهة تتقاطع فيها مشاريع إقليمية متنافسة. وكلما ازدادت أهمية السلاح التركي في العمليات، ازدادت قابلية هذا التوصيف للانتشار، حتى بات بعض الإعلام الدفاعي التركي يقدم انتصارات الجيش باعتبارها، بصورة غير مباشرة، نجاحًا للتكنولوجيا العسكرية التركية.
ويكشف ذلك عن استراتيجية تركية مزدوجة. فالخطاب الرسمي لأنقرة لا يزال حريصًا على الحديث عن وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ووقف الحرب، ويقدم تركيا بوصفها دولة قادرة على المساعدة في تحقيق السلام. لكن الخطاب الإعلامي والدفاعي يذهب أحيانًا إلى أبعد من ذلك بكثير، ويضع تركيا داخل ميزان القوة العسكري نفسه. وهذه الازدواجية تبدو بوضوح في التحركات السياسية والعسكرية التي شهدها عام ٢٠٢٦. ففي يونيو استقبل أردوغان عبد الفتاح البرهان في أنقرة، وتناول اللقاء تطوير العلاقات في مجالات متعددة بينها الدفاع، بينما ربطت تحليلات تركية الزيارة بتغير موازين الحرب واستعادة الجيش للخرطوم. ثم جاءت زيارة البرهان في لحظة مختلفة تمامًا عن السنوات الأولى للحرب؛ فالجيش لم يعد مؤسسة تقاتل للبقاء داخل العاصمة، وإنما أصبح قوة استعادت مركز الدولة وتستعد لمرحلة جديدة من العمليات في كردفان ودارفور. ومن منظور أنقرة، فإن ارتفاع قدرة الجيش على استعادة مؤسسات الدولة يرفع بالضرورة من قيمة الاستثمار السياسي والعسكري في العلاقة معه.
زيارة العطا
وجاءت زيارة رئيس هيئة أركان الجيش السوداني الفريق أول ياسر العطا إلى أنقرة في السابع عشر من أغسطس ٢٠٢٦ لتمنح العلاقة بعدًا أكثر مؤسسية. فقد استقبله وزير الدفاع التركي يشار غولر، وعقد مباحثات مع رئيس الأركان التركي، وتركزت اللقاءات على العلاقات العسكرية والتعاون الدفاعي. والأهمية هنا لا تكمن في الزيارة وحدها، وإنما في مستوى المؤسسات التي أصبحت تتواصل بصورة مباشرة: رئاسة الدولة، ووزارة الدفاع، ورئاسة الأركان. وهذا التسلسل يؤشر إلى أن العلاقة لم تعد تعتمد على قنوات سياسية أو شخصية، وإنما بدأت تتخذ شكلًا مؤسسيًا يمكن أن يستمر بصرف النظر عن الأشخاص. وإذا تزامن ذلك مع استمرار الحديث عن المسيّرات والدفاع الجوي، فإن المسار المحتمل يتجاوز شراء الأسلحة إلى التدريب والصيانة والدعم الفني والحرب الإلكترونية وإعادة بناء القدرات المؤسسية للجيش السوداني.
وتتصل هذه التطورات بحسابات أوسع لدى تركيا. فالسودان يحتل موقعًا استراتيجيًا على البحر الأحمر، ويمثل بالنسبة إلى أنقرة نقطة مهمة في شبكة نفوذ تمتد إلى القرن الأفريقي والصومال وليبيا. كما أن التنافس التركي الإماراتي يمثل مفتاحًا مهمًا لفهم السياسة التركية تجاه السودان؛ فكلما ازداد ارتباط الدعم السريع بالإمارات في الخطاب السوداني والتركي، أصبح الجيش السوداني بالنسبة إلى أنقرة جزءًا من معادلة إقليمية أوسع. ولا يتعلق الأمر بالبحر الأحمر وحده، بل بالاقتصاد والموارد والموانئ والزراعة وإعادة الإعمار، فضلًا عن سوق الصناعات الدفاعية. فالنموذج التركي في أفريقيا يقوم على تداخل الدبلوماسية والتجارة والبنية التحتية والدفاع، وليس على مسار عسكري منفصل عن السياسة الخارجية.
ولهذا فإن العلاقة لا يمكن تفسيرها أيضًا باعتبارها عودة تركية إلى دعم الإسلاميين السودانيين. صحيح أن شبكات الإسلاميين لعبت دورًا في دعم الجيش خلال الحرب، وأن علاقات قديمة ربطت بعض هذه الشبكات بتركيا وقطر وإيران، لكن اختزال السياسة التركية في هذا العامل وحده يتجاهل السلوك التركي منذ سقوط البشير. أنقرة أثبتت أنها قادرة على التعامل مع أنظمة وترتيبات سياسية مختلفة ما دامت مصالحها الأساسية محفوظة. ولذلك تبدو حساباتها الحالية أقرب إلى الرهان على المؤسسة التي تراها الأكثر تنظيمًا وقدرة على الحفاظ على الدولة ووحدة أراضيها، مع السعي في الوقت نفسه إلى حماية مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية ومنع خصومها الإقليميين من احتكار السودان.
وهنا تظهر معضلة الوساطة التركية. فأنقرة تريد أن تقدم نفسها بوصفها طرفًا قادرًا على التوسط في الحرب، وقد عرض أردوغان في ديسمبر ٢٠٢٤ التوسط في التوتر بين السودان والإمارات، مؤكدًا رغبة تركيا في دعم السلام والاستقرار ووحدة السودان. لكن الوساطة تحتاج عادة إلى مسافة من أطراف الصراع، بينما أصبحت تركيا أقرب عسكريًا إلى الجيش من أي وقت مضى. وقد لا ترى أنقرة تناقضًا في ذلك؛ فهي تستطيع، من منظورها، دعم مؤسسة الدولة وفي الوقت نفسه الدعوة إلى تسوية سياسية. غير أن الدعم السريع وحلفاءه قد ينظرون إلى العلاقة بصورة مختلفة، خصوصًا مع تحول الإعلام التركي إلى استخدام توصيف «الجيش السوداني المدعوم من تركيا». وهكذا يمكن أن تصبح تركيا جزءًا من المعادلة التي تحاول التوسط فيها، لا وسيطًا يقف خارجها.
المسار الحالي يشير إلى أن العلاقة تتجه من التعاون العسكري إلى الشراكة الأمنية طويلة الأمد. فقد انتقلت خلال سنوات قليلة من الاتفاقات السياسية والاقتصادية، إلى صفقات السلاح، ثم الاستخدام الميداني، ثم المسيّرات المتقدمة، ثم الحديث عن الدفاع الجوي، ثم الزيارات السياسية، وأخيرًا الاتصالات المباشرة بين وزارة الدفاع ورئاسة الأركان في البلدين. وإذا استمر هذا الاتجاه، فإن التعاون قد يتوسع إلى التدريب والصيانة والحرب الإلكترونية والاستطلاع وإعادة بناء المؤسسة العسكرية. وعندها لن يكون الجيش السوداني مجرد مشترٍ للسلاح التركي، بل شريكًا أمنيًا طويل الأمد ضمن شبكة النفوذ التركي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وفي المحصلة، فإن علاقة الجيش السوداني بتركيا لم تبدأ بالحرب، لكن الحرب غيرت طبيعتها ورفعت أهميتها. في عهد البشير كانت تقوم على مزيج من السياسة والاقتصاد والدين والاستثمار والموانئ، وبعد سقوطه أصبحت أكثر براغماتية، ثم جاءت الحرب لتمنحها بعدًا عسكريًا مباشرًا. وفي ٢٠٢٦، مع بروز أقينجي، وتقارير منظومة حصار أ، واستقبال أردوغان للبرهان، ثم زيارة ياسر العطا إلى وزير الدفاع ورئيس الأركان التركيين، أصبحت العلاقة أقرب إلى شراكة دفاعية استراتيجية غير معلنة رسميًا كتحالف. وربما يكون التحول الأكثر دلالة هو ذلك الذي حدث في اللغة: فحين يتحول الجيش في بعض الصحافة التركية من «الجيش السوداني» إلى «الجيش السوداني المدعوم من تركيا»، فإن تركيا لم تعد تظهر فقط كدولة تربطها بالسودان مصالح تاريخية، وإنما كقوة يُنظر إليها باعتبارها أحد العوامل التي تصنع ميزان القوة داخل الحرب.
وهذا يفتح السؤال الأهم للمستقبل: هل تريد أنقرة جيشًا سودانيًا منتصرًا يعيد بناء دولة موحدة، أم أن الحرب تمثل لها أيضًا فرصة لبناء نفوذ عسكري واقتصادي طويل الأمد في السودان؟ ستكشف الإجابة طبيعة الصفقات المقبلة أكثر مما تكشفها التصريحات السياسية؛ فإذا تجاوز التعاون المسيّرات والذخائر إلى الدفاع الجوي والتدريب والصيانة والحرب الإلكترونية وإعادة بناء القدرات العسكرية، فإن العلاقة ستكون قد تجاوزت مفهوم الشراكة الدفاعية التقليدية إلى علاقة أمن قومي طويلة المدى. وعند تلك النقطة لن يعود السؤال عن مقدار السلاح التركي الموجود في السودان، وإنما عن مدى ارتباط مستقبل المؤسسة العسكرية السودانية نفسها بالتكنولوجيا والتدريب والعقيدة الدفاعية والشراكة الاستراتيجية مع أنقرة.





