تكملة الثبات الذي دعا له عرمان …

قلم ،،،يوسف الغوث
طرح الأستاذ ياسر عرمان مقال في صفحته بتاريخ الثلاثاء الموافق 25 اغسطس ،،تحت عنوان (قبل ان نصفق لمجلس الامن ) فضح به فشل الحلول الجزئية وسخرية إدارة الحرب تحت قبة مجلس الأمن،
حيث كان سؤاله الأكبر عن جدوى قرار عمره اثنان وعشرون عاماً لم يحمِ دارفور ولم يوقف انتقال النار إلى كل السودان، وعن تراجع الرباعية عن إعلان مبادئها الطموح الذي وعد بهدنة فورية وانتقال مدني في تسعة أشهر،
ليحل محله حديث عن تمديد حظر الطيران والسلاح وكأن السودان ما زال في عام ٢٠٠٤ ولم يشهد خراب أبريل وما بعده،
انثمن جرأة عرمان في كشف ترهات الحلول الهشة لاعتبار اننا نجد أنفسنا أمام مهمة لا تقل صعوبة ،،وهي الانتقال من دائرة التشخيص إلى محاولة رسم ملامح طريق للتنفيذ،
ان الثبات الاستراتيجي الذي دعا إليه يحتاج إلى أدوات سياسية ودبلوماسية وشعبية لا تقل جرأة عن نقده، ففي الوقت الذي يتحدث فيه عن اجتماع مشترك بين مجلسي الأمن الأفريقي والدولي يبقى السؤال المشروع كيف نجعل هذا الاجتماع قوة دافعة وليس مجرد صورة أخرى للمبادرات المتعاقبة، والإجابة تبدأ من إعادة الاعتبار للورقة الأفريقية بشكل لم يسبق له مثيل،
فهذه القارة التي تئن من صراعاتها الداخلية ومن تدخلات القوى الكبرى تحتاج إلى لحظة شجاعة تعقد فيها قمة أفريقية طارئة لا تصدر بيانات بروتوكولية بل تنتج ميثاقاً إقليمياً يربط أي تعاون سياسي أو اقتصادي مع دول القارة بموقفها الواضح من وقف الحرب في السودان،
ان هذه الخطوة كفيلة بتحويل قضية السودان من مجرد بند في جدول أعمال الاتحاد إلى اختبار حقيقي للسيادة الأفريقية، وعندها يصبح الفيتو الروسي أو الصيني في مجلس الأمن مكشوفاً أمام إجماع قاري صلب لا يمكن تجاوزه بسهولة، وهذا يستدعي بالضرورة جرأة أخرى في التعامل مع الرباعية الدولية التي أشار عرمان إلى تراجعها،
فبدلاً من الركون إلى وعودها المتقلبة يمكن للقوى السودانية الديمقراطية أن تطرح بديلاً إقليمياً مؤقتاً يتمثل في تشكيل لجنة اتصال جديدة تستبعد الأطراف التي ثبت تورطها في تموين الحرب أو تغذية طرفيها، وتضم دولاً ذات حياد إيجابي مثل الجزائر وكينيا وجنوب أفريقيا، على أن يكون مقرها أديس أبابا تحت مظلة الاتحاد الأفريقي، وتكون ولايتها محددة بدقة في الإشراف على وقف إطلاق النار فقط، دون الخوض في تفاصيل السلطة أو تقسيم المناصب، لأن خلط هذين الملفين كان السبب الرئيسي في تعثر كل المبادرات السابقة، فالحرب يجب أن توقف قبل الحديث عن الحكومة،
وهذا ما أكده عرمان عندما قال إن البحث عن فردوس العملية السياسية لا يأتي بمعزل عن وقف جحيم الحرب، لكنه لم يقل لنا كيف نصنع هذه الأولوية في واقع تتصارع فيه الإرادات الدولية والإقليمية، ولذلك نضيف إلى رؤيته ضرورة خلق حالة رأي عام عالمي يعتمد على حملات منظمة في المحافل الحقوقية والإعلامية تكشف يومياً انتهاكات كل الأطراف المتحاربة دون انتقائية، وتضغط على الحكومات الغربية والصينية والروسية على حد سواء، لأن استمرار الصمت الدولي على المجازر اليومية في كردفان والنيل الأزرق هو الذي يشجع على المماطلة،
مع هذا الضغط الخارجي لا بد من بناء الجبهة العضوية التي تحدث عنها عرمان بعيداً عن نخب المعارضة المتشرذمة، وذلك عبر الدعوة إلى مؤتمر تأسيسي للضحايا والنازحين واللجان الشعبية ونقابات المهنيين الذين دفعوا الثمن الأكبر، وهذا المؤتمر يجب أن يعقد في دولة جوار محايدة ولا يخضع لإملاءات أي طرف من أطراف الحرب، لأنه سيمثل الضمير الحي للسودان القادر على فرض شروطه على المجتمع الدولي، بحيث تصبح معادلة التفاوض مختلفة تماماً، فبدلاً من أن يتحدث ممثلون عن قوى سياسية متناحرة حول من يأخذ الوزارة الفلانية، يصبح الحديث عن حقوق النازحين في العودة والتعويض وعن ضمانات عدم تكرار هذه الكارثة،
ان هذا التحول في طبيعة التمثيل هو وحده القادر على كسر منطق قسمة السلطة الذي أغرق السودان في أزمات سابقة، وبنفس القدر نحتاج إلى مقاطعة اقتصادية رمزية لكنها مؤثرة تستهدف الدول والشركات التي تزود أطراف الحرب بالسلاح أو الوقود، ويمكن إطلاق هذه المقاطعة عبر منظمات المجتمع المدني العالمية والمحلية دون انتظار موافقة الحكومات، لأن زمن الحلول الرسمية البطيئة قد انقضى ولم يبق إلا العمل الموازي الذي يكسر الجمود،

ان كل هذه الخطوات تظل مرهونة بوعي القوى السودانية بأن الخيار بين أن تكون جزءاً من ثبات استراتيجي ينهي هذه الحرب لتكون آخر الحروب أو أن ترضى بمسكنات تمدد الألم لعقود أخرى، وهو ما حذر منه عرمان بوضوح حين قال إن الحلول الجزئية دفنها التاريخ ودفع ثمنها الشعب،
لكن ما أغفله ربما هو أن التاريخ لا يدفن الحلول الفاشلة وحدها بل يدفن معها من تمسك بها، فالسودان اليوم يمر بلحظة نادرة قد لا تتكرر،
لحظة يتساوى فيها الجميع في الخسارة تقريباً، مما يخلق إمكانية لاتفاق نادر على أسس جديدة، شريطة أن تتخلى النخب عن عادة انتظار المنقذ الخارجي وأن تبدأ في حشد الأدوات الداخلية القادرة على جذب الخارج إليها وليس الركض خلفه، وهذا يتطلب أن تكون الدعوة للاجتماع المشترك بين مجلسي الأمن الأفريقي والدولي مصحوبة بورقة عمل سودانية موحدة التوقيع ليست من وحي أحزاب بعينها بل من وحي لجنة فنية تضم خبراء قانونيين وعسكريين سابقين وإداريين محليين، تحدد خطوطاً حمراء واضحة لا تقبل المساومة، في مقدمتها وحدة السودان وسيادته ورفض أي تقسيم بحكم الأمر الواقع ورفض إشراك أي نظام عسكري في السلطة المقبلة، وهذه الورقة ستكون السلاح الأقوى في مواجهة أي محاولة لإدارة الحرب بدلاً من إنهائها، لأنها ستضع المجتمع الدولي أمام خيارين لا ثالث لهما، إما دعم هذا الطرح المتكامل أو تحمل تبعات استمرار الكارثة الإنسانية التي أصبحت تهدد استقرار المنطقة بأسرها، وليست السودان وحدها،
وهكذا نرى أن تكملة رؤية عرمان تستوجب الانتقال من النقد إلى الفعل المؤسسي والجماهيري الموازي، بحيث لا تبقى دعوته حبيسة مقالة قرأها مثقفون وتجاوزها صناع القرار، بل تصبح مادة حراك دبلوماسي شعبي يستثمر كل ثغرات النظام الدولي لصالح الضحايا،
في النهاية يبقى القول إن نجاح أي جهد يتوقف على إدراك أن الحرب في السودان لم تعد مجرد أزمة إنسانية يمكن حلها بتمديد حظر سلاح أو إصدار بيان استنكار، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لقدرة المجتمع الدولي والإقليمي على تطبيق مبادئه التي يعلنها كل يوم، وإن فشل هذا الاختبار فإنه سيكون إعلاناً صريحاً بأن الشرعية الدولية لم تعد تملك من أدواتها سوى التغطية على الجرائم، وهو ما يجعل تحرك الأفارقة وحدهم بجبهة موحدة هو الأمل الأخير قبل أن يصبح السودان مجرد عنوان للموت البطيء الذي لا تشهده الكاميرات.





