من النزوح إلى العراء.. مأساة 800 أسرة في معسكر قوز السلام

أفق جديد
في العراء، وتحت أمطار لا تتوقف، تحاول أكثر من 800 أسرة نازحة من مدينتي كادوقلي والدلنج بولاية جنوب كردفان أن تجد مأوى يحميها من قسوة الطقس. وصلت هذه الأسر إلى مخيم “قوز السلام” للنازحين في كوستي بولاية النيل الأبيض بحثًا عن الأمان، لكنها وجدت نفسها أمام معاناة جديدة؛ فلا خيام تؤويها، ولا مساكن تحمي أطفالها وكبار السن من الأمطار الغزيرة. تنام الأسر على الأرض، وتواجه لياليها بوسائل بدائية لا تقي من البلل والبرد، بينما تتفاقم احتياجاتها مع استمرار هطول الأمطار.
رحلة النزوح التي بدأت هربًا من الحرب لم تنتهِ بالوصول إلى مكان أكثر أمنًا، بل تحولت إلى صراع آخر من أجل أبسط مقومات الحياة: سقف يحمي من المطر ومكان يحفظ للنازحين شيئًا من الكرامة.
وتزداد المخاوف من تفاقم الأوضاع الإنسانية داخل المخيم، خاصة مع استمرار الأمطار، وما قد تسببه من مخاطر صحية وبيئية على الأسر التي تفتقر إلى وسائل الإيواء الأساسية.
شهدت مدينة الدلنج خلال سنوات الحصار انعدامًا تامًا للمواد الغذائية، فيما تعاني المدينة الآن من شح حاد في الأدوية والعلاجات. وتزداد الأزمة تعقيدًا مع عدم قدرة الغالبية العظمى من السكان على شراء العلاج حتى عند توفره، ما يدفعهم إلى الاعتماد على المبادرات الإنسانية التي تعمل على توفير الأدوية للمصابين والمرضى خلال الفترة الأخيرة.
غير أن هذه المبادرات تواجه صعوبات كبيرة في الوصول إلى معظم السكان داخل منازلهم، ما يحرم كثيرًا من المرضى من الحصول على العلاج في الوقت المناسب.
وشهدت الأسعار قبل فك الحصار ارتفاعًا جنونيًا، حيث بلغ سعر كيلو السكر أكثر من 40 ألف جنيه، وتجاوز سعر كيلو الدقيق 30 ألفًا، ووصل سعر رطل زيت الطعام إلى 25 ألفًا، ولكن بعد فك الحصار بأقل من يومين ودخول البضائع، نزلت الأسعار بصورة واضحة، وشهد السوق بالمدينة انفراجة كبيرة.
جدير بالذكر أن مفوضية العون الإنساني بالسودان سيّرت خلال الفترة الماضية قافلة مساعدات إنسانية إلى مدينة الدلنج تحتوي على 2250 طنًا من المساعدات الغذائية والإيوائية، مُحمّلة على متن 45 شاحنة، كل واحدة تحمل 50 طنًا من الدقيق والأرز والملابس وغيرها من المواد والمستلزمات.
تقول نازحة من كادوقلي لـ”أفق جديد”: “هربنا من الحرب ونحن لا نملك إلا الملابس التي نرتديها. وصلنا إلى قوز السلام ونحن نعتقد أننا وجدنا مكانًا آمنًا، لكننا الآن نعيش تحت المطر من دون خيمة أو مأوى. أطفالنا يبتلون كل ليلة ولا نعرف كيف نحميهم”.
بينما يقول نازح من الدلنج لـ”أفق جديد”: “تركنا بيوتنا بسبب الخوف والقصف، ولم نتوقع أن نصل إلى هنا ونعيش في العراء. المطر غمر كل ما لدينا، ولا توجد خيام تؤوينا. نريد فقط مكانًا يحمي أسرنا من المطر”.
وأضاف: “يعيش آلاف النازحين والنساء والأطفال في العراء أو تحت أغطية قماشية بسيطة بلا خيام تقيهم حرارة الشمس وقسوة الطقس”.
من جانبها تقول أم نازحة لـ”أفق جديد”: “أصعب شيء أن ترى أطفالك يرتجفون من البرد والمطر ولا تستطيع أن تفعل لهم شيئًا. نحن نحتاج إلى خيمة وغطاء وشيء بسيط يجعلنا نشعر أننا في أمان”.
بدوره يقول نازح مسن: “خرجنا من الدلنج بحثًا عن الأمان، لكن ظروف المعيشة هنا صعبة جدًا. كبار السن والمرضى لا يستطيعون النوم في العراء، ومع استمرار الأمطار نخشى أن تتدهور أوضاعنا أكثر”.
في الأثناء تقول نازحة تتحدث عن احتياجات الأسر: “الأسر هنا كثيرة، والاحتياجات أكبر من قدرتنا. لا توجد أماكن كافية للإيواء، والأمطار تجعل الوضع أصعب يومًا بعد يوم. نناشد الجهات المسؤولة والمنظمات أن تنظر إلى حالنا قبل أن تحدث كارثة”.
في مخيم قوز السلام، لا تبحث هذه الأسر عن حياة مترفة، بل عن أبسط حق يمكن أن يمنحه الأمان: سقف يحمي أطفالها من المطر، ومكان جاف تنام فيه دون خوف.
وبعد رحلة نزوح قاسية، تبدو معاناة هذه الأسر وكأنها لم تنتهِ بمغادرة مناطق القتال، بل انتقلت معها إلى المخيم. وبين أمطار تتساقط على أجساد أنهكها النزوح، واحتياجات تتزايد كل يوم، يبقى توفير مأوى عاجل لهذه الأسر اختبارًا للقدرة على حماية من فرّوا من الحرب بحثًا عن النجاة. الأيام المقبلة”.
وتابعت: “الأطفال تأثروا كثيرًا بما حدث. بعضهم لم ينم جيدًا منذ أن غادرنا، وكلما سمعوا صوتًا مرتفعًا يخافون ويظنون أن القتال عاد”.
وفي شمال كردفان، لا يبدو النزوح مجرد هروب مؤقت من رصاص المعارك، بل رحلة مفتوحة من الخوف إلى المجهول. أسر تصل إلى الأبيض منهكة بعد مسافات قطعتها سيرًا على الأقدام، وأخرى ما تزال عالقة في مناطق القتال، بينما تتراجع الخدمات الإنسانية والصحية تحت وطأة اتساع الاحتياجات واستمرار العنف.
ومع كل موجة جديدة من النزوح، تكبر معاناة مدينة الأبيض التي تتحول تدريجيًا إلى ملاذ لآلاف الفارين، لكنها تواجه في الوقت نفسه قدرة محدودة على الاستجابة. وبينما تستمر المعارك في محيطها، يبقى المدنيون العالقون بين النار والنزوح أمام سؤال واحد: إلى أين يذهبون إذا لم يعد هناك مكان آمن يلجأون إليه؟





