السودان من أكبر الأزمات الإنسانية إلى أكبر أزمة إنسانية في العالم:

نون كشكوش

ظلت القوى المدنية والسياسية الرافضة للحرب تحذر من تفاقم الأوضاع الإنسانية في السودان، ومن أن معاناة السودانيين تتسع مع استمرار الحرب وضعف الاستجابة الإنسانية. كما ظلت تنبه المجتمع الدولي إلى ضرورة الالتفات إلى الأزمة السودانية، والتعامل معها بما يتناسب مع حجم الكارثة التي يعيشها المدنيون، والتي لا تقل خطورة في آثارها الإنسانية عن أزمات كبرى يشهدها العالم.

وفي هذا السياق، عُقدت مؤتمرات دولية عدة لدعم السودان، من بينها مؤتمرات باريس ولندن وبرلين، وأعلنت دول ومنظمات تعهدات بتقديم مساعدات إنسانية عاجلة للتخفيف من معاناة الشعب السوداني.

لكن لم يعد السؤال اليوم يتعلق بفرضية ما إذا كانت الحرب في السودان قد أنتجت واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم؛ فهذا بات حقيقة موثقة بالتأكيد وبحسب التقارير الأممية والأرقام والإحصاءات، لكن السؤال الأهم هو: إلى أي مدى اتسعت هذه الأزمة خلال عام واحد، وهل واكب المجتمع الدولي هذا الاتساع؟

وتكشف مقارنة معطيات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) بين عامي 2025 و2026 عن مسار بالغ الخطورة.

في العام 2025، كان السودان يُصنَّف بالفعل ضمن أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، وقدّر عدد الأشخاص المحتاجين إلى المساعدة الإنسانية بنحو 30.4 مليون شخص، وبعد عام واحد فقط، ارتفع الرقم إلى 33.7 مليون شخص.

أي أن نحو 3.3 مليون سوداني إضافي دخلوا دائرة الاحتياج الإنساني خلال عام واحد، بزيادة تقارب 11 في المائة.

هذا التحول يعكس اتساعاً حقيقياً في نطاق المعاناة الإنسانية وانعكاساً مباشراً على الأرض بإضافة ملايين المدنيين إلى دائرة الأزمات والمعاناة، إلى أن أصبح السودان في عام 2026 صاحب أكبر عدد من الأشخاص المحتاجين إلى المساعدة الإنسانية على مستوى العالم.

من واحدة من أكبر الأزمات إلى أكبر أزمة إنسانية

عندما صدر الاستعراض الإنساني العالمي لعام 2025، كان السودان بالفعل في قلب المشهد الإنساني العالمي.

فالحرب المستمرة منذ أبريل 2023 أدت إلى نزوح جماعي، وانهيار قطاعات أساسية من الخدمات، وتدهور الأمن الغذائي، واتساع الاحتياجات المتعلقة بالحماية والصحة والمياه والمأوى.

لكن ما كان يُنظر إليه قبل عام باعتباره واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية، أصبح في 2026 أكبر أزمة إنسانية في العالم من حيث عدد الأشخاص المحتاجين للمساعدة.

هذه الأرقام المفزعة تعني أن ملايين الأسر السودانية أصبحت تعتمد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على المساعدات الإنسانية أو على مبادرات التضامن المجتمعي التي لعب فيها السودانيون أنفسهم دوراً بالغ الأهمية في مساعدة بعضهم البعض.

الحقيقة التي لا يجب القفز عليها، أن هذه الزيادة في أعداد المتضررين لا يمكن عزلها من محيطها الأساسي المتمثل في استمرار الحرب واتساع رقعتها وتأثيراتها، خصوصاً في مناطق شهدت خلال الفترة الأخيرة تصاعداً في العمليات العسكرية والنزوح، بما في ذلك كردفان والنيل الأزرق، وهما من المناطق ذات الأهمية الزراعية والغذائية للسودان.

فالحرب لم تتوقف، والنزوح مستمر، وتضررت البنية التحتية والخدمات الأساسية، بينما ظلت قدرة السكان على الوصول إلى الغذاء والرعاية الصحية والمياه والحماية محدودة في مناطق واسعة وتمثل مخاطرة كبيرة في مناطق أخرى نائية وتحت التأثر المباشر بالعمليات العسكرية.

اتساع الاحتياج الإنساني هو أيضاً انعكاس لاتساع دائرة الحقوق الأساسية المهددة.

ففي النزاع الحالي تأثر الحق في الحياة، والغذاء، والصحة، والمأوى، والأمن، والحماية من العنف، والعيش بكرامة، كلها حقوق تتأثر بصورة مباشرة باستمرار الحرب وانهيار الخدمات الأساسية.

ولهذا فإن الأزمة السودانية يجب التعامل معها بجانب أنها أزمة نقص في الغذاء أو المساعدات، لكنها تظل في الأساس أزمة حماية للمدنيين وأزمة حقوق إنسان.

وكلما طال أمد الحرب، أصبحت آثارها أقل ارتباطاً بمناطق القتال المباشر وأكثر حضوراً في الأسواق والمدارس والمستشفيات ومصادر المياه وسبل كسب العيش وحياة الأسر.

في كثير من المناطق، أصبح الوصول إلى الاحتياجات الأساسية مرتبطاً بقدرة الإنسان على النزوح، أو الحصول على المساعدة، أو الاعتماد على شبكات اجتماعية محلية قادرة على توفير الحد الأدنى من الدعم، وهنا تتقاطع الاستجابة الإنسانية مع مسؤولية حماية المدنيين والتزامات الأطراف تجاه العاملين الإنسانيين والذي أشار التقرير نفسه لحجم الهجمات التي تعرضوا لها.

أن العمل الإنساني لا يستطيع وحده معالجة الأسباب التي تنتج الاحتياج.

على الرغم من مؤتمرات المانحين والتعهدات الدولية التي أُعلنت لدعم السودان، فإن التمويل الإنساني لم يواكب اتساع الاحتياجات.

وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة للعام، أن نحو 33.7 مليون شخص يحتاجون إلى المساعدة الإنسانية، بينما تستهدف خطة الاستجابة الإنسانية نحو 20.4 مليون شخص، باحتياجات تمويلية تبلغ نحو 2.87 مليار دولار.

وهنا تتكشف معضلة الفجوة التي لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد مسألة تقنية تخص وكالات الإغاثة.

فهناك ملايين الأشخاص الذين يحتاجون إلى المساعدة ولا تشملهم الاستجابة المستهدفة، أو لا تصل إليهم المساعدات بسبب استمرار القتال وصعوبة الوصول وانهيار الخدمات والبنية التحتية.

والأخطر أن استمرار الحرب يعني استمرار إنتاج الاحتياجات الإنسانية، بحيث تصبح الاستجابة في كثير من الأحيان محاولة للحاق بالأزمة بدلاً من منع اتساعها.

من أكثر الجوانب التي تستحق اهتماماً خاصاً في الأزمة السودانية وضع النساء والأطفال.

لذلك، يجب أن تشمل الحماية، والدعم النفسي والاجتماعي، والخدمات الطبية، والمساعدة القانونية، وآليات الإحالة والمساءلة.

وهنا تتضح أهمية الربط بين العمل الإنساني والعمل الحقوقي؛ فالإغاثة تنقذ الأرواح في الحاضر، لكن الحماية والمساءلة والعدالة ضرورية لمنع استمرار الانتهاكات التي تنتج الاحتياج الإنساني.

إن ارتفاع عدد الأشخاص المحتاجين إلى المساعدة في السودان لأكثر من ثلاثة ملايين شخص خلال عام واحد، هذا يعني أن الاستجابة الإنسانية، على أهميتها، لا يمكن أن تكون الحل النهائي.

ويجعل من استمرار ضخ المساعدات دون معالجة جذور الأزمة هو ملاحقة لآثار الحرب بدلاً من معالجة أسبابها.

السودان يحتاج إلى وقف الحرب وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، ودعم الناجين، وإعادة بناء الخدمات الأساسية، وتهيئة الظروف للعودة الآمنة والطوعية للنازحين واللاجئين، إلى جانب وضع مسار حقيقي للعدالة وجبر الضرر.

كما أن المجتمع الدولي مطالب ليس فقط بزيادة التمويل، وإنما باستخدام نفوذه السياسي والدبلوماسي للضغط من أجل وقف الانتهاكات وحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات إلى من يحتاجون إليها.

في الوقت الذي أصبح السودان في 2026 صاحب أكبر عدد من المحتاجين إلى المساعدة الإنسانية في العالم، فإن السؤال الذي ينبغي أن يظل مطروحاً أمام المجتمع الدولي:

إلى متى سيظل التعامل مع السودان باعتباره أزمة يجب إدارتها، بدلاً من أزمة يجب إنهاء أسبابها؟

نحن لا نطمح ولا نحتاج لأن نتصدر صدارة التقارير الأممية والإنسانية العالمية، بل نتطلع إلى السلام والحياة التي تحفظ كرامتنا الإنسانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى