شقيقتها تخرج عن صمتها وتقدم رواية مختلفة: شادن ماتت مقتولة برصاصة مسمومة

سيتا / سمر سليمان
لم تكن زحل محمد حسين إبراهيم تريد أن تتحدث عن شادن.
ظلت طويلاً تحمل الحكاية في داخلها، كأن الكلام عنها سيجعل موت شقيقتها أكثر حضوراً، أو يعيد فتح جرح لم تمنحه الحرب فرصة للالتئام. لكن بعد أكثر من ثلاث سنوات على مقتل الفنانة السودانية شادن محمد حسين، قررت زحل أن تخرج من صمتها.
هذه المرة لا تتحدث عن شادن الفنانة وحدها، ولا عن المرأة التي عرفها جمهورها باسم «الحكامة»، وإنما عن شقيقتها الصغيرة، وعن السودان الذي حلمت شادن أن تغنيه موحداً، قبل أن تقتلها الحرب.
في 13 مايو 2023، بعد أقل من شهر على اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، قُتلت شادن في منزلها بأم درمان. الرواية التي انتشرت آنذاك قالت إن شظية أصابتها إثر سقوط قذيفة داخل المنزل، بينما ظلت أسرتها تحمل رواية أخرى عن تفاصيل الإصابة وظروف موتها.
اليوم، تقول شقيقتها إن السؤال لم يعد بالنسبة إليها: كيف ماتت شادن فقط؟
بل: لماذا قُتلت؟
شادن
قبل أن تصبح شادن خبراً عن الموت، كانت صوتاً يحمل حياة كاملة.
عرفها السودانيون باسم «الحكامة»، وارتبط حضورها الفني بالتراث السوداني، خصوصاً ثقافات كردفان والبقارة. لكنها لم تتعامل مع التراث باعتباره مادة للغناء فحسب؛ جعلت منه طريقاً للوصول إلى الناس.
حين دخلت «نجوم الغد»، كما تروي شقيقتها، لم تكن تبحث عن مكان مألوف في خارطة الغناء.
كانت تريد أن تصنع شيئاً مختلفاً.
غادرت مركز العاصمة إلى الأطراف، وطافت ولايات مختلفة، وغنت بلهجات متعددة. حملت ثقافات البقارة إلى الخرطوم، واقتربت من جبال النوبة، وامتد مشروعها إلى مجتمعات دارفور.
كانت ترى أن السودان لا يمكن أن يُعرف من خلال العاصمة وحدها.
لذلك غاصت في مجتمعاته.
غنت غناءهم، واقتربت من تفاصيل حياتهم، وحاولت أن تجعل اختلافهم جزءاً من المشهد العام، لا هامشاً بعيداً عنه.
تقول زحل إن شقيقتها كانت مؤمنة بمشروعها إلى حد كبير؛ مشروع يقوم على السلام والتسامح وقبول الآخر.
لم تكن الأغنية عندها مجرد أغنية.
كانت رسالة.
بيتان
كان الموت قد بدأ يوزع الأسرة قبل أن يصل إلى شادن.
والدهم محمد حسين، رحمه الله، كان ضابطاً بالقوات المسلحة. وشقيقها عبدالرحمن، وهو رقيب بالقوات المسلحة، توفي في منطقة أب سردبة في اليوم الثالث والعشرين من الحرب.
أما الشقيقتان، فتوزعتهما الجغرافيا.
شادن في الموردة.
الأم في الفتيحاب.
وزحل في شرق النيل.
في السودان الذي عرفته شادن، لم تكن هذه المدن بعيدة إلى هذا الحد. لكن الحرب جعلت الانتقال بينها مغامرة، وجعلت الوصول إلى شخص تحبه احتمالاً مفتوحاً للموت.

تستعيد زحل حديثاً قديماً جمعها بشقيقتها.
كانت تقول لشادن، في مزاح الأخوات:
«موت الكبيرة عرس».
فأجابتها شادن:
«راقدة للسكين الحلال.. ربنا يسترني ويستركم».
لم تكن الجملة تعرف طريقها إلى المستقبل.
ولم تكن الاثنتان تعرفان أن «السكين الحلال» التي تحدثتا عنها مازحتين لن تكون هي التي ستأخذ شادن.
الطلقة
في ذلك اليوم، كان التيار الكهربائي مقطوعاً.
كان أفراد من الأسرة موجودين في السطح. ستة أشخاص، بينهم أبناء شقيق شادن وابن شقيقتها.
ثم جاءت الإصابة.
الرواية التي خرجت إلى الناس بعد موتها تحدثت عن شظية جراء قذيفة سقطت داخل المنزل.
لكن زحل، وهي تستعيد ما حدث، تتحدث عن تفاصيل مختلفة.
تقول إن مدخل الإصابة كان صغيراً جداً، وإنه لم يشبه، في نظر الأسرة، إصابة شظية عادية. والأكثر إرباكاً، بحسب روايتها، أن الرصاصة كانت «مسمومة».
لم ترَ زحل عملية إطلاق النار بنفسها، ولذلك لا تقدم دليلاً طبياً يثبت وجود مادة سامة في المقذوف. لكنها تنقل ما استقر لدى الأسرة من ملاحظات وشكوك حول الإصابة.
وتتوقف عند واحدة من أكثر التفاصيل التي ظلت عالقة في ذاكرتها:
لون شادن تغيّر إلى الأسود قبل أن تصل إلى المستشفى.
تقول إن تفاصيل جسدها وإصابتها تغيرت بشدة أثناء نقلها، قبل وصولها إلى مستشفى السلاح الطبي.
ثم تشير إلى أن التقرير الطبي، بحسب ما تتذكر الأسرة، كتب فيه «شظية».
هنا تتسع المسافة بين الرواية التي عرفها الناس عن موت شادن وبين الأسئلة التي ظلت داخل الأسرة.
تسأل زحل:
«شادن ماتت مقتولة.. قتلوها ليه؟ شادن عملت شنو؟»
السؤال ليس اتهاماً لشخص محدد.
لكنه سؤال امرأة لا تستطيع أن تتصالح مع موت أختها من دون أن تعرف ما الذي حدث لها بالضبط.
الطريق
لم تصدق زحل خبر موت شادن في البداية.
تكذب الخبر.
ترفض أن تستوعب أن شقيقتها الصغيرة، تلك التي ملأت حياتها بالضحك والغناء، أصبحت جثماناً.
لكنها في النهاية اضطرت إلى مواجهة الحقيقة.
خرجت من شرق النيل متجهة إلى الفتيحاب.
استغرقت الرحلة يوماً كاملاً.
في الطريق، رأت الجثث متناثرة.
وحين وصلت، سألت والدتها:
«يا أمي، شفتيها؟»
فقالت:
«شفت الجثمان».
هناك فقط سقط الإنكار.
لم تعد شادن خبراً.
صارت جثماناً.
وصارت الحرب شيئاً آخر تماماً.
شرخ
لكن موت شادن لم يكن الجرح الوحيد الذي تركته الحرب في العائلة.
تقول زحل إن زوج شقيقتها اعتُقل بعد أن تسلم جثمانها، وتولى تكفينها في منزله. وبعد عامين، تعرض للاعتقال مرة أخرى.
ولا تزال تسأل:
«اعتقلوه بعد سنتين.. عشان شنو؟»
بالنسبة إلى زحل، لم تعد الحرب مجرد معارك بين جيشين.
لقد دخلت إلى البيوت، وفرقت الأسر، وأعادت تعريف الناس على أساس الخوف والشك والانتماء.
«الحرب شرخت المجتمعات».
وربما لهذا تبدو تجربة شادن أكثر إيلاماً.
فالمرأة التي جعلت مشروعها الفني قائماً على جمع المختلفين، وجدت نفسها ضحية حرب تمزق المجتمع إلى جماعات متقابلة.
السودان الذي أرادته
كانت شادن قد خرجت قبل الحرب إلى الشارع مطالبة بالحرية والسلام والعدالة.
ثم حملت تلك القيم إلى فنها.
لم تكن تريد أن تغني لجمهور واحد.
أرادت أن تصل إلى الجميع.
أن تغني للبقارة، وللنوبة، ولأهل دارفور، وأن تنقل أصواتهم وثقافاتهم إلى العاصمة.
كانت تريد أن «تغوص في كل المجتمعات وتغني غناهم».
لهذا ترى زحل أن قتل شادن ليس خسارة لأسرتها وحدها.
إنه خسارة لمشروع كان يحاول أن يقول إن السودان يمكن أن يكون واحداً من دون أن يكون متشابهاً.
أن تكون لهجاته المختلفة جزءاً من جماله.
وأن تكون قبائله وثقافاته جسوراً للتعارف، لا خنادق للحرب.
عتاب
تقول زحل:
«الحاصل ده عقوق لأبونا السودان».
ثم تطرح سؤالاً يبدو أكبر من موت شادن:
«السودان واسع يلمنا.. نحن نتخاصم لشنو؟ نجيب سلاح أو طلقة لشنو عشان تقتل أخوك؟»
لا تريد زحل أن تنتهي حكاية شقيقتها عند لحظة موتها.
تريد أن يتذكر الناس لماذا غنت.
لماذا تركت الخرطوم وطافت البلاد.
لماذا حملت لهجات وثقافات البقارة والنوبة ودارفور إلى العاصمة.
ولماذا آمنت بأن قبول الآخر يمكن أن يبدأ من أغنية.
بعد سنوات من الصمت، خرجت زحل لتقول إن شادن لم تكن مجرد فنانة قتلتها الحرب.
كانت امرأة صنعت من الفن مشروعاً للسلام.
وحين تنتهي من روايتها، لا تطلب ثأراً.
تطلب نهاية للحرب.
تقول:
«أتمنى الحرب تقيف عشان نسقط الخطاب العنصري ونبني السودان».
ربما لهذا تبدو شادن، حتى بعد موتها، حاضرة في كلام شقيقتها.
حاضرة في سؤال الرصاصة.
في لون الجسد الذي تغيّر قبل الوصول إلى المستشفى.
في الجثمان الذي رأته الأم.
وفي الطريق الطويل الذي قطعته زحل من شرق النيل إلى الفتيحاب كي ترى أختها للمرة الأخيرة.
لكنها حاضرة أيضاً في شيء آخر.
في السودان الذي حلمت به.
سودان لا يسأل الناس من أي قبيلة جاؤوا قبل أن يسمع أغنيتهم، ولا يرفع السلاح في وجه أخيه لأن صوته مختلف.
سودان يتسع للجميع.
تماماً كما كانت شادن تغني له.





