لَعمْرك إنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ

يوسف الغوث

ليست هذه الآية من سورة الحجر مجرد اعتراض بياني عابر، ولا هي قسماً عَرَضياً يساق لتوكيد الخبر، بل هي، في العمق الفلسفي والذوق الصوفي، ارتحالة وجودية تهز أركان التأويل، وتقتحم حرمات الغيب، لتكشف عن سنن كوني في العلاقة بين الخالق ومخلوقه، وبين الوجود المطلق والوجود المقيّد بحروف الزمان والمكان.

إن العمر في مدركاتنا البشرية عبارة عن كم زمني يُحسب بالثواني والأيام، وهو وعاء للفناء وممر إلى العدم. لكن الله سبحانه، حين يجعله محلاً للقسم، يُخرجه من دائرته الطبيعية إلى أفق القدس. والسؤال الفلسفي الأثقل هنا: لماذا هذا العمر بالذات، دون سواه من الأعمار، يستحق أن يُستحلف به الخالق جلَّ وعلا؟

والجواب، في منطق الفلسفة الوجودية، أن عمر الحبيب صلوات ربي وسلامه عليه، ليس امتداداً زمنياً فحسب، بل هو (كيف) وجودي متعالٍ، تحول فيه الزمن من مجرد خَلْفٍ متتابع إلى حضرة نورانية تعانق الأزل.

فإذا كان الزمن الفيزيائي قيداً يذيب الكائنات، فإن العمر المحمدي، بحكم هذا القسم، قد تحرر من قبضة الفناء، وصار ميزاناً توزن به سكرة العالمين وعَمَهُهم.

في المنظور الصوفي، لا يُفهم هذا القسم الإلهي الفريد فهماً كاملاً إلا بالارتداد إلى سر (الحقيقة المحمدية)، التي هي أول فيض إلهي، وأول تجلٍّ للاسم الأعظم. فميلاده صلى الله عليه وسلم في عالم الشهادة لم يكن حدثاً تاريخياً بدأ في عام الفيل، بل كان انكشافاً وإعلاناً لوجود كان ثابتاً في علم الله، ومتقدماً على كل المخلوقات في الوجود الإلهي المعنوي. إن القسم بالعمر هنا يشير، في لغة الصوفية، إلى العين الثابتة للحبيب، وهي حقيقته التي لم تزل، ولا تزال، ولا تزول. فالمولد المحمدي هو لحظة التقاء الدهر بالزمن، أو لحظة نزول الكمال الإلهي إلى مرتبة الإنسانية، والله سبحانه إذ يقسم بهذا العمر، إنما يُشهد الكون كلّه أن هذه الذات هي النقطة التي تلاقت فيها النهاية بالبداية، والحدوث بالقدم.

 

أما الجزء الثاني من الآية: {لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ}، فيضعنا أمام أعظم مفارقة وجودية، وهي وجود (النور) المُقْسَم به في مواجهة (الظلمة) المتمثلة بالسكرة والعمه.

والسكرة في اللغة الفلسفية ليست سُكر الخمر، بل هي غيبوبة الروح، وفقدان الوعي الجمعي، والتيه في متاهات الأسباب، وهو ما عبّر عنه الفلاسفة الوجوديون بالقلق والعبث، والمُعْمَهُون هم الذين يسيرون في الضلال دون وجهة، يضربون في حيرة لا تنكشف.

وفي التصور الصوفي، جاء ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم كصَحْوَةٍ كونية كبرى، لينهي عصر السكرة الأزلية التي كانت تغشى البشرية، فهو صلوات ربي وسلامه عليه، إشراق الوعي المطلق في وعاء التاريخ، والدواء الشافي من سُكر الغفلة.

وفي القرآن الكريم، أقسم الله بالبلد الأمين، وأقسم بالتين والزيتون رموزاً لأنبياء، وأقسم بالطور مكان موسى.

هذه أقسام بالأماكن أو بالوظائف أو بالرسالات، وهي تشريف عظيم، لكنها تبقى في دائرة الأعراض أو الظروف الخارجية، أما القسم بـ«لَعمْرِكَ» فهو قسم بالجوهر والذات والهوية ذاتها، دون وساطة مكان أو زمان أو غرض. وهذا هو السرّ الفلسفي الأعمق، فالله سبحانه وتعالى قد رفع الحجاب عن قيمة الإنسان في ذاته، وأعلن أن الكرامة الإلهية ليست عاريةً تمنح بحسب المنصب، بل هي حقيقة أزلية تجلت في الذات المحمدية منذ أول أنفاسها.

إن الربط بين {لَعمْرُكَ} وميلاد الحبيب صلى الله عليه وسلم ليس تكلفاً بيانياً، بل هو استنتاج ضروري من منطق التكريم الإلهي.

فلو لم يكن ميلاده هو البداية المؤسسة لهذا العمر المقدس، لما استقام معنى القسم به. وهكذا يصبح المولد النبوي ليس ذكرى عابرة، بل هو حدث مستمر يفيض من ذلك القسم الإلهي، ليملأ الأزمنة والأمكنة بأنوار الرحمة المهداة للعالمين.

إن عمر الحبيب صلوات ربي وسلامه عليه، هو الآية الناطقة في كتاب التكوين، وميلاده هو الفجر الذي به انقشع عَمَهُ الضلال، وانتبهت البشرية من سكرتها الطويلة.

فسلامٌ على ذلك اليوم الذي وُلِد فيه النور، وسلامٌ على العمر الذي جعله الله مِحَكّاً للحق على الخلق، وميزاناً لا يشتبه على ذي لبٍّ.إن الحق فيه، والهدى في أثره، والنجاة في اتباعه إلى يوم الدين..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى