الاستعمار لم يسرق الهوية… بل سرق جوهر الانتماء

هويدا سنادة
يُختزل الاستعمار في الوعي العام لمرحلة عابرة لنهب الموارد (ذهب – قطن – بترول)، ثم رحل تاركًا وراءه دولًا فقيرة تحتاج إلى التنمية. وهذا الاختزال في حد ذاته هو أول انتصارات المشروع الاستعماري، لأنه يبرئه من جريمته الكبرى ويحصرها في الاقتصاد.
الحقيقة التي يجب أن نواجهها بشجاعة هي أن المشروع الاستعماري لم يكن اقتصاديًا في جوهره بقدر ما كان مشروع هندسة اجتماعية ونفسية طويلة الأمد. الاستعمار لم يسرق هوية الشعوب، فالهويات بقيت حية بلهجاتها وأزيائها وأهازيجها، بل سرق ما هو أعمق وأخطر:
جوهر الانتماء.
ما هو جوهر الانتماء؟ هو ذلك الرابط غير المرئي الذي يحول مجموعة قبائل متجاورة إلى شعب واحد، ويحول رقعة جغرافية على الخريطة إلى وطن يعيش في القلب، هو الشعور بأن مصيري مرتبط بمصير الآخر، وأن ألم ابن دارفور هو ألم ابن الشمالية، وأن فرح ابن كردفان هو فرح ابن الشرق. هذا الجوهر هو ما استهدفه الاستعمار بوعي كامل.
سلاح «فرق – تسد» من سياسة إلى بنية
لم يجد الاستعمار البريطاني في السودان أرضًا بلا نظام كما روّج في كتبه، وجد سلطنات وممالك ونُظّار وآليات تعايش أهلي معقدة، تتصارع أحيانًا وتتشارك المرعى والماء والأسواق في معظم الأحيان، فجاء بمنهجية استعمارية علمية، وحول هذا التنوع الحي إلى تصنيفات جامدة وقاتلة.
أصدر قانون المناطق المقفولة عام 1922، ليس لحماية الثقافات كما ادعى، بل لعزل الجنوب ودارفور وجبال النوبة عن المركز، ومنع تكون وعي وطني جامع. وفي مكاتب الحاكم العام صُنفت القبائل في تقارير سرية: هذا عنصر عربي ذكي يصلح للإدارة والكتابة، وذاك عنصر أفريقي قوي البنية يصلح للجندية والخدمة، وثالث متمرد بطبعه يجب إخضاعه بالقوة. لم يكن هذا وصفًا لواقع، بل كان صناعة لواقع جديد، غرس في كل مكون وهم التفوق على جاره، ووهم الخوف الأبدي من جاره في آن واحد، وهكذا تحول التنوع الثقافي الذي كان مصدر ثراء وتكامل إلى بذرة صراع قبلي دائم، تُسقى بسلاح العنصرية والجهوية.
المعضلة الكبرى:
الجيوش رحلت وبقيت المناهج
في فجر الاستقلال، خرجنا إلى الشوارع نحتفل برحيل الجندي الأجنبي وإنزال علمه، لكننا ارتكبنا خطأً تاريخيًا فادحًا، احتفلنا برحيل الأشخاص وأبقينا على الأفكار. ذهبت الإدارة الاستعمارية، وظلت بنيتها الفكرية تحكمنا، ورثت النخبة الوطنية نفس المركزية القابضة التي ترى الهامش كعبء أمني يجب ضبطه، لا كشريك يجب تنميته، وورثنا نفس النظام التعليمي الذي يعيد إنتاج عقلية المركز، حيث تاريخ السودان يبدأ من دخول عبدالله خليل بك الخرطوم، وينتهي فيها، بينما حضارات دارفور، وسلطنة الفونج، وتاريخ جبال النوبة، مجرد هامش في كتاب.
ورثنا نفس التقسيم الإداري والسياسي الذي كرس الولاء للقبلية، وأصبحت بطاقة التعريف القبلي أهم من بطاقة المواطنة، وأصبحت الدولة نفسها أكبر قبيلة تحكم باقي القبائل. من هنا نفهم لماذا ما زالت دول ما بعد الاستعمار مرهونة بأجندات خارجية بأيدٍ داخلية، دون حاجة لتدخل مباشر أو جندي أجنبي، المستعمر الجديد لم يعد بحاجة لإرسال جيش لنهب الذهب أو اليورانيوم، يكفيه أن يترك أبناء الوطن الواحد منشغلين بسؤال الهوية القاتل المسموم: (من العربي الأصيل؟) ومن هو (الأفريقي الأصيل؟)، حتى ينسى الجميع معركة التنمية والعدالة والسيادة الحقيقية.
أزمة اليوم هي ثمرة بذرة الأمس
ما نشهده اليوم من هشاشة في مؤسسات الدولة، ومن تحول أي انسحاب عسكري من مناطق مثل كردفان إلى تفسير عرقي وجهوي مباشر في وجدان المواطن، ليس حدثًا معزولًا أو سوء فهم عابر، إنه الثمرة الناضجة والمتأخرة لتلك البذرة التي زُرعت قبل مائة عام. عندما تغيب الدولة الجامعة العادلة، يعود الفرد بشكل غريزي وبدائي ليحتمي بقبيلته وعشيرته، لأنها آخر شبكة أمان متبقية له، ويصبح الانتماء الضيق بديلًا اضطراريًا وقسريًا عن الانتماء الوطني الذي فشلنا جميعًا في بنائه.
إن المواطن الذي يرى أن الدولة تحميه بقدر قربه من المركز العرقي أو الجغرافيا، أو بقدر فصاحة لسانه العربي، هو مواطن فقد جوهر الانتماء، حتى وإن هتف كل يوم بالوطنية ورفع العلم. لذلك فإن التحرر الثاني الذي نحتاجه اليوم، وهو الأصعب، ليس تحررًا سياسيًا من مستعمر خارجي قد رحل، بل هو تحرر معرفي ونفسي وثقافي من أيديولوجية المستعمر الكامنة في عقولنا وسلوكنا دون أن نشعر.
كيف نستعيد جوهر الانتماء؟
مهمتنا التاريخية ليست استعادة الهوية، فهي لم تضع يومًا، بل استعادة الإحساس بأننا ننتمي لبعضنا البعض، وهذا هو المشروع الوطني الكبير، الذي لا يتحقق بالشعارات العاطفية، بل بثلاثة مسارات عملية واضحة:
أولًا: الإصلاح المعرفي والمنهجي:
مراجعة جذرية بشجاعة للمناهج التعليمية والتاريخ الرسمي الذي كتبه المستعمر، والمستعمر الصغير من بعده، نحتاج كتابة رواية وطنية جديدة تعترف بأن السودان وحدة في تنوعه، وأن حضارة كرمة، وسلطنة الفور، ومملكة تقلي، هي كلها تاريخ سوداني واحد لا يتجزأ.
ثانيًا: العدالة الانتقالية – المصالحة التاريخية:
لا يمكن استعادة الثقة دون اعتراف، يجب أن تعترف الدولة بأن سياسات «فرق – تسد»، التي مورست بعد الاستقلال، أنتجت مظالم حقيقية وممنهجة على أساس مناطقي وعرقي، ومعالجتها بإنصاف ومحاسبة، لا بإنكار وتجاهل، فالجرح الذي لا يُنظف لا يشفى.
ثالثًا: بناء دولة المواطنة لا دولة القبيلة:
دولة لا تسأل المواطن عن قبيلته قبل أن تسأله عن كفاءته، توزع التنمية والسلطة والثروة بعدالة جغرافية حقيقية، تنزع فتيل الشعور بالتهميش التاريخي، حيث يشعر ابن الهامش أن المستشفى في قريته، كمجمع الخرطوم، وأن صوته الانتخابي يساوي صوت ابن المركز، عندها فقط سيعود جوهر الانتماء.
إذا لم نقتلع تلك البذرة الاستعمارية من مؤسساتنا ومناهجنا وعقولنا، سنظل ندور في نفس الحلقة الجهنمية المفرغة:
مستعمر يخرج من الباب، ودولة هشة تعيد إنتاج منطقته من النافذة، وشعب يدفع ثمن الصراع على وهم الهوية، بينما جوهر انتمائه يُسرق كل يوم أمام عينيه.
الاستقلال الأول انتهى عام 1956، ومعركتنا اليوم هي معركة الاستقلال الثاني… استقلال الانتماء.





