إبراء جراح السودان.. المصالحة الوطنية

السر السيد
(إبراء جراح السودان) عنوان كتاب للدكتور عطا البطحاني، وهو من منشورات «المجموعة السودانية للديمقراطية أولًا – برنامج الفكر الديمقراطي». صدر الكتاب في العام 2013، وهو الكتاب رقم (8) في «سلسلة قراءة من أجل التغيير»، التي يحررها ويشرف عليها الباحث والكاتب الأستاذ شمس الدين ضو البيت. ومن بين أهداف هذه السلسلة، بوصفها مشروعًا فكريًا استثنائيًا، الإسهام في إيصال منظومة فكرية إلى عامة الناس، يشارك في إنجازها باحثون وأكاديميون وكتاب من مختلف المشارب والاتجاهات، وفي مختلف مجالات الحياة السودانية وأسئلتها الملحّة.
بروفيسور عطا الحسن البطحاني أكاديمي وباحث وناقد، له مساهمات نظرية مقدّرة في حقول الاقتصاد السياسي، ودراسات الحرب والسلام، وطبيعة القوى الاجتماعية في السودان، والتحول الديمقراطي. ومن مؤلفاته كتاب «أزمة الحكم في السودان: أزمة هيمنة أم هيمنة أزمة؟»، وكتاب «التعثر الديمقراطي في السودان»، وكتاب «الطبقة الوسطى في السودان: مقدمات نظرية وتطبيقية». كما أولى اهتمامًا كبيرًا بلجان المقاومة في السودان، ولعل مما يمكن ذكره هنا كتابته الحصيفة الموسومة بـ(دور لجان المقاومة المحلية في الفترة الانتقالية بالسودان)، التي ترجمها الأستاذ صلاح محمد خير، ونشرتها صحيفة التغيير الإلكترونية في 15 فبراير 2022
عن الكتاب:
ترجم الكتاب من اللغة الإنجليزية إلى العربية الأستاذ شمس الدين ضو البيت، ويقع في 86 صفحة من القطع المتوسط. وبالرغم من أن الكتاب يتصدى لقضية شائكة، هي قضية المصالحة الوطنية في سودان ما بعد النزاع، وفرص هذه المصالحة ومعيقاتها، فإنه توسل في عرض أفكاره ومقارباته شديدة التعقيد، متينة التشابك؛ بأسلوب جميل وممتع يشد القارئ إليه شدًّا. وكيف لا، والكتاب، وهو يسبر أغوار موضوعاته، يتخذ من مختلف العلوم والمناهج رافعةً ودليلًا يمنحان مستخلصاته وجاهةً وقوة؛ بدءًا من العلوم السياسية، مرورًا بالأنثروبولوجيا وعلم النفس والنقد الثقافي، ووصولًا إلى مناهج فض النزاعات وبناء السلام، والقانون، وفن السرد وكيفية بناء الحكايات.
فالكتاب، الذي يتناول «تعريفات المصالحة وإبراء الجراح، وعملية المصالحة، وكيفية إدارة عملية إبراء الجراح، وتقديم تجارب مقارنة من أفريقيا، ودراسة حالة السودان بالكشف عن الملامح والتكوينات السياسية لسودان ما بعد الحرب والتحديات الماثلة، وأخيرًا الخاتمة والتوصيات»، إنما يفتح بابًا جديدًا يلج منه المفكر إلى مقاربة قضايا سياسية يطفو فيها العرقي والثقافي على الطبقي والاجتماعي، ويتداخل فيها الخاص مع العام.
![]()
ولأن هذه القضايا كذلك، يعجز الخطاب السياسي السوداني السائد، وقد عجز بالفعل، عن تشخيصها أو تقديم الوصف السليم لها؛ فيصبح من العادي أن نتحدث عن الصراع القبلي في السودان، دون أن نجهد أنفسنا في البحث عن الأسباب الأخرى التي تقف وراءه. ويصبح من العادي جدًا أن نتحدث عن المصالحة الوطنية وإيقاف الحرب، دون أن نجهد أنفسنا في معرفة ماهية هذه المصالحة، وما مستحقاتها، وما آليات تنفيذها؛ لأننا كنا باستمرار، ولا نزال، نعتقد أن المصالحة تبدأ وتنتهي بالاتفاق مع حملة السلاح وحدهم.
إن مساهمة بروفيسور البطحاني تستخدم عناوين جميلة ومعبرة، وهي تقوم بهذا التدخل الحميد، كما أنها، وهي تقارب موضوعًا سودانيًا، تستخدم لغة معاصرة، وتستند إلى مفاهيم عالمية تمتد جذورها في الحضارة الإنسانية، وتضع كل ذلك في سياق شديد القابلية للتحاور مع المقولات المركزية المشتركة في حضارة اليوم.
وإليكم بعض هذه العناوين:
إحلال التعايش السلمي مكان الخوف.
المجزرة والصدمة. التجربة الفردية والخيال الثقافي.
دور الذاكرة.
الزمن لا يشفي كل الجراح.
أما من مقولات الكتاب/الدراسة، فإليكم هذه المقولة:
«وتواجه المجتمعات التي تمر بعملية مصالحة مجموعة من المهام تشمل: قول الحقيقة، وتحري الحقيقة، ورواية القصص الحقيقية، والاعتذار، والإقرار بالمسؤولية، وإقامة العدالة الجزائية والتصالحية.
هذا كتاب صغير الحجم، عظيم الفائدة، مليء بالرؤى والأحزان والخوف والجراح والأفكار الخلاقة… فاقرأوه.
فائدة:.
من بين ما يتركه هذا الكتاب من أثر أننا نحتاج إلى إعمال العقل والقلب والعاطفة ونحن نتحاور حول موضوعتي الحرب والسلام؛ فالمصالحة، وأعني هنا المصالحة التحررية، تحتاج إلى قلب شجاع، وعاطفة رحيمة، وعقل يعرف كيف يشتري المستقبل.
ولأننا لم نُعمل العقل والقلب والعاطفة، فها هي الحرب تعود بصورة أشرس في 15 أبريل 2023، أي بعد عشر سنوات من صدور الكتاب.
فيا ترى، لماذا يصر السياسي السوداني على تحسس مصلحته الشخصية عندما يسمع كلمة (مصالحة)؟ وعبارة (إبراء الجراح).





