فخ الجيوش البديلة.. عندما يزرع السودان بذور تفكيكه….

 يوسف الغوث

لا تكمن المأساة الكبرى للسودان في الحرب الدائرة وحدها، بل في الخطر الذي يتجاوز المعارك إلى مستقبل الدولة ووحدتها وسيادتها.

إن الدول لا تتفكك دائمًا بإعلان رسمي أو برسم حدود جديدة، وإنما قد يبدأ تفككها تدريجيًا عندما تفقد مؤسساتها احتكار القوة، وتتعدد الجهات التي تمتلك السلاح والقدرة على فرض الإرادة، ومن ثم تصبح الولاءات العسكرية والسياسية المتنافسة أقوى من رابطة الدولة نفسها… إن أخطر ما يواجه السودان ليس استمرار الحرب فحسب، وإنما إعادة إنتاج الظروف التي جعلت السلاح الموازي جزءًا من معادلة الحكم والصراع، وكأن إنشاء قوة مسلحة خارج المؤسسة العسكرية الوطنية يمكن أن يكون حلًا دائمًا لمشكلة سياسية أو أمنية.

لقد أثبتت التجربة السودانية أن التوسع في بناء القوى المسلحة ذات القيادات المستقلة لا يضمن الاستقرار، بل قد يؤسس لصراع مؤجل ينفجر عندما تتعارض المصالح أو تتنازع الأطراف على السلطة والموارد والشرعية.

إن ما تقدمه قوات الدعم السريع مثالًا بالغ الوضوح على خطورة هذا المسار، إذ إن وجود قوة عسكرية ضخمة خارج بنية القيادة الموحدة للدولة خلق ازدواجًا في مراكز القوة، حتى انتهى الأمر إلى مواجهة مدمرة يدفع السودانيون ثمنها من أرواحهم وأمنهم وممتلكاتهم ومستقبل بلادهم.

ولعل الدرس هنا لا يتعلق باسم قوة بعينها أو بالظروف التي نشأت فيها، وإنما بالمبدأ الذي سمح بتراكم القوة العسكرية المستقلة حتى أصبحت قادرة على منازعة الدولة نفسها. فعندما يصبح السلاح وسيلة لضمان النفوذ السياسي، تتراجع فرص بناء مؤسسات مستقرة، لأن كل طرف يبدأ في حساباته من حجم قوته المسلحة، لا من قوة القانون والمؤسسات، وتتحول التسويات السياسية إلى تفاهمات هشة بين مراكز نفوذ يمكن أن تعود إلى الحرب متى رأت أن مصالحها مهددة.

ولا تنفرد السودان بهذه المخاطر، فقد قدمت ليبيا مثالًا على الصعوبات التي تواجه الدولة عندما تتعدد التشكيلات المسلحة وتتوزع السيطرة بين قوى ذات ولاءات ومصالح متباينة، فتصبح إعادة توحيد المؤسسة العسكرية والأمنية جزءًا من أزمة سياسية ممتدة… وفي العراق، أظهرت تجربة الفصائل المسلحة المرتبطة بمراكز سياسية ونفوذ متباين مدى تعقيد العلاقة بين السلطة الرسمية والقوى المسلحة التي لا تتطابق بالضرورة حساباتها مع متطلبات الدولة، وما يترتب على ذلك من تحديات تتصل بوحدة القرار الأمني وسيادة المؤسسات.

أما في اليمن، فقد كشفت الحرب كيف يمكن لتعدد القوى المسلحة وتنازع الشرعيات والتدخلات الإقليمية أن يؤدي إلى انقسام السيطرة على الأرض وتراجع مؤسسات الدولة وتحويل الصراع إلى أزمة ممتدة يصعب إنهاؤها بتسوية سياسية وحدها.

وفي سوريا، أسهم تعدد التشكيلات المسلحة واختلاف مرجعياتها، إلى جانب التدخلات الخارجية وتضارب المشاريع السياسية والعسكرية، في تعقيد النزاع وإضعاف وحدة القرار والسيطرة، لتصبح إعادة بناء مؤسسات وطنية جامعة من القضايا الجوهرية لأي استقرار مستدام… وتضيف الصومال درسًا آخر لا يقل أهمية، إذ أظهرت تجربته كيف يمكن لانهيار مؤسسات الدولة وتعدد القوى المسلحة ومراكز النفوذ أن يطيل أمد الصراع ويجعل استعادة سلطة وطنية قادرة على بسط الأمن وتوحيد القرار مهمة شاقة وطويلة.

لا يعني استحضار هذه التجارب أن ظروف السودان مطابقة لظروف ليبيا أو العراق أو اليمن أو سوريا أو الصومال، فلكل بلد سياقه التاريخي والسياسي والاجتماعي، لكن المقارنة تكشف خطرًا مشتركًا يتمثل في أن تعدد مراكز القوة المسلحة، حين يستمر من دون معالجة مؤسسية جادة، يجعل الدولة أكثر هشاشة، ويمنح القوى المتنافسة قدرة على تعطيل التسويات وفرض الأمر الواقع، ويزيد صعوبة الوصول إلى سلام مستقر.

إن الجيوش البديلة لا تبقى بالضرورة أدوات تحت تصرف من أنشأها، كما أن التشكيلات التي تُقدَّم في البداية بوصفها استجابة لضرورة أمنية أو سياسية قد تتحول مع مرور الوقت إلى كيانات لها مصالحها الخاصة، وتصبح عملية إخضاعها لسلطة الدولة أصعب من قرار السماح بإنشائها… وتزداد خطورة الأمر عندما يجري التعامل مع تعدد القوات باعتباره استحقاقًا سياسيًا أو ضمانة لتوازن السلطة، بدلًا من اعتباره قضية سيادية لا يمكن حلها إلا ضمن مشروع وطني لتوحيد المؤسسة العسكرية والأمنية.

وفي هذا السياق، تبرز تجربة اتفاق جوبا للسلام وما ارتبط بها من تحديات في تنفيذ الترتيبات الأمنية بوصفها تذكيرًا بأن توقيع الاتفاقيات وتقاسم المناصب لا يكفيان وحدهما لإنهاء أسباب النزاع، ما لم يتحول الالتزام بتوحيد القوات وإعادة بناء المؤسسات إلى خطوات عملية واضحة. فالسلام لا يقاس بعدد الاتفاقيات ولا بحجم المكاسب السياسية التي تحصل عليها الأطراف، وإنما بقدرة الدولة على منع عودة الحرب، وبناء مؤسسات تحمي المواطنين من دون تمييز، وتضمن ألا يتحول كل خلاف سياسي إلى مواجهة مسلحة. ومن هنا، فإن أي دعوة إلى إنشاء قوة مسلحة جديدة أو الإبقاء على تشكيل مستقل عن القيادة العسكرية الوطنية تستوجب نقاشًا جادًا، مهما كانت الجهة التي تطرحها أو المبررات التي تستند إليها. وفي هذا الإطار، فإن التصريح المنسوب إلى مني أركو مناوي في السابع من أكتوبر الجاري ينبغي تناوله على ضوء مضمونه الدقيق وسياقه، والتحقق من نصه قبل بناء استنتاجات نهائية عليه.

لكن المبدأ العام يظل واضحًا، فلا يمكن معالجة مشكلة تعدد الجيوش بإنشاء جيوش إضافية، ولا يمكن ضمان أمن إقليم أو جماعة عبر تكريس استقلال التشكيلات المسلحة.

إن مثل هذا النهج يفتح الباب أمام سباق متبادل، تستند فيه كل جهة إلى مخاوفها لتبرير امتلاك قوة مستقلة، ثم تستند الجهات الأخرى إلى وجود تلك القوة لتبرير إنشاء قوى مقابلة، فتدخل البلاد في دائرة من التسلح المتبادل يصبح الخروج منها أكثر صعوبة مع مرور الوقت… ولا يعني رفض الجيوش الموازية تجاهل المظالم التاريخية أو مطالب الأقاليم بالعدالة والتمثيل والأمن، بل يعني ضرورة معالجة تلك المظالم من خلال مؤسسات دستورية عادلة، وتوزيع منصف للسلطة والثروة، وأجهزة أمنية مهنية تخضع للقانون والمساءلة، بدلًا من تحويل كل مظلمة إلى مبرر لبناء قوة مسلحة منفصلة.

إن السلاح قد يمنح صاحبه قدرة على فرض مطالبه مؤقتًا، لكنه لا يؤسس وحده لعدالة مستدامة، وقد يجعل المجتمع بأسره رهينة لتوازنات القوة ومصالح قادتها.

إن السودان، وهو يواجه حربًا تهدد نسيجه الاجتماعي ومؤسساته ومستقبله الاقتصادي، لا يحتمل إعادة إنتاج النماذج التي جعلت تعدد القوى المسلحة عقبة أمام السلام وإعادة بناء الدولة.

إن الخيار الاستراتيجي المطلوب هو حصر السلاح المنظم في مؤسسات الدولة، وتوحيد القيادة العسكرية والأمنية، وإخضاع القوات للقانون والرقابة والمساءلة، وفق ترتيبات واضحة ومراحل قابلة للتنفيذ، مع معالجة أوضاع المقاتلين عبر الدمج المؤهل أو التسريح وإعادة التأهيل وفق معايير مهنية وطنية. وينبغي أن يترافق ذلك مع إصلاح سياسي يعالج جذور التهميش والنزاعات ويضمن مشاركة عادلة في السلطة والثروة، لأن توحيد السلاح من دون بناء الثقة والعدالة قد يترك أسباب الصراع قائمة، مثلما أن التسويات السياسية التي تتجاهل وحدة المؤسسة العسكرية لا تفعل سوى تأجيل المواجهة المقبلة…

إن الدرس الذي تقدمه تجارب ليبيا والعراق واليمن وسوريا والصومال ليس أن مصير كل دولة تسمح بتعدد القوى المسلحة هو التفكك حتمًا، وإنما أن ترك مراكز القوة تتراكم خارج إطار مؤسسي وطني موحد يرفع كلفة الاستقرار ويجعل إعادة بناء الدولة أكثر تعقيدًا. ولهذا ينبغي أن يكون السؤال أمام السودانيين واضحًا: فهل يريدون دولة تمتلك مؤسساتها قرار الحرب والسلام، أم ساحة تتقاسمها قوى مسلحة تتفاوض على النفوذ وتفرض إرادتها كلما تعثرت السياسة؟

إن مستقبل السودان لا يُحمى بتكثير الجيوش أو توزيع السلاح تحت عناوين التوازن والحماية والتمثيل، بل ببناء دولة عادلة وقادرة، يكون فيها الجيش مؤسسة وطنية مهنية موحدة، وتصان فيها الحقوق بالقانون، لا بقدرة كل جماعة على حمل السلاح… فبناء السلام لا يبدأ بإعادة إنتاج الجيوش البديلة تحت أسماء جديدة، وإنما بإغلاق الباب أمام منطقها، ومعالجة الأسباب السياسية والاجتماعية التي تستدعيها، واستعادة سلطة الدولة على أساس المواطنة والعدالة وسيادة القانون.

فإذا أراد السودان أن يتجنب بذور تفككه القادم، فعليه أن يستوعب دروس التجارب المحيطة قبل أن تتحول التحذيرات إلى واقع يصعب تغييره، وأن يدرك أن تعدد الجيوش ليس ضمانة لوحدة البلاد، بل قد يكون الطريق الذي تتآكل عبره تلك الوحدة من الداخل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى