شاي وعرديب وبوكس وكتشينة.. البرهان ومحاولة صناعة شعبية زائفة

حيدر المكاشفي
يحاول البرهان صناعة شعبية وجماهيرية زائفة لنفسه بعدد من التصرفات الغريبة والعجيبة، كأن يجلس إلى جوار بائعة شاي في الشارع العام ويحتسي كوب شاي، أو يتجول في سوق شعبي ويقف أمام محل بائع عصير شعبي ويشرب كوبًا من العرديب، أو يقود سيارة بوكس ويقف لبعض الطلاب ليقلهم في السيارة، أو يجلس على إطار عربة قديم ويشاهد مباراة في كرة القدم لبعض الصبية، أو يجلس القرفصاء على بساط ويلعب الكوتشينة مع بعض الجنود، وهكذا ينشط البرهان في محاولات دؤوبة لخلق شعبية وجماهيرية مصنوعة وزائفة لنفسه.
ولكن هناك ثمة مشكلة حقيقية تواجه الفريق البرهان في رحلة بحثه المضنية عن الشعبية والجماهيرية، وهي أنه يبدو كمن اكتشف فجأة أن الطريق إلى قلوب السودانيين لا يمر عبر القصور والمواكب العسكرية والمنابر الرسمية، وإنما عبر بائعة شاي في الشارع، وكوب عرديب أمام محل عصير شعبي، وقيادة سيارة بوكس، والجلوس على إطار عربة قديم، والتربع على بساط تُلعب فوقه الكوتشينة مع الجنود.
وهكذا، بدلًا من أن تتحدث السلطة عن إنجازاتها، أو تقدم كشف حساب للشعب، نشاهد مشاهد تبدو وكأنها حلقات من برنامج عنوانه (البرهان في الميدان)، مرة يحتسي الشاي، ومرة يشرب العصير، ومرة يقود البوكس، ومرة يتحول إلى مشجع لكرة القدم في حارة شعبية، ومرة يجلس القرفصاء ليلعب الكوتشينة مع الجنود.
ولا ندري إن كان هناك مستشار إعلامي أو سياسي يقف وراء هذه المشاهد، أم أن البرهان قرر بنفسه اكتشاف أسرار الكاريزما الجماهيرية. لكن المؤكد أن ثمة خلطًا واضحًا بين الظهور بمظهر الإنسان القريب من الناس، وبين أن يكون المرء قريبًا بالفعل من همومهم وآلامهم وتطلعاتهم.
فبائعة الشاي لا تحتاج إلى أن يجلس البرهان بجوارها لدقائق كي تعرف أنه مهتم بها، وإنما تحتاج إلى دولة تضمن لها الأمن، وتحمي مصدر رزقها، وتوفر لها الخدمات، ولا تتركها تواجه وحدها أعباء الحرب وارتفاع الأسعار وانهيار قيمة الجنيه.
وبائع العرديب لا يحتاج إلى أن يشرب القائد من محله المتواضع كي يشعر بأهمية وجوده، بل يحتاج إلى اقتصاد لا يخنق أصحاب الأعمال الصغيرة، وسوق يستطيع فيه المواطن شراء ما يحتاج إليه من دون أن يصبح الحصول على أبسط ضروريات الحياة معركة يومية.
أما الطلاب الذين أوقف البرهان السيارة البوكس التي كان يقودها ليقلهم، فإنهم لا يحتاجون إلى رحلة مجانية عابرة، بقدر حاجتهم إلى مدارس آمنة وتعليم منتظم ومستقبل لا تلتهمه الحرب.
ولا يحتاج الصبية الذين يلعبون كرة القدم في ميدان الحي إلى أن يجلس القائد على إطار عربة قديم لمشاهدتهم، وإنما يحتاجون إلى وطن يستطيعون فيه اللعب والحلم من دون أن تطاردهم أصوات الرصاص أو تهددهم مخاطر النزوح والفقر وضياع الفرص.
المشكلة ليست في أن يشرب البرهان الشاي أو العرديب، ولا في أن يقود سيارة بوكس أو يجلس على الأرض، المشكلة في الاعتقاد بأن هذه المشاهد يمكن أن تحل محل السياسة أو أن تعوض غياب الإنجاز أو أن تمنح صاحب السلطة رصيدًا شعبيًا لا تسنده الوقائع.
فالشاي مشروب شعبي، والعرديب مشروب سوداني مألوف، والبوكس وسيلة نقل يعرفها الناس، والكوتشينة لعبة لا تحتاج إلى بروتوكول رئاسي. لكن أياً من ذلك لا يتحول بمجرد ظهور قائد الجيش وهو يمارسه، إلى شهادة حسن سير وسلوك سياسي ولا إلى استفتاء شعبي مجاني على أدائه.
إنها في أحسن الأحوال لقطات تصلح للاستهلاك الإعلامي السريع، وفي أسوأ الأحوال محاولة لاختزال علاقة معقدة بين الحاكم والمحكوم في مشاهد عاطفية قصيرة تختفي بانتهاء التصوير، بينما تظل الأسئلة الكبرى معلقة في الهواء.
فالشعبية ليست مشهدًا بل موقف وسجل، والشعبية الحقيقية لا تُقاس بعدد الأكواب التي احتساها المسؤول وسط المواطنين، ولا بعدد الصور التي ظهر فيها متواضعًا، ولا بقدرته على الجلوس القرفصاء أو الاندماج في جلسة كوتشينة. إنها حصيلة مواقف وسياسات وقرارات ونتائج يلمسها الناس في حياتهم اليومية.

ولو أراد البرهان أن يحظى بشعبية حقيقية، فإن أمامه ما هو أهم بكثير من التجول في الأسواق والحواري والجلوس إلى بائعات الشاي.
وأول ما يحتاج إليه هو أن يجعل وقف الحرب وحماية المدنيين وفتح الطريق أمام السلام أولوية فعلية، لا مجرد عبارات تتكرر في الخطابات. فالسوداني الذي فقد منزله أو أحد أفراد أسرته لا يستطيع أن يستبدل خسارته بصورة للرئيس وهو يشرب العرديب. والأم التي تبحث عن الطعام والدواء لأطفالها لا يمكن مطالبتها بأن تستمد الطمأنينة من مشهد عابر في سوق شعبي.
وثاني ما يحتاج إليه هو أن يقدم إجابات واضحة عن المسؤولية عن الانتهاكات التي تعرض لها المدنيون المعدنون مؤخرًا، وأن يدعم تحقيقات دولية مستقلة وشفافة ومحاسبة عادلة، بدلًا من ترك الأسئلة معلقة أو التعامل معها باعتبارها عبئًا إعلاميًا ينبغي تجاوزه.
وثالثها أن يواجه الفساد ويضبط الإنفاق العام ويكبح الفوضى الاقتصادية، ويعيد الاعتبار للخدمات الأساسية من صحة وتعليم وكهرباء ومياه. فالمواطن لا يريد أن يرى المسؤول يأكل مما يأكل ويشرب مما يشرب فحسب، يريد أن يعرف لماذا تدهورت حياته، ومن المسؤول عن ذلك، وماذا ستفعل السلطة لتغييره.
ورابعها أن يفتح المجال أمام الحريات العامة والصحافة المستقلة والنقد السياسي، وأن يقبل حق المواطنين في معارضة السلطة ومساءلتها من دون تخوين أو تهديد. فالحاكم الذي يريد أن يسمع التصفيق وحده لن يعرف حقيقة شعبيته مهما كثرت الصور التي يظهر فيها بين الناس.
أما خامسها، والأكثر أهمية، فهو أن يوضح موقفه من استعادة الحكم المدني الديمقراطي، وأن يقدم مسارًا سياسيًا واضحًا ومقنعًا ينهي احتكار العسكريين للقرار، ويعيد السلطة إلى مؤسسات مدنية تستمد شرعيتها من إرادة المواطنين.
وبالطبع، لن نطلب من البرهان أن لا يغشى الأسواق الشعبية، أو أن يمتنع عن شرب الشاي مع البائعات. لكن الفارق كبير بين مسؤول ينزل إلى الشارع ليسمع شكوى الناس ويعود ليعالج أسبابها، ومسؤول ينزل إليه ليصنع صورة توحي بأنه واحد منهم، ثم يتركهم يواجهون مشكلاتهم كما كانوا.
وهناك ثمة ما ينبغي ألا يغيب عن البرهان ومن يتولون تسويق صورته، إن السودانيين ليسوا جمهورًا ساذجًا ينتظر ظهور المسؤول في مشهد شعبي كي ينسى ما يجري حوله. إنهم مواطنون خبروا السلطة وخطابها ووعودها، ويعرفون الفرق بين من يقترب منهم ليشاركهم أعباء الحياة، ومن يقترب منهم ليحصل على صورة جديدة في أرشيف العلاقات العامة.
فالحكم على صدق المسؤول لا يكون من الصورة وحدها، وإنما من اتساقها مع سلوكه وسياساته ونتائج عمله.
غير أن تكرار هذه المشاهد إذا لم يصاحبه تغير ملموس في حياة الناس، يجعل السؤال مشروعًا: هل نحن أمام تواصل حقيقي مع المواطنين، أم أمام محاولة لتجميل صورة القائد؟
ثم إن الشعبية ليست سلعة يمكن شراؤها بكوب شاي، ولا هبة يمنحها بائع عصير، ولا جائزة يفوز بها من يتقن الجلوس على إطار عربة.
الشعبية ثقة، والثقة لا تُفرض بالأوامر، ولا تُستجدى بالصور، ولا تُنتزع من المواطنين عبر حملات التلميع. إنها تُبنى حين يشعر الناس أن الحاكم يعمل من أجلهم، ويخضع للمساءلة أمامهم، ويحترم حقهم في اختياره أو رفضه.
فليحتسِ البرهان ما شاء من الشاي والعرديب، وليجلس حيث يشاء، وليقد البوكس إن أراد، لكن عليه أن يدرك أن كوب الشاي لا يوقف حربًا، وقيادة السيارة لا تعيد نازحًا إلى منزله، وجلسة الكوتشينة لا تبني دولة، وصورة في سوق شعبي لا تمنح شرعية سياسية.
قد تنجح هذه المشاهد في صناعة انطباع عابر، وقد تحصد الإعجابات والتعليقات، لكنها لن تجيب عن السؤال الأهم: ماذا قدمت السلطة للسودانيين، وماذا ستفعل لإنهاء الحرب واستعادة الدولة والحكم المدني؟ ذلك هو الامتحان الحقيقي للشعبية.
أما بقية المشاهد، فمهما بدت عفوية، فإنها تظل مجرد صور في ألبوم سياسي مزدحم بالأسئلة التي لم تجد إجاباتها بعد.
فالشعبية لا تُصنع بالجلوس إلى جوار الشعب لبضع دقائق، بل بالوقوف إلى جانب حقوقه ومصالحه ومستقبله. وهذه مسألة لا يحلها الشاي والعرديب والبوكس والكتشينة.
… ونختم بطرفة ذلك الساخر الساخط، قيل إن رجلًا ساخطًا على الحال وساخرًا منه، أوقفه شرطي عند نقطة تفتيش وطالبه بإبراز البطاقة الشخصية، رد عليه الرجل بضجر وتأفف: (هي وينا الشخصية البطلعوا ليها بطاقة) تعبيرًا عن الحال والوضع السيئ الذي يكابده.





